رأي حرOpinions

بليغ النَّغم 12| بقلم: سيمون عيلوطي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

بليغ النَّغم 12| بقلم: سيمون عيلوطي

الحلقة الثَّانية عشرة من سلسلة بـليغ النَّغم: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي الفنيَّة والانسانيَّة (12)- صاحبة "لا بحر في بيروت" غادة السمَّنان وكشف المستور


تذكير...
جاء سابقًا: "بليغ حمدي لم يدفعه حُبّه لوردة الجزائريَّة إلى البوح بما يعتمل في داخله من لواعج الحبِّ ولوعة الهوى؛ لحنًا فحسب، بل أوصله أيضًا إلى حالة من "فوضى الحواس"، مع الاعتذار لأحلام مستغانمي، ظهرت بوادرها منذ أن رفض أهلها طلبه للزَّواج منها.
ولكي ينسى حبّه لوردة بعد ترحيلها إلى الجزائر، تعلَّق قلبه بأوَّل امرأة صادفها في بيت صديقه عازف الكمان المشهور، أنور منسي. ثمَّ تابعت وسائل الإعلام نشر أخباره ذات الصِّلة بعلاقاته بهذه المرأة أو تلك، بعضها يصوِّره على أنَّه مزواج، وبعضها الآخر يصوِّره على أنه عابث، لا تعدو علاقاته عن كونها نزوات عابرة يحرِّكها مزاجه غير المستقر على حال. لم ينتبهوا إلى أنَّه كان يفعل ذلك بسبب بحثه عن حبه الأوَّل، إضافة إلى حالة القلق الوجوديّ الملازم الأزليّ للفنَّانين عادة، زد على ذلك "فوضى الحواس" التي تحدَّثتُ عنها بإسهاب سابقًا.
شهادة بليغ
موقع "البوابة نيوز" نشر شهادة بليغ حمدي نفسه حول تقدَّم أعلاه، حيث قال: "فجأة بإحدى الليالي قرَّرت الزَّواج لأوَّل مرَّة من آمال، وينادونها أمنية تحيمر، وكان الزَّواج سريعًا بحضور خالتها التي كانت ترفض زواجنا وتشعر بأنه لن يدوم طويلًا، إلا أن الفتاة العشرينيَّة كانت مولعة بي، وبحبِّي لها الذي رأته في عينيّ، وبكل أسف كانت هذه الزيجة فقط من أجل نسيان وردة، وبعد سنة انفصلنا"، وعلى إثر ذلك لحن أغنية "فات المعاد"، كلمات: مرسي جميل عزيز، غناء أم كلثوم، سنة 1967، الأغنية تحكي بشكل أو بآخر حكاية انفصاله عن أمنية تحيمر التي لم تستطع بصفتها حبيبة، أو زوجة أن تنسيه حبه الأبديّ للجَّزائريًّة، فكان الانفصال السَّريع، وكانت الأغنية الخالدة.
ثمَّ لنفس المصدر يُصرِّح: "كنت شخصًا يكثر حوله الحديث، فتمر السَّنوات وتعرَّفت على سامية جمال، وتكثر الرَّوايات حول علاقتنا بين رغبتي في الزَّواج منها وهروبي من الزَّواج بعد فشله، وفيما بعد تعرَّفت على "إش إش" أيضا ابنة الموسيقار محمَّد عبد الوهَّاب، وتكثر الرَّوايات بين التَّقدم لطلبها ورفض والدها أو ابتعادي عنها بعدما ينعقد لساني في منزل والدها ومعي شقيقي مرسي، خوفًا من طلب الزَّواج منها من والدها، وتكثر شائعات وأخبار زواجي من فنَّانات أخريات"، منهنَّ: المطربة "َّشحرورة الوادي" صباح".
الحقائق المخفيَّة
العلاقة الأبرز التي لم يذكرها بليغ في حديثة لموقع "البوابة نيوز"، أو لغيره من وسائل الإعلام، هي علاقته مع الأدبية السوريَّة غادة السمَّان، صاحبة القلم الأدبيّ السَّاحر الذي جذب لنصوصها العديد من القرَّاء والمعجبين، لا سيَّما مجموعاتها القصصيَّة الصاخبة، والمتمثِّلة بجرأة الطَّلح لمضامين شائكة: "لا بحر في بيروت"، "ليل الغرباء"، "رحيل المرافئ القديمة"، ورواياتها: "كوابيس بيروت"، "ليلة المليار"، "الرِّواية المستحيلة"، ودواوينها الشِّعريَّة: "حب"، "أعلنت عليك الحب"، "عاشقة في محبرة"، وغيرها.
علاقة المُبشِّرة بمستقبل تطوُّر الأدب النّسويّ
بصاحب مستقبل الموسيقى العربيَّة
لا يختلف اثنان، بالإضافة إلى كون السمَّان أديبة متميِّزة، حول شخصيَّتها الجذَّابة وثقافتها الواسعة ما أوقع في هواها بعض الأدباء والشُّعراء، عُرف منهم الأديب الفلسطينيّ غسَّان كنفاني، والشَّاعر اللبنانيّ أنسي الحاج، وهناك تواتر كلام عن علاقة ربطت بينها وبين الشَّاعر نزار قبَّاني، والكاتب ناصر النَّشاشيبي. وقد أخذ عليها بعض القرَّاء أنَّها عندما تجاوزت الخامسة والسَّبعين عكفت على نشر رسائل حب ملتهب كان قد بعث بها إليها الشَّاعر أنسي الحاج، وقت أن كانت هي وهو في ريعان الشَّباب، وكانت قبلها قد نشرت رسائل الأديب الفلسطينيّ غسان كنفاني. ما يأخذه عليها بعض القرَّاء هو أنَّها نشرت رسائل "كنفاني" و"الحاج" إليها، دون أن تنشر ولا حرف واحد من رسائلها هي إليهما، وأظن أنَّنا لا نختلف، وهي على أبواب عامها الثَّمانين، (ولدت في العام 1942) بأنَّها لم تزل تحتفظ ببريقها الإنسانيّ والأدبيِّ، وأنَّ تعاقب الأعوام لم تغيِّر صورتها البهيَّة كما انطبعت في الوجدان، ستظل في أذهاننا أبدًا، غادة السمَّان، الأديبة الكبيرة، صاحبة الابتكارات الجديدة في صياغة الجُّمل الأدبيَّة، وتطعيمها بشاعريَّة تتماثل مع الألحان، غاية في الرِّقة والإتقان، ومُحكمة البيان.
اكتشاف الرَّسائل بعد نصف قرن
شاءت الأقدار مؤخَّرًا أن نرى صورة أخرى من صورها التي لم تكشف عنها صاحبة "لا بحر في بيروت" مطلقًا، هذه الصورة كشفها الكاتب الصَّحفيّ أيمن الحكيم في كتابه الذي صدر مؤخَّرًا في القاهرة، عن "هيئة قصور الثَّقافة"، بعنوان: "رسائل لها تاريخ... العوالم الخفيَّة للمشاهير". حول ذلك كتب حمدي عبد الرَّحيم في موقع "أصوات أونلاين" يوم 4 نوفمبر 2019، تقريرًا صحافيًا جاء فيه: "في هذا الكتاب طائفة من الرَّسائل المهمَّة مثل رسائل أحمد بهاء الدِّين وهيكل لجمال حمدان، ورسائل عبد الناصر لفريد الأطرش، ونزار قبَّاني لرجاء النقَّاش، ولكنَّها كلّها رسائل متوقَّعة بطريقة أو بأخرى يسودها التحفُّظ والطَّلبات الرسميَّة". أمَّا حول رسائل غادة لبليغ، جاء: "المثير في الكتاب هو رسائل غادة السَّمان عن حبِّها للموسيقار بليغ حمدي"، ويضيف: "كيف وصلت ليد أيمن تلك الرَّسائل، خاصة وأنَّ غادة لم تنشر ما كتبته من رسائل بل تنكر وجود رسائل منها أصلًا؟".
"في مقدّمة الكتاب يكشف أيمن الحكيم حبكة القصِّة فيقول: «لقد وصلتني رسائل غادة عبر أحمد عثمان الكاتب المصريّ الذي هاجر إلى العاصمة البريطانيَّة في العام 1965 واستقرَّ بها، وكان بيته قِبلة لكل نجوم الفنّ والإبداع في زياراتهم للندن، وكان أحمد عثمان قد بدأ حياته صحفيًا في أخبار اليوم وكان قريبًا من كامل الشِّناوي، كتب عدة أعمال للمسرح، بدأ اسمه يلمع في أوائل الستينيَّات"، وهو متزوَّج من السيِّدة نجلاء، ابنة الموسيقار مدحت عاصم، مكتشف ليلى مراد، وبسبب موقف مع الرِّقابة على المصنَّفات الفنيَّة هدَّد فيه الرَّقيب باعتقال أحمد عثمان، ما دعاه إلى أن يهاجر من مصر، واستقرَّ به المقام في لندن، وذاع اسمه كواحدٍ من أهم من كتبوا في المصريَّات، وأصبحت له نظريَّات باسمه في التَّاريخ الفرعوني، أشهرها: أن موسى واخناتون شخصيَّة واحدة!".
يقول أيمن الحكيم في كتابه: "يحرص عثمان أن يزور مصر سنويًا بشكل منتظم، وكان لي حظ أن ألتقي به، وفي واحدة من تلك اللقاءات تطرَّق حوارنا إلى صديقه بليغ حمدي وسألته: هل عندك تفسير مقنع لذلك اللغز المحيِّر، سفر بليغ فجأة إلى بيروت في ليلة زواجه من وردة، ما الذي يجعله يترك وردة في "الكوشة*" ويسافر إلى لبنان؟!"
"وببساطة أجاب أحمد عثمان: راح لغادة السمَّان!"
"وبنفس البساطة التي لا تتَّفق مع القنبلة التي فجَّرها أضاف: «غادة وبليغ كان بينهما قصَّة حب ومشروع جواز وكنت قريبًا من الموضوع، وجوابات غادة اللي بتشكي لي فيها من بليغ لسَّه موجودة عندي، إن شاء الله افتكر أجيبهالك معايا في الزيارة الجاية"!
لماذا غادة؟
"كل الَّذين عاصروا قدوم المطربة وردة من الجَّزائر إلى القاهرة يعرفون تفاصيل قصَّة الحب المشتعلة التي ربطت بينها وبين بليغ".
"أحمد عثمان يتذكر تلك الأيام فيقول: «ذهبت مع بليغ لحضور بروفة وردة لإحدى أغاني ها وجلسنا حتى تنتهي البروفة، وبعد قليل جاءت وردة، ووجدتني أمام مشهد عاطفيّ حار بينها وبين بليغ والدُّموع في أعينهما من شدَّة الوجد، وكنت في غاية الإحراج من وجودي معهما في تلك اللحظة، لكنِّني أدركت أنهما نسيا الدنيا وما فيها، كنت أعرف أن بليغ يحب وردة وأن شقيقها «حميدو» يرفض زواجهما ويرافقها في كل مكان حتى يمنعها من رؤية بليغ، وأجبروها بعدها على الزَّواج من زوجها الجزائريّ أبو ابنيها «رياض ووداد".
ويتابع: "لقد فشلت قصَّة الحب بسبب تعنُّت حميدو، ورجل مثل بليغ فيه الكثير من طبع الفَرَاشات، يذهب إلى الضَّوء الحارق بجناحيه".
ويضيف: "قبل خمسين سنة كانت غادة السَّمان وفق ما نشره الكاتب الصَّحفيّ مهدى مبارك في مقال له بجريدة الدُّستور: «شابة جميلة، أنثى كاملة رغم صغر سنّها، متمرِّدة ومتحرِّرة من العقد، وهو ما يجعلها جذَّابة بالنِّسبة إلى بليغ، الرجل الشَّرقيّ الذي خرج مؤخَّرًا من قصّة حب فاشلة مع وردة، فأعجب بها، وطلب الزَّواج منها لأنَّه وجدها مشروع زوجة مناسبة تكمل «البريستيج (Prestige) الاجتماعي» الذي تمنَّاه طوال الوقت حتى نشرت الصًّحف أنهما تزوَّجا-بالفعل– سرًا".
"هل كانت علاقة بليغ بغادة تسير وفق "وداوني بالتي كانت هي الدَّاء؟"
"هل أراد بليغ نسيان وردة فلجأ إلى غادة؟"
"القصَّة كما سنرى ستكون في أجواء عام الكارثة 1967 فهل هي فرار الفنَّان من ظلمة حالكة ضربت روحه بعد هزيمة قاسية؟"
"متى التقي بليغ بغادة لأول مرَّة؟"
"يقول أيمن الحكيم نقلًا عن أحمد عثمان: «كان بليغ شخصيَّة عاطفيَّة انفعاليَّة سريعة التقلُّب، و(يحب على روح) كما كان يصفه كامل الشِّناوي، ولذلك لم استغرب عندما وقع في غرام غادة السَّمان بعدما قابلها معي في لندن، وأذكر أن اللقاء الأوَّل كان في مطعم عربيّ في العاصمة البريطانيَّة اسمه (بغداد)، وكانت غادة وقتها في قمَّة شبابها وأنوثتها بالإضافة إلي شخصيَّتها الجَّذابة وطبيعتها البسيطة المتحرِّرة الخالية من عُقد المرأة العربيَّة، وهي مواصفات تعتبر جذَّابة وساحرة بالنِّسبة لفنان كبليغ، وسرعان ما تطوَّرت علاقتهما من إعجاب إلى حب، وبدآ يخطَّطان لمشروع زواج ، وكان بليغ وقتها قد فقد الأمل في الارتباط بوردة بعد زواجها وابتعادها، ووجد في غادة مشروع زوجة مناسبة".

* مكان مُجهّز مزيّن يجلس فيه العروسان أثناء الاحتفال بعرسهما: جلس العروسان في الكوشة.
اعتمدت في هذه المقالة على عدة مراجع موثوقة أشرت إليها من خلال المقالة وسوف أفندها في نهاية هذه السلسلة.
يتبع

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com    

إقرا ايضا في هذا السياق: