رأي حرOpinions

أساس تنافسية الدولة| د. منال أمون حبشي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

إدارة التعليم - أساس تنافسية الدولة/ بقلم: د. منال أمون حبشي

في ظل ظروف عولمة العملية التعليمية، تتمتع البلدان المتقدمة بوضع متميز لا يضاهى، بينما تواجه البلدان النامية صعوباتها. لذلك، هنالك حاجة ملحة لتطوير استراتيجيات تعليمية، لتدريب الموظفين المهنيين والمتخصصين


مقدمة-
في عصر تطوير تكنولوجيا المعلومات، بدأنا في التركيز أكثر على جميع أنواع الابتكارات التي يمكن أن تسهل، تبسط وتحسن حياتنا، سواء كان ذلك في ال حياة اليومية وأوقات الفراغ، في التعليم، العمل او غيرها. ففي الآونة الأخيرة، يعمل ويجتهد علماء، باحثون وخبراء مختصون لضمان حياه أبسط وأفضل لجميعنا، من دون أي تجاهل للمشاكل المحيطة. فقد تمكن الباحثون من تطوير ابتكارات وتطبيقها بشكل فعال وناجع في عدة مجالات، خاصة في المجال التعليمي. ففي مجال التعليم، ولعدة سنوات، تم تطبيق الابتكارات التي تم إدخالها لتطوير التدريب الجيد. هذا ما يدعى ب "التعليم المفتوح" الذي يحاول ان يرقى بالتعليم الى ما وراء التعليم، حيث ان الغرض الرئيسي من وراءه يكمن في إعداد الناس لحياة مستمرة، دائمة التغير تواكب وتعاصر العالم الحديث الذي نعيشه. عمليا، يتمثل جوهر هذا التدريب في توجيه العملية التعليمية نحو إمكانات الفرد، وكذلك تجاه تنفيذه.
ترتكز مبادئ التعليم المفتوح على إعداد طلاب من اجل المشاركة الواسعة والفعالة في المجالات العامة والمهنية بما في ذلك الاقتصاد والاسواق. ففي الآونة الأخيرة، تقوم عشرات الجامعات في عدة دول حول العالم بتدريب مختصين في مجال إدارة وتسويق الإنتاج عالي التقنية، لكن ورغم ذلك فان هذا التدريب لم يثبت فاعليه كبيره بسبب ان نسبة ضئيلة فقط من الخريجين يعملون في مجال تخصصاتهم، بالإضافة الى مشاكل اخرى مثل استحواذ البعض على مراكز نقل التكنولوجيا.
في ظل ظروف عولمة العملية التعليمية، تتمتع البلدان المتقدمة بوضع متميز لا يضاهى، بينما تواجه البلدان النامية صعوباتها. لذلك، هنالك حاجة ملحة لتطوير استراتيجيات تعليمية، لتدريب الموظفين المهنيين والمتخصصين. ففي الوقت الراهن، ورغم تزايد دور التعليم، استمرارية عملية العولمة والاتجاه نحو تشكيل سوق للخدمات التعليمية، إلا أنه لا تزال مواقف واراء قوية في أوساط المجتمع العلمي فيما يتعلق بالاعتراف بمجال التعليم ككفاءة اجتماعية فقط والاستخفاف بها من الناحية الاقتصادية بحجة أنها تستهلك الدخل القومي فقط ولا تشارك في تشكيله. هذا الرأي يرتبط بما يسمى "المبدأ المتبقي لتمويل التعليم".
من جهة اخرى، اثبتت دراسات عديده الكفاءة الاقتصادية العالية جدا للتعليم. فعلى سبيل المثال، منذ أواخر الخمسينيات، بدأ يظهر في الغرب ازدهار حقيقي في المطبوعات، باعتبار ان الإنفاق الفردي والعام على التعليم هو أحد أكثر مجالات الاستثمار ربحا. ففي السياسة والاقتصاد وفي جميع مجالات الحياة والأنشطة الأخرى، تزداد متطلبات التدريب المهني، حيث يلاحظ المختصون في علم أصول التدريس أن مركز ثقل جهود المجتمع التربوي العالمي ينتقل من مشاكل التعليم "الجماعي" إلى مشاكل جودة التعليم. فعلماء الاجتماع يعتبرون جودة التعليم ضمان للتوظيف وهو ما ينم عن "مكانة" اجتماعية وثقافية للأفراد.
بالنسبة لإسرائيل، تمتلك إسرائيل آفاق حقيقية وإمكانات تصدير مهمة في مجال التعليم العالي وتصدير خدمات تعليمية. يرجع ذلك إلى المزايا التنافسية مثل: المستوى الأساسي والعالي للتعليم في اسرائيل، خاصة في الجامعات الأساسية، إمكانية تدريب متخصصين في مجالات عده، خبرة متعددة السنوات في السوق الدولية للخدمات التعليمية، توافر برنامج حكومي لتدريب المواطنين الأجانب، وإمكانية الحصول على التعليم على أساس الرسوم-القسط التعليمي، مما يزيد من جاذبية العرض وزيادة الطلب للانتساب للجامعات الإسرائيلية خاصة من البلدان النامية.

ففي الجامعات الإسرائيلية يتم تطبيق إجراءات استراتيجية فعالة لتحسين القدرة التنافسية للتعليم المحلي مثل: زيادة عدد البرامج التعليمية، العرض الفعال للبرامج التعليمية باللغات الأجنبية, التنفيذ المنهجي باللغات الأجنبية, جذب المزيد من المحاضرين الأجانب, تطوير سياسة تسعير مستقرة ومرنة تعتمد على نظام الخصم, توفير منح دراسية تغطي تكاليف التعليم بشكل جزئي او كلي, وتحسين آلية المراقبة الأولية للطلاب المتقدمين خاصة الأجانب من أجل منع التسرب او الفشل الأكاديمي.

الجدول 1. تصنيف الدول في مجال التعليم حسب البلدان المختلفة، 2019

تحصل الدول الصناعية، التي ينتقل إليها المختصون ذوي المؤهلات العالية، على امتيازات اقتصاديه كبيره بسبب تركيز النخبة الفكرية داخل نطاقها، ما يشكل أحد العوامل للازدهار الاقتصادي في سياق المنافسة العالمية. رغم ان الدراسات تبين ان العديد من العلماء والخبراء الذين انتقلوا إلى خارج بلادهم في إطار ما يسمى ب "هجرة الأدمغة"، قاموا بتطوير وتنفيذ انجازات علمية في تلك الدول، وحصلوا على جوائز وامتيازات عديده، الا ان التوجه اليوم في غالبية الدول وعلى رأسهم إسرائيل هو لإعادة الخبراء والعلماء للعمل في نطاق الدولة الام. هذا ما يدعى ب-"عودة الأدمغة" من اجل الاستفادة من الطاقات والخامات البشرية ال محلية في تأسيس وتطوير مشاريع، برامج واختراعات علمية محليه، بناء منتجات وتطوير قطاع التكنولوجيا الفائقة، وتطوير كافة المجالات والمرافئ في الدولة وخاصة المجال التعليمي.

من المهم ذكره ان ظاهرة "هجرة الأدمغة" هي ظاهرة عالمية متأصلة في الأشكال المختلفة للاقتصاد في جميع الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. بالإضافة إلى ذلك، هنالك هجرة وانتقال للأخصائيين ذوي الكفاءة العالية من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية. قد يكون هذا بسبب حقيقة أن قسم من بين البلدان النامية تسعى لتوفير مختصين مؤهلين تأهيلاً عالياً في بلدانهم مثل علماء، محاضرين، اطباء وغيرهم. ففي الآونة الأخيرة, أصبحت اليابان وبدون منافس أكبر مركز ابتكار في العالم، حيث تقدم كفاءة اقتصادية متزايدة، تعتمد على أحدث التقنيات. تستند استراتيجية النمو الجديدة في اليابان إلى عدة لبنات أساسية، مثل تنشيط الاقتصاد الإقليمي، الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح قطاع الخدمات. كل هذه الأمور مترابطة مع المشكلة الرئيسية المشتركة بين القطاعات الا وهي الابتكار والاستثمار في رأس المال البشري، الذي يعد تطويره ضروريًا أيضًا لتطوير البنية التحتية للإنتاج وغير الإنتاج، بالإضافة الى الابتكار في التمويل والاستثمارات والابتكار التكنولوجي.
تؤكد الدراسات في هذا المجال رغبة الملايين من الناس في تحقيق نوعية حياة ذات جوده اعلى - تحسين التعليم والتوظيف، تحسين جودة الرعاية الصحية أو ببساطة إيجاد مكان أكثر أمانًا للعيش فيه. فعلى سبيل المثال, تعاني مؤخرا المملكة المتحدة من أكبر نسبه ل- "هجرة الأدمغة" منذ 50 عامًا. وفقًا للدراسات، يعيش حوالي 3 مليون شخص في خارج المملكة المتحدة. من بين الأشخاص الذين ولدوا في المملكة المتحدة، أكثر من 1.1 مليون منهم هم من المتخصصين، المحاضرين، الأطباء، والمهندسين المؤهلين تأهيلا عاليا. وفق الاحصائيات أكثر من 10٪ من خريجي الجامعات ينتقلون للعيش خارج نطاق المملكة. على سبيل المثال، في عام 2006، غادر البلاد 207 آلاف مواطن. أكدت دراسة في هذا الصدد، أنه لا توجد دولة أخرى من بين ال- 29 دولة عضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تفقد مثل هذ العدد من القوى العاملة ذات الكفاءة والمهارات العالية خلال عام. الوجهات الأكثر جذبا للمغتربين البريطانيين هي أستراليا، الولايات المتحدة، كندا ونيوزيلندا. اما الأسباب الرئيسية التي تجبر البريطانيين على مغادرة وطنهم هي بالأساس ارتفاع أسعار المساكن، الضرائب الباهظة وسوء المناخ.
أظهرت دراسة للبنك الدولي من خلالها تم تحليل بيانات من 33 دولة، أن بالمعدل أقل من 10٪ من مواطني تلك الدول الحاصلة على تعليم عال يهاجرون إلى خارج الدولة. فمصطلح "هجرة الأدمغة" ينطبق بالكامل فقط على خمسة بلدان (جمهورية الدومينيكان، السلفادور، المكسيك، غواتيمالا وجامايكا)، حيث انتقل أكثر من ثلثي جميع المتعلمين إلى الخارج (بشكل أساسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية).
ينتقل معظم المهاجرين لأسباب اقتصادية. عندما تنتقل القوى العاملة من سوق إلى آخر بحيث يتقاضى العمال المهاجرين دخل أعلى، عندها يستفيد كل من أصحاب العمل والمستهلكين. بمجرد الاستقرار في البلدان المضيفة، يمكن للمهاجرين ذوي التعليم والكفاءات العالية تقديم مساهمة كبيرة في المجتمع، المساهمة في زيادة إنتاجية العمل والمساهمة في نمو الاقتصاد المحلي.

الاستنتاجات.
تعد القدرة التنافسية للتعليم من أهم خصائص نظام التعليم المحلي، والتي تنظم وفق قوانين التربية (تحديد أهداف وجودة التدريب المهني للخريجين) , القوانين السياسة (الحماية, التمييز والعزل-الفصل) والقوانين الاقتصادية (سياسات مصدري الخدمات التعليمية الأجنبية). كما أن الضغوطات الجامعية التي تجمعها وكالات الأنباء في البلدان المتقدمة اقتصاديًا تشكل عامل ضغط على المنافسين في السوق الخارجية للخدمات التعليمية. في السوق الداخلي، تتأثر تنافسية التعليم الداخلي بشكل كبير بمستوى تطور الإنتاج المحلي والاقتصاد وبنظام القيم السائد في المجتمع. اذ لا يمكن حل مشكلة تحسين القدرة التنافسية للتعليم المحلي بأساليب تخص مجال محدد، بل هنالك حاجه إلى نظام مقاييس ذو طبيعة تنظيمية، سياسية، اقتصادية وتربوية. علاوة على ذلك، يجب أن تغطي التدابير التربوية كل من مسار العملية التعلمية وتنظيمها. فعلى سبيل المثال، في سوق العمل والخدمات الخارجية، ينبغي اعتبار الهدف الاستراتيجي لمثل هذا التحديث للتعليم الروسي تصميمًا لمساحة تعليمية خاصة به، والتي بدونه ستكون فكرة العالم متعدد الأقطاب مستحيلة.
محليا وعلى نطاق دولة إسرائيل، لن نرقى بالمستوى المطلوب ولن نزيد من قدرتنا التنافسية ما لم يكن حلا جذريا لظاهرة "هجرة الأدمغة" ومعالجة مسبباتها: هجره إمن اجل الحصول على شهادة الماجستير، الدكتوراه أو دراسات عليا أخرى، من اجل العمل وتحسين ظروف المعيشة، من اجل التحقيق الذاتي, الطموح العلمي والعملي، من اجل العيش بمركز العالم ومراكز القوى-قريبا من مراكز الاحداث، الانتقال-الهجرة كأحد أفراد الأسرة، او بسبب الأزمات الاقتصادية، السياسية او الامنية.
عالميا، تشكل حصة الولايات المتحدة 32٪ من إجمالي عدد الطلاب الأجانب من جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، اذ يعد نظام التعليم العالي في الولايات المتحدة أحد أهم قنوات التوظيف للمهاجرين ذوي المهارات العالية- ما يقارب 25٪ من الحاصلين على التأشيرات الأمريكية المؤهلين تأهيلا عاليا كانوا في السابق طلابا في جامعات أمريكية.

  المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com   


إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
د. منال أمون حبشي