رأي حرOpinions

شرعنة العقاب على الآراء السياسية| سليم سلامة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

السقوط في شرعنة العقاب على الآراء السياسية!| بقلم: سليم سلامة


بحُكهما القضائي الذي أصدرته يوم الخميس الأخير، ارتكبت "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية جملة من الأخطاء التي يمكن القول، دون مغالاة أو افتئات على الحقيقة، إنها تضعها (المحكمة) في موقف مناقض لاسمها ("العدل") ومناقض لقرارات سابقة صدرت عنها، بل مناقض لكل ما في الديمقراطية من حقوق وقيم بما يمكن اعتباره اعترافاً رسمياً تسجله هذه الهيئة القضائية الأعلى في إسرائيل بزيف "الديمقراطية الإسرائيلية" المُدّعاة ومدى ضيق حدودها، ليس القومية ـ العرقية فحسب، وإنما السياسية أيضاً.
هذا هو الاستنتاج المركزي، الأول والأخطر، الذي لا بد من استخلاصه عند قراءة نص قرار "محكمة العدل العليا" بشأن منح "جائزة إسرائيل" هذا العام للبروفيسور عوديد غولدرايخ، العالِم ذي الشهرة العالمية في مجال الرياضيات، من "معهد وايزمان للعلوم" في مدينة رحوفوت، وهو قرار يحمل بين طياته وفي دلالاته درجة عالية جداً من الخطورة المتعددة الأوجه، كما سنبينها هنا.
فقد شرعنت المحكمة، في نصٍّ قضائيّ رسميّ لا يعدم التعليلات والتسويغات القانونية، القرار الذي اتخذه وزير التربية والتعليم، يوآف غالانت (ليكود)، رفض قرار "لجنة اختيار الفائزين بجائزة إسرائيل" للسنة الجارية 2021 والقاضية بمنح بروفيسور غولدرايخ هذه الجائزة تقديراً له على أبحاثه في أحد المواضيع الهامة في مجال علوم الرياضيات والحاسوب. وقد جاء رفض غالانت هذا على خلفية المواقف التي عبر عنها بروفيسور غولدرايخ في مناهضة الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية وفي تأييد حركة "ال مقاطع ة، سحب الاستثمارات والعقوبات" (BDS) على خلفية استمرار الاحتلال الإسرائيلي لهذه المناطق وتكثيف الاستيطان اليهودي فيها.
مهلة تتجاوز الجدول الزمني وموعده النهائي!
قرار المحكمة العليا الإسرائيلية هذا جاء رفضاً للالتماس الذي تقدمت به إليها "لجنة الجائزة" ضد وزير التربية والتعليم وقراره المذكور. وفي قرارها هذا، تبنت المحكمة موقف الوزير غالانت الذي طلب "فحص ما إذا كان يستطيع، من الناحية القنونية، رفض منح بروفيسور غولدرايخ جائزة إسرائيل"، كما تبنت المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، الذي ادعى بأنه "ينبغي إتاحة المجال أمام الوزير غالانت لبحث الموضوع وفحص المعلومات التي وصلت إليه قبل يومين" ومفادها أن بروفيسور غولدرايخ قد وقع على عريضة نُشرت قبل نحو أسبوعين تعلن التأييد لحركة المقاطعة وتدعو "الاتحاد الأوروبي" إلى مقاطعة "جامعة أريئيل" القائمة في مستوطنة أريئيل، التي أقيمت سنة 1978 على أراضٍ تبلغ مساحتها أكثر من 500 دونم تابعة لعدد من البلدات الفلسطينية هي سلفيت، اسكاكا، مردة وكفل حارس.
هيئة المحكمة، التي تألفت من ثلاثة قضاة (هم: القاضي نوعام سولبيرغ، المستوطن في مستوطنة "ألون شفوت"، إحدى "مستوطنات غوش عتصيون" الواقعة إلى الجنوب من القدس، ما بين بيت لحم والخليل؛ القاضية ياعيل فيلنر، المقيمة في مدينة حيفا اليوم لكن الناشطة سابقاً في حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية، إذ كانت ضمن نواتها الاستيطانية الأولى في "سبسطية" بالقرب من مدينة نابلس؛ والقاضي يتسحاق عميت) انتبهت بالطبع إلى مسألة التوقيت، لكنها سوّغت قرارها هذا بالقول إنه "في الظروف التي نشأت، ومع الأخذ في الاعتبار موقف وزير التربية والتعليم بشأن الحاجة إلى مهلة زمنية إضافية لفحص الموضوع، بما في ذلك إمكانية النظر في ما سيقوله بروفيسور غولدرايخ حول الأمر قبل البتّ به واتخاذ قرار نهائي؛ ومع الانتباه أيضاً إلى موقف المستشار القانوني للحكومة القائل بأن المسالة "ليست هامشية أو تافهة" بل قد تحتاج إلى تحليل قضائي لا يتيحه الجدول الزمني الآن، فإننا نعتقد بأنه ينبغي إتاحة المجال أمام الوزير لإعادة فحص الموضوع واتخاذ القرار النهائي في مدة أقصاها ثلاثون يوماً"!
المعنى الصريح والنتيجة الفورية والمباشرة لقرار المحكمة هذا هو، بشديد البساطة، عدم منح بروفيسور غولدرايخ هذه الجائزة وحرمانه منها، لهذه السنة على الأقل، إذ أمهلت الوزير غالانت "30 يوماً لبحث الموضوع" بينما يجري توزيع "جائزة إسرائيل"، عادة، ضمن الاحتفالات بذكرى استقلال دولة إسرائيل سنوياً (الذكرى الـ 73 تحل، هذا العام، يوم 15 نيسان الجاري). لكن المحكمة حاولت "تلطيف" قرارها المثير للاستهجان بالإشارة إلى أن "حقوق الأطراف محفوظة بشأن أي قرار نهائي سيصدر. فقد سجلنا أمامنا إنه إذا ما تقرر في نهاية المطاف منح بروفيسور غولدرايخ الجائزة، فسيكون بالإمكان تنفيذ ذلك خلال حفل توزيع جائزة إسرائيل العام المقبل أو في موعد أبكر، وفق ما يختاره بروفيسور غولدرايخ"!!
معالم السقوط في قرار المحكمة
ليس جديداً تحويل "جائزة إسرائيل"، التي بُدئ بتوزيعها في العام 1953، إلى ساحة للمنازلات والمناكفات السياسة، بل استغلالها سوطاً لمعاقبة وجلد "الخارجين عن الإجماع" القومي اليهودي، أو ما تحدده بعض الأطراف السياسية، السلطوية المتنفذة عادةً وغالباً، باعتباره إجماعاً كهذا. فقد حدث أكثر من مرة أن طالبت جهات سياسية بحجب "جائزة إسرائيل" عن مرشحين لنيلها؛ وهي التي تُعتبر أعلى وأرفع جائزة رسمية في إسرائيل تمنحها الدولة تكريماً للمتميزين في حقولهم المعرفية المختلفة وتقديراً على إنجازاتهم العلمية، الأدبية، الفنية، الاجتماعية، الإعلامية أو الرياضية وسواها من ميادين ال حياة المختلفة والتي ساهموا بها في تطوير الدولة والمجتمع الإسرائيليين. وقد أدت هذه التجاذبات السياسية في حالات عديدة إلى تنازل المرشحين الذين تقرر منحهم الجائزة عنها وكانت أبرز تلك الحالات تنازل الفيلسوف والعالِم يشعياهو ليبوفيتش عن الجائزة في العام 1993.
وليس جديداً أيضاً تدخل "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية في مسألة منح الجائزة، أو حجبها، في العديد من الحالات التي توجهت فيها جهات مختلفة إلى المحكمة لمطالبتها بإصدار أمر قضائي يمنع منح الجائزة لبعض المرشحين لنيلها، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: الوزيرة وعضو الكنيست السابقة شولاميت ألوني، الفنان الرسام والنحات يغئال توماركين، أستاذ العلوم السياسية البروفيسور زئيف شطرنهل وكثيرين آخرين غيرهم بسبب مواقفهم السياسية وعلى خلفيتها.
غير أن قرارات المحكمة العليا في جميع تلك الالتماسات الكثيرة خلصت، على الدوام، إلى نتيجة واحدة موحدة هي: رفض الالتماسات، مع التأكيد على أنه "بينما تُمنح جائزة إسرائيل عن منجزات مهنية جديرة بالتقدير، فإن التصريحات التي يجري استخدامها غالباً تكون خارج الإطار المهني الذي تُمنح الجائزة عنه. في مثل هذه الحالة، من الصعب عدم النظر إلى حجب الجائزة عمّن اعتُبر جديراً بها بفضل منجزاته المهنية، لكن على أساس مواقفه السياسية التي عبر عنها، بكونه مساً خطيراً بحرية التعبير، وليس بصورة غير مباشرة"، كما أكدت المحكمة ذاتها في قرارها القضائي بشأن الالتماس ضد منح الجائزة لبروفيسور زئيف شطرنهل، في العام 2008، مضيفةً: "ثمة لمثل هذه النتيجة مفعول "كمّ الأفواه" الذي لا مكان له في نظام ديمقراطي، إذ ما هي الرسالة التي تبثها هكذا نتيجة إن لم تكن رسالة الإخراس؟ مجرد المعرفة بأن التعبير عن رأي لا يحظى بشعبية قد تؤدي، بعد فترة من الوقت، إلى نتائج على صعيدٍ ما له بُعدٌ مهنيّ لا يستوي مع ثقافة حرية التعبير في نظام ديمقراطي".
لكن "محكمة العدل العليا"، التي لم تحِد عن هذا النهج في عشرات الحالات/ الاختبارات وعلى مدى عشرات السنوات، تأتي الآن لتُحدث انعطافة خطيرة جداً عن هذا النهج بمنحها الوزيرَ مهلة "لفحص الأمر واتخاذ قرار نهائي" مع التأكيد على "حقه/ صلاحيته في أن يقرر عدم منح الجائزة" للبروفيسور غولدرايخ بعد فحص "ما إذا كانت العريضة المذكورة أعلاه (التي تدعو "الاتحاد الأوروبي" إلى مقاطعة "جامعة أريئيل" الاستيطانية) تندرج تحت أحكام قانون منع المس بدولة إسرائيل بواسطة المقاطعة"؛ وهو القانون الذي سنّه الكنيست الإسرائيلي سنة 2011 والمعروف اختصاراً باسم "قانون المقاطعة".
ذلك أن كمّ الأفواه، الذي يشكل التجسيد الأبرز والأكثر مباشرة لقمع حرية التعبير عن الرأي التي تعتبر إحدى الحريات الأساسية والحق فيها هو أحد حقوق الإنسان الأكثر أساسية، هو اعتداء فظ وصارخ على الديمقراطية، ضربٌ في جسدها وانتقاص جوهري، لا شكليّ، من وحدتها وتكاملها. ويزداد الأمر خطورة في حالتنا العينية هذه عند الأخذ في الحسان العوامل الأخرى لا يمكن أن تكتمل الصورة بدونها:
أول هذه العوامل هو كون القرار شرعنة فاضحة لمعاقبة عالِمٍ عالميّ بجريرة آرائه السياسية التي يكفلها حقه الأساسي في حرية التعبير. وثانيها أن "دستور الجائزة" يضع محاذير لمنع وقوع الجائزة تحت سطوة الاعتبارات السياسية ولا يمنح (الدستور) وزير التربية والتعليم، الذي تجري عملية اختيار المرشحين في نطاق وزارته، أية صلاحية لحجب الجائزة عن أي من المرشحين لأي سبب كان. أما الحق الوحيد الذي يمنحه الدستور للوزير في هذا السياق فهو رفض توصية "لجنة الجائزة"، المهنية في كل مجال من المجالات التي تُمنح فيها الجائزة، مع تسويغ هذا الرفض بصورة تفصيلية، ثم إعادة الأمر إلى اللجنة لتعيد النظر وتتخذ قرارها. وفي هذه الحالة، ينص الدستور على أن اللجنة تعيد النظر في الأمر على ضوء ملاحظات الوزير وتتخذ قرارها "الذي يكون نهائياً ولا يمكن تغييره"! ولمنع أي تأثيرات خارجية وغير مهنية على أعضاء اللجنة، ينص الدستور على إبقاء أسمائهم طي السرية والكتمان إلى ما بعد الإعلان عن الفائزين.
العامل الثالث أن أحكام "قانون المقاطعة" لا تعتبر الدعوة إلى المقاطعة مخالفةً جنائية وإنما "إضراراً يوجب التعويض". معنى هذا، قانونياً، أن الشخص (الشخص الفرد، وليس الدولة!) المتضرر من الدعوة إلى المقاطعة يستطيع تقديم دعوى تعويض ضد صاحب الدعوة. وعلاوة على ذلك، فإن العريضة التي يقال أن غولدرايخ قد وقّع عليها لا تشكل "دعوة إلى المقاطعة" بحسب مفهوم "قانون المقاطعة" ووفق أحكامه، لسبب بسيط هو أن "الإضرار الموجب للتعويض" يتحقق ليس حين يطلق شخص ما دعوته إلى المقاطعة وإنما المطلوب ـ وفق متطلبات القانون وأحكامه ـ هو أن "يكون ثمة احتمال معقول بأن تقود تلك الدعوة إلى فرض المقاطعة". لكن هذا الشرط لا يتحقق في حالة الاتحاد الأوروبي الذي لا يعترف بالمناطق المحتلة كجزء من دولة إسرائيل ويؤكد، بنص واضح وصريح، في جميع اتفاقيات التعاون المختلفة بينه وبين إسرائيل، وخصوصاً في المجال العلمي والبحثيّ، أن هذا التعاون "لا يشمل جامعة أريئيل، الواقعة في منطقة استيطانية"!
أما العامل الرابع والأخير، فهو أنه بدلاً من اتكاء المحكمة العليا على "قانون المقاطعة" واتخاذه أداة وذريعة لتبرير وشرعنة معاقبة غولدرايخ السياسية، بسبب آرائه ومواقفه، كان من الأجدر بها إلغاء هذا القانون بعد إعلان عدم دستوريته نظراً لما يتضمنه من مسّ بحقوق وحريات فردية أساسية جعلتها المحكمة العليا نفسها، عبر عشرات القرارات القضائية، حقوقاً دستورية اشتقتها وصاغتها من نص "قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته"، لا سيما بشكل خاص البند الذي يعرّف إسرائيل بأنها "دولة يهودية وديمقراطية" ـ وهو التعريف الذي أخذت المحكمة نفسها مركّب "الديمقراطية" منه لتُؤسس عليه "الثورة الدستورية" وتشيّد منظومة الحقوق والحريات الشخصية الأساسية، الدستورية!

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com    

إقرا ايضا في هذا السياق: