رأي حرOpinions

بليغ النَّغم 17| بقلم: سيمون عيلوطي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

بليغ النَّغم 17| بقلم: سيمون عيلوطي

الحلقة السَّابعة عشرة من سلسلة بـليغ النَّغم: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي الفنيَّة والانسانيَّة (17)- السكوت عن الجريمة جريمة


رأينا في الحلقة السَّابقة "أنَّ الموسيقار بليغ حمدي حصل من محكمة النَّقض على تبرئته من التُّهمة التي أدين بها، بموجب قرار المحكمة السَّابقة، وتضمَّن قرار محكمة النَّقض على أنَّه لا علاقة له مطلقًا بما عُرِف بقضيَّة "سميرة مليان"، كما لم يثبت أيضًا للمحكمة، بالدَّليل القاطع، تورُّط حمدي بتسهيل الدَّعارة، وعليه يُخلى سبيله فورًا، بدون قيد أو شرط".
ما جاء أعلاه يقودني إلى طرح الأسئلة التَّالية:
لماذا لم يُحفِّز قرار محكمة النَّقض بتبرئة بليغ حمدي، أصحاب الضَّمائر الحيَّة في مصر، على ملاحقة كافَّة الأطراف التي شوَّهت صورته، وتقديمهم للمحاكمة بتهمة القذف والتَّشهير التي يعاقب عليها القانون؟ ...
ولماذا اكتفت نقابة المُؤلِّفين والملحِّنين في مصر بإقامة حفل استقبال "لحمدي"، بعد عودته إلى مصر، حضره من أهل الفنِّ بعض وجوه السِّينما، وغاب عنه الكثير من النَّاشطين في مجال الغناء والموسيقى. أرى أنَّ ذلك يعود إلى عدم التَّنظيم الكافي لهذه الفعاليَّة، وقد بدا ذلك من خلال الارتجاليَّة الظَّاهرة في الحفل، وبشكل لا يليق بجسم فنيّ مثل نقابة المُؤلِّفين والملحِّنين، ولا حتَّى برسالة الفنِّ والفنَّانين، ما يُعزِّز الاعتقاد أنَّ النِّقابة لم تستطع أن تقف على الحياد، لاسيَّما بعد براءة واحد من أهمِّ عناصرها، فأقامت هذا الحفل المتواضع-الخجول، وكفاها الله شرَّ القتال.
أقول: لماذا اكتفت نقابة المُؤلِّفين والملحِّنين في مصر بإقامة هذا الحفل الخجول، من دون أن تبادر إلى اتخاذ إجراءات قانونيَّة، تُلزم وسائل الإعلام على تسجيل اعتذار للموسيقار، يكون بنفس الجحم، وعلى نفس الصَّفحات التي تعمَّد فيها أصحابها الإساءة لبليغ حمدي؟
ولماذا لم تعمل أيضًا على مقاضاة وتغريم الشَّركة التي أنتجت فيلم "موت سميرة" وكل من شارك فيه، لما تضمَّنه هذا الفيلم من تجريح وإساءة مقصودة لبليغ، وبالتَّالي منع هذا الفيلم من العرض، وإزالته أيضًا من موقع "يوتيوب" YouTube، وجميع المواقع المماثلة الأخرى.

(شريط يعرض لحظة استقبال الموسيقار بليغ حمدي بعد عودته لمصر)

 
ثمّ لماذا لم تُقِم وزارة الثَّقافة المصريَّة احتفالًا تكريميًا رسميًا لهذا المبدع الخلَّاق، وتخصِّص جائزة فنيَّة على اسمه. لعلَّها تُنصفه، وتُعيد اعتباره كواحدٍ من أبرز الموسيقيِّين الَّذين أحدثوا نقلة جديدة في الموسيقى المصريَّة والعربيَّة، بعد سيِّد درويش من جهة، وتلحينه لل أغاني الوطنيَّة التي تغنَّت بتراب مصر، وشعبها، والتَّعبير عن نكستها في العام 1967، و"عودة الرُّوح" إلى أبنائها بعد حرب أكتوبر، 1973، من جهة أخرى.
بليغ، يستحقُّ بجدارة على هذا المنجز القيِّم جائزة جمهوريَّة مصر العربيَّة ووسامها، واعتراف الجِّهات الرَّسميَّة بدوره البارز في تطوير الموسيقى المصريَّة، وأعلاء شأنها، واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من تراث بلاده، وفنونها الجميلة.
وفي نفس السِّياق، أتساءل باستغراب: ألم تنضج بعد المؤسسات الثَّقافيَّة، الرِّسميَّة، والشَّعبيَّة على حد سواء في مصر بما يؤهّلها على القيام بواجبها الثَّقافيّ والأخلاقيّ، وذلك بتصحيح الغبن الذي لحق ببليغ، خاصة في السَّنوات الأخيرة من حياته، وتعمل على استعادة مكتبه الكائن في حيِّ الزمالك – القاهرة، شارع بهجت علي من صاحبه الذي استرجعه بحُجَّة أنَّ العقار أصبح ملكًا متروكًا، حيث أنِّ بليغ حمدي لا يوجد له بعد وفاته وُرثاء، وبهذا الشَّكل اِسْتَوْلَى هذا الرَّجل على المكتب، وقام برمي جميع محتوياته إلى الشَّارع، بما فيها عوده، وأوراقه التي دوَّن عليها الحمدي نوتات معظم ألحانه وموسيقاه، ثمَّ حوَّله إلى متجر لبيع السَّتائر والسُّجاد.
ألم يحن الوقت لأن تعمل الحكومة المصريَّة على تحرير مكتب بليغ، وجعله مزارًا يستقبل الجُّمهور من كل مكان للاطِّلاع على ما تركه هذا الفنَّان الكبير من تراث فنيّ خالدـ، على غرار بيوت ومقرَّات الفنَّانين في العالم المتحضِّر.

 حين نعود إلى المصادر التي تطرَّقت لمسألة الأصابع الخفيَّة التي كان لها مصلحة في كلِّ ما تعرَّض له بليغ حمدي من إهانة، وتشريد، وطعن في كرامته، وسمعته، نجدها تنقسم إلى مجموعتين: الأولى: تُؤكد أنَّ هناك جهات سياسيَّة، رسميَّة كانت تريد أن تتبوَّأ المنصب السِّياسيّ الشَّاغل الذي عرضته رئاسة الجمهوريَّة المصريَّة على شقيق بليغ حمدي، وهو: الدُّكتور مرسي سعد الدِّين حمدي، فوجدت أنَّ أفضل حجَّة تُحقِّق فيها مآربها، هي: تلفيق تهمة لأخيه بليغ، لذلك لجأت إلى إعادة فتح ملف قضيَّة "سميرة مليان" من جديد، ثمَّ تقديم الموسيقار للمحاكمة بتهمة تسهيل الدَّعارة والفجور.
أمَّا المجموعة الثَّانية: فقد اعتبرت أنَّ هناك أوساط فنيَّة، موسيقيَّة، كانت تغار من بليغ حمدي، وترى أنَّ غزارة إنتاجه، وسرعته بالتَّلحين، شجَّع مختلف شركات الإنتاج على تكليفه بتلحين العديد من الأعمال الموسيقيَّة، ما كاد أن يقعدهم بدون عمل في البيت. إضافة إلى أنَّ الأصوات الغنائيَّة أصبحت تطرق بابه بكثرة لكي تغني من ألحانه، فما كان من هذه الفئة الفنيَّة سوى أن تستغل نفوذها لدى النِّظام الحاكم لإلباس بليغ بالتُّهمة المذكورة سابقًا.
جميع المصادر التي تطرَّقت إلى هذه المسألة، لم تكشف عن هويَّة من كان وراء مُؤامرة محاكمة بليغ، غير أنها أشارت إلى شخصيَّة ما تعمل لدى إحدى الوزارات الرسميَّة، طمعت في المنصب السِّياسيّ الرَّفيع الذي عُرض على الدُّكتور مرسي سعد الدِّين حمدي، لتشغله بدلًا عنه.
وهناك مصادر أخرى خلصت إلى القول: إنَّ من حرَّك قضيَّة "مليان" هو أحد الفنَّانين الكبار، أستغل نفوذه لدى وزارة الدَّاخليَّة، لتوريط بليغ حمدي. الكاتب أيمن الحكيم أكّد صحَّة هذا الزَّعم لإحدى الفضائيَّات، وعندما سأله محاوره في الفضائيَّة: "هل المقصود هو محمَّد عبد الوهَّاب؟ صمت ولم يجب، لحساسيَّة الموضوع، ثمَّ تابع حديثه عن شؤون أخرى ذات صلة ببليغ حمدي، وموسيقاه.

بليغ ربح القضية، وحصل على براءته، ولكن بعد أن خسر صحته، وفي هذا الصدد قالت عازفة البيانو نانسي فاروق التي لازمت الموسيقار في آخر أربع سنوات من حياته؛ إنه مات بخطأ طبّي أثناء إجرائه جراحة في الكبد قبل وفاته بـيومين.
تحدًّثت “فاروق” في حوار لموقع “الشُّروق“، عن تفاصيل رحلة علاج “حمدي” الأخيرة في باريس، موضَّحة أنَّه سافر للسُّعوديَّة لحضور مناسبة لصديق له قائلة: “هناك تعب شويَّة، ذهب إلى الطبيب، اكتشف أن الكبد به مشاكل ونصحه بالسفر إلى باريس”، مبيِّنة أنه جاء إلى مصر وسافر يوم الأربعاء ثم لحقت به الأربعاء الذي تلاه لأنه رفض السَّفر بدونها.
في نفس السِّياق، أضافت نانسي فاروق أنَّه كان من المفترض أن يتلقَّى بليغ حمدي جرعة الحقنة الثَّانية في 11 يناير، (كانون الثاني) من عام 1994، لكنَّ الدًّكتور أكد أنَّ نجاح الحقنة الأولى جعلنا نبكِّر بالثَّانية، منوِّهة أنَّه للأسف دخل المستشفى يوم الجمعة 10 سبتمبر، (أيلول) عام 1993.
وتتابع: عندما علم “حمدي” أن طبيبًا آخر سوف يتولَّى الحقن، حزِن كثيرًا، وشعر بضيق، وكان شديد العصبيَّة، ويبدو أنه كان يشعر بما سيحدث، مشيرة إلى أنَّه دخل غرفة العمليَّات في السَّاعة 8 صباحًا كالعادة، وخرج السَّاعة 11.40 بالرَّغم من أنَّه في عمليَّاته السَّابقة كان يخرج بعد ساعتين فقط، مضيفة أنه خرج وهو في حالة إعياء شديدة جدًا ويتحدَّث بصعوبة وأشار إلى الطَّبيب ما يفيد بأنَّه أخطأ في الحقن.
بعد ذلك أوضحت “فاروق” أنَّه عندما دخل “حمدي” غرفة الحقن، أو العمليَّات، كان على الطَّبيب أن يفتح الجَّانب الأيمن ليرى حالة الكبد ومدى امتصاصه للمصل، ولكنَّ الطَّبيب لم يفطن لهذا وفات عليه أن يعرف أنَّ الكبد مازال يمتصّ الجُّرعة الأولى، وإذا به يعطيه الجُّرعة الثَّانية في نفس الوقت، وهو الأمر الذي أدَّى إلى أنَّ الكبد حدث به مشكلة كبيرة أدت إلى تحلله.
ثمَّ قالت: "إنّ بليغ حمدي عاش آخر 48 ساعة في حياته على البروفين مسكنات فقط، مؤكدة أنهم في المستشفى كانوا يعون أنهم أخطأوا، قائلة: “مات بليغ يوم الأحد 12 سبتمبر، (أيلول) 1993، أمام عيني”.
يتبع...

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com    

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
سيمون عيلوطي رأي حر