رأي حرOpinions

الحلقة الرَّابعة عشرة من سلسلة بـليغ النَّغم-سيمون عيلوطي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

الحلقة الرَّابعة عشرة من سلسلة بـليغ النَّغم-سيمون عيلوطي


حلقة الرَّابعة عشرة من سلسلة بـليغ النَّغم

بـليغ النَّغم:
قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي
الفنيَّة والانسانيَّة (14)
سيمون عيلوطي
يروي عثمان للحكيم: "لم استغرب عندما وقع في غرام غادة السَّمان بعدما قابلها معي في لندن، وأذكر أن اللقاء الأوَّل كان في مطعم عربيّ في العاصمة البريطانيَّة اسمه (بغداد)، وكانت غادة وقتها في قمَّة شبابها وأنوثتها بالإضافة إلي شخصيَّتها الجَّذابة وطبيعتها البسيطة المتحرِّرة الخالية من عُقد المرأة العربيَّة، وهي مواصفات تعتبر جذَّابة وساحرة بالنِّسبة لفنان كبليغ، وسرعان ما تطوَّرت علاقتهما من إعجاب إلى حب، وبدآ يخطَّطان لمشروع زواج ، وكان بليغ وقتها قد فقد الأمل في الارتباط بوردة بعد زواجها وابتعادها، ووجد في غادة مشروع زوجة مناسبة".
"أين تقع قصَّة حب غادة لبليغ في أدبها؟"
"على وجه القطع واليقين لا نعرف، فليس بين أيدينا سوى رسائلها التي تشبه الحب بالوكالة، فهي تكتب لصديقها وصديق بليغ عن بليغ!"
"قد يكون بليغ هو فلان أو فلان من بين أبطال قصصها ورواياتها، وقد تكون هي عند بليغ نغمة مخبأة في قلب لحن".
"نقشت غادة حضور بليغ إلى بيروت على جدار ذاكرتها."
يروي لنا أحمد عثمان تلك الواقعة فيقول: "بعدها بنحو أربع سنوات أخبرتني بأن حبيبها المجنون بليغ حمدي هبط عليها فجأة في بيروت وكاد عقلها يتوقف عندما رأته، فقد كان آخر إنسان تتوقَّع أن تراه في هذا اليوم، لأنَّه كان يوم زفافه على وردة قرَّر في لحظة نزق عارمة أن يترك فرحه ومعازيمه ويطير إليها ليودِّعها الوداع الأخير".
"ولم يملك أحمد عثمان يومها سوي أن يطلق ضحكة صافية ويقول لها بسخرية: بليغ ممكن يعمل أي حاجة!"
"مشهد النِّهاية يقدّمه لنا الكاتب الصحفيّ مهدي مبارك فيقول:” خطَّط الدكتور في الاقتصاد، بشير داعوق، (وهو عريس غادة السمَّان) مؤسس وصاحب "دار الطَّليعة للنَّشر"، ورئيس تحرير مجلَّة "دراسات عربيَّة"، "خطَّط لشهر عسل في لندن، لكنَّ غادة طلبت أن تسافر إلى القاهرة أسبوعًا في البداية بحجَّة مراجعة الجَّامعة في رسالة الدَّكتوراه، وسَرَت نميمة حينها بأنَّها كانت تسهر برفقة زوجها في الأماكن التي اعتاد بليغ أن يسهر فيها حتى تكيده وتقهره وتثير غيرته، وهو الذي تعوَّد أن يسهر يوميًا، ويشرب كثيرًا حزنًا على شيء لا أحد يعرفه"… فهل كان هذا الشيء هو حبه لغادة؟"
لا نعرف، ولكن من المؤكَّد أنَّ الموسيقار بليغ حمدي بقيَ كلمة مُرجانيَّة صافية في "بحر بيروت" غادة السمَّان، تداعب ذاكرتها، وهي بيقت نغمة حلوة يتردَّد صداها في ألحانه وموسيقاه.

(ومن الحُبِّ ما قتل)
تعنُّت أهل وردة، وإجبارها على الرَّحيل من القاهرة إلى الجَّزائر لتتزوَّج لرجل من بلدها، ثمَّ إبعادها عنه لمدَّة دامت عشرة أعوام، كل ذلك ترك الموسيقيّ العاشق في دائرة من الخواء العاطفيّ والنَّفسيّ، حاول أن يجد خلاصه إزاء هذه الحالة في رسائل حب يبثُّها لمحبوبته عبر ال أغاني التي يلحِّنها، كما تقدَّم سابقًا، ولكن ذلك لم يشفِ غليله، فأخذ يبحث عن حُبِّه للجَّزائريَّة في نساء أخريات، لعلَّ وعسى تنجح واحدة منهنَّ في تعويضه عن حبَّه الذي فقده، ولكن دون جدوى. وقد بقيت حياته تسير على هذا النَّحو حتَّى عودة حبيبته، وردة إلى القاهرة، فسرعان ما عقد قرانه عليها. لحَّن لها خلال فترة زواجهما أجمل الألحان... أكَّدت فيها حضورها البارز، لا سيَّما أنَّ بليغ شكِّل في تلحينه لها بصمتها، وهويَّتها الخاصة بها، لتنطلق نحو عالم الغناء وهي واثقة من صوتها، وعندما أرادت أن تغنِّي من ألحان غيره، إنَّما غنَّت بنفس الطَّابع الذي رسمه لها بليغ حمدي بعناية فائقة، بحيث لم يستطع أي من الملحنين الَّذين تعاونت معهم أن يتجاوزوا الطابع الغنائيّ الذي طبعها به هذا الملحِّن الكبير.
استمرَّ زواجهما ست سنوات. رغب بليغ أن يثمر هذا الزَّواج عن إنجاب طفل، لكنَّ وردة لم ترغب بذلك، ربَّما لأنَّها أمًا لطفلين، أو ربَّما لأنَّها لم تدرك جيِّدًا رغبة زوجها الشَّديدة بأن يكون أبًا، وأنَّها بإجهاض نفسها مرَّتين حطَّمت بداخله حلم الأبوَّة الإنسانيّ المشروع، لذلك أصبح يُكثِر من السَّهر والسَّفر لإنجاز أعمال موسيقيّة خارج مصر، ولعلَّ انشغاله مع سميرة سعيد في برنامج فنيَّ تِلفزيونيّ في أو ظبي، أشعل في الزَّوجة نار الغيرة، فطلبته عبر الهاتف في مكان إقامته، طالبة الطَّلاق. جميع الكلمات التي قالها لها بليغ لتتراجع عن قرارها بالانفصال، لم تجدِ نفعًا، ونزولًا عند رغبتها اتَّصل بمحاميه في القاهرة الأستاذ لبيب معوَّض لإتمام إجراءات الطلاق البغيض. أما هو فانطوى على نفسه وغاب في تلحين أغنية تلخص حكايته معها، وهي رائعته "الحب اللي كان".
https://www.youtube.com/watch?v=BeyXpUeC5F4
تجدر الإشارة أنَّ الطَّلاق أنهى عقد الزَّواج بينهما، لكنَّه لم ينهِ أواصل الصَّداقة التي جعلت وردة تنظر إليه بغير منظار الزَّوجة لزوجها المطلوب منه أن يقوم بالتزاماته البيتيَّة، والأسريَّة، والاجتماعية، بل نظرت إليه كإنسان يتمتع بكل الصَّفات الحميدة، فقالت في لقاء متلفز، لو عرفت بليغ كما عرفته بعد الطَّلاق لما أقدمتُ ابدًا على طلب الطَّلاق منه.
الحقيقة أنَّ انفصال "موزات الشَّرق" عن وردة تسبَّب في شقائه... أربك صفوة أحلامه... وجعله يدور في دوَّامة حالكة تقوده مرَّة إلى امرأة جديدةٍ واهمًا أنَّه يحبّها، ومرة أخرى تأخذه إلى دروب ضبابيَّة دون أن يعثر بغير نصفه الآخر على نفسه، وإذا كان ذلك قد أغرقه في "بحر بيروت" غادة السمَّان، فإنَّ محيط سميرة مليان هاج وماج بقارب حياته بشائعات مُغرضة؛ قذفته أمواجها إلى حوَّمات غربة أصابته بجروح بالغة، نتج عنها تدهور حالته الصِّحيَّة والنَّفسيَّة، ثمَّ تركته في منفاه فريسة لمخالب الشَّامتين، ولهيب الشَّوق إلى وطنه، وظلام يشبه الموت.
وكان قد أرسل لوردة بعد الطلاق رسالة بصوت ميادة الحناوي "مش عوايتك".
https://www.youtube.com/watch?v=SJiV-va5LGA

كلمات دلالية