رأي حرOpinions

جهاز الصحة في البلاد|ابتسام حنا المعلم
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

جهاز الصحة في البلاد..أسليمٌ هو أم مريض ؟| بقلم: ابتسام حنا المعلم


 يعتقد الكثيرون ان جهاز الصحة في اسرائيل ونظام العلاج هو من أفضل أنظمة الصحة الممكنة . لكن جائحة الكورونا كشفت الكثير من العيوب التي كانت خافية عن بعض الناس.
منذ سنة وموضوع الصحة هو الشاغل الأول لمعظم سكان الكرة الأرضية . لكن في الحقيقة لا يمكننا فصل موضوع الصحة وجهازها عن باقي الأجهزة في أي دولة ,فجهاز الصحة ومهما كان متطوراً يبقى قاصراً إذا كان التمييز بين فئات المواطنين , يعششُ في جوانب الدولة , ولا يمكنه ان يكون ناجحاً إلا اذا كان جهاز التعليم ناجحاً ووعيُ الناس ناضجاً وكافياً , كذلك هي العلاقة مع الاقتصاد والصناعة والقانون....وخاصة مع الرقي الأخلاقي. أي أننا نصلُ الى الاستنتاج البسيط أنه لكي يكون نظام الصحة ناجعاً , يجب ان يتوفر في باقي أجهزة الدولة مستوى لائق من الكفاءة والنجاعة والأخلاق وأن تبقى بعيدة عن الإهمال واللامبالاة .
فما هو وضع الصحة في اسرائيل ؟ أكتب وأحاول ان أجيب من الداخل أي من داخل هذا الجهاز الذي عرفته وأعرفه بحسناته وبمساوئه. ولكن سأكتفي اليوم بالتطرق لنقطة واحدة فقط ,وسأحاول في المستقبل القريب مقاربة نقاطٍ أخرى تخصُّ صحة الناس بصور مختلفة .
المستشفيات
أثناءَ جائحةٍ أو وباءٍ عالمي يلفُّ الكرة الأرضية , يقعُ الضغط الأكبر على المرافق الصحية بمركباتها المادية والبشرية وعلى كل مرفقٍ آخر يتعلق عملهُ بالصحة . بعض هذه المرافق غيرُ ظاهرٍ ولا يبدو للعيان لآنه لا يتصل مباشرةً بالجمهور . لكن المستشفيات هي أكثر ما يراه الناس إذ يصلُ اليها المرضى وعائلاتهم , وغالباً ما يصل المريض في حالة صعبة وحرجة ويحتاج لإسعاف ومساعدة سريعيَن .
في اسرائيل توجد ثلاث فئات من المستشفيات :
ا- المستشفيات الحكومية : أُقيمت بمبادرة وتمويل كامل من الدولة.
ب- المستشفيات التابعة لصناديق المرضى وتُموَّلُ بشكل كامل من صناديق المرضى والدولة .
ج- المستشفيات الخاصة او الأهلية (בתי חולים ציבוריים): التي أًقيمت بمبادرات فردية من أشخاص أو من جمعيّات مختلفة .
المستشفيات الخاصة هي التي تهمًّنا مباشرةً نحن سكان الناصرة والجليل , ولكنها تهمُّ أيضاً سكانَ عدة مناطق في البلاد , لآنه ليست لدينا بدائل أخرى قريبة من مكان سكنانا. عدد هذه المستشفيات سبعُ ,ثلاثة منها في الناصرة ,وأربعة في منطقتَي القدس ونتانيا , أحدها المستشفى الجامعي الكبير هداسا .
مستشفيات الناصرة الثلاث أُقيمت في القرن التاسع عشر ,أي زمن الحكم العثماني . وقد بادرت لإقامتها ولإدارتها منذ ذلك الوقت , جمعيّاتٌ مسيحية اوروبية . :
- المستشفى الفرنسي بإدارة راهبات المحبة ( جمعية مار منصور )
- مستشفى العائلة المقدسة ( المستشفى النمساوي سابقاً ثم الآيطالي )
- مستشفى الناصرة ( الانجليزي –السكوتلاندي )
- 1

هذه المستشفيات الثلاث خدمت وتخدم ليس سكان الناصرة فقط بل سكان القرى المجاورة والمنطقة بأكملها , أي ما يزيد على اربعمائة ألف نسمة (400000 ) , ولا يخلو بيتٌ أو عائلة من فردٍ احتاج ولجأ للعلاج في هذه المستشفيات التي تعمل ليلَ نهار بتفانٍ كبير لمساعدة أهل الجليل , إذ لم يُقَم منذ القرن التاسع عشر (ولا قبله) أيُ مستشفى آخر في المنطقة .
عاشت هذه المستشفيات واستمرت في عملها معتمدةً على المساعدات والتبرعات من الجمعيات المسيحية الأوروبية, لكن الأوضاع بدأت بالتغيّر رويداً رويداً بعد قيام دولة اسرائيل وإقامة نظام صحي معتمد بالأساس على صناديق المرضى وتمويل الدولة . كذلك فإن التطور العلمي والطبي أصبح يلزم المستشفيات بتأمين ميزانيات كبيرة لإدارة عملها بشكل عصري ,سريع وناجح . كما أن الزيادة الكبيرة في عدد سكان المنطقة من عرب ويهود , أثقلت بشكل هائل الأعباء على كاهل هذه المستشفيات مادياً وبشرياً . فلم تعُد التبرعات الخارجية تكفي لتأمين كل المصروفات . فكيف استمرت وبقيت هذه المستشفيات قائمةً وتقدم أحسن الخدمات التي باستطاعتها لسكان الناصرة والجليل ؟
نعلم ان سكان اسرائيل مؤمّنون صحياً من خلال مؤسسة "التأمين الوطني" ,أي أن قسماً من دخل كل شخص عامل يتحول الى هذه المؤسسة ومن خلالها يؤمن العلاج له ولعائلته في عيادات صناديق المرضى, وبإمكان المريض ,إن احتاج , أن يتوجه الى المستشفى مع توجيه خطي من طبيبه في صندوق المرضى ,مما يؤمّن له العلاج بشكل مجاني أو شبه مجاني . أما مصاريف الفحوصات والعلاج فتدفعها لاحقاً صناديق المرضى والدولة للمستشفى. هنا تكمن المشكلة, إذ ان صناديق المرضى والدولة لا يُسددون إلا جزأً من مصاريف العلاج للمستشفيات الخاصة بينما يدفعون كامل المصاريف للمستشفيات الأخرى . هذا الوضع مستمرٌ منذ عشرات السنين , لذلك فالمستشفيات الخاصة تعاني باستمرار من أزمات مالية ونقصٍ في إمكانيات التطور الكافي كباقي المستشفيات . هناك بعض المساعدات والتبرعات ال محلية والأجنبية التي تصلُ من حين لآخر ولكنها عاجزة عن تسديد التكاليف والأسعار المرتفعة للأجهزة والأدوية والأبنية....
هذه المستشفيات الخاصة في الناصرة وفي الأماكن الأخرى تصرخ وتستغيث منذ وقت طويل , طلباً للمساعدة , وما من مُجيب , ولكن مع ظهور مرض الكورونا زادت الضغوط إذ اضطُرت هذه المستشفيات , مثل غيرها , لإقامة أقسامٍ خاصة بهذا المرض مع تحويل جزءٍ من طاقاتها المادية والبشرية لمواجهته . لهذا رأينا مدراء سبع مستشفيات في الدولة يتظاهرون أمام وزارة المالية في القدس ويقيمون خيمة اعتصام طلباً للنجدة قبل أن تنهار هذه المستشفيات , إذ لم يعد بإمكانها تأمين الدواء والعلاج لمرضاها . وقد رأينا مدير المستشفى الكبير هداسا , تنهمر دموعه بسبب عجز المستشفى عن مساعدة المرضى البائسين ...ٍ فالوضع الصحي العام وخصوصا في هذه المستشفيات الخاصة وضعٌ مترنح الى أبعد الحدود . فكيف تسمح الدولة , إن كان نظامها الصحي سليماً , ٍبالوصول الى هذه الدرجة من الإهمال لبعض المستشفيات وبالتالي للكثير من المواطنين ؟ هل المواطن أو المريض الذي يتعالج في أحد هذه المستشفيات يساوي أقل من مواطن آخر ؟ وما هو دور البلديات والسلطات المحلية في إنقاذ مستشفياتها التي تعالج وتساعد سكاتها ؟
أخيراً قررت الحكومة تقديم بعض المساعدة المادية لهذه المستشفيات ,لهذه السنة فقط , ولكن ماذا بعدها ؟
إن أوضاع مستشفياتنا هي النقطة الضعيفة الأولى في أوضاعنا الصحية والتي كشفت عن حدتها جائحة الكورونا , لكن هناك نقاط ضعفِ حادة أخرى , سنكتب عنها لاحقاً ان شاء الله .
وقبل ان أختم هذه الورقة , أود ان نقدّم كل الشكر والإمتنان لهذه المستشفيات والقائمين عليها , وللطواقم الطبية في البلاد والعالم الذين واجهوا المرض والموت لإنقاذ غيرهم .

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com  

كلمات دلالية