رأي حرOpinions

مرجعية الدولة الدينية| حازم القواسمي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

مرجعية الدولة الدينية| بقلم: حازم القواسمي


لقد كبرنا في الدول العربية ونحن نعاني من رجال الدين المقربين من السلاطين، الذين يفتون لصالح السلطان وليس لصالح المواطن الغلبان. وفي الديانات الثلاث، هناك رجال دين يفسرون الديانات لصالحهم ولمصلحتهم المادية. فرجال الدين المسيحي والقساوسة فعلوا المستحيل في العصور الوسطى من أجل السيطرة على الدولة والتحكم ب حياة الناس وسرقة أموالهم. أما الأحزاب الدينية الإسلامية التي تدعو اليوم إلى قيام الدولة الإسلامية، فإن أغلبها تستخدم الدين من أجل الوصول للحكم والمال والجاه والسلطان. ولا تختلف طموحات رجال الدين اليهودي عن نظراؤهم في الديانتين المسيحية والإسلامية في العمل في السياسة والسعي من أجل الحكم والمال. وقد نجح رجال الدين في حقب مختلفة في التاريخ والحاضر بإقناع الناس من مختلف الديانات أن الدين والسياسة مرتبطان ارتباطا عضويا ببعضهما، وأن السياسة لا تنفصل عن الدين وأنّ كلاهما يحملان نفس المضمون الذي يرتكز على رعاية شؤون الأمة.
إن مرجعية الدولة الدينية، سواء كانت المسيحية أو اليهودية أو الإسلامية، هي الكتب الدينة الثلاث؛ الإنجيل والقرآن والتوراة. وبينما ضعف استخدام الإنجيل في الغرب المسيحي كحجة لرجال الدين للانقضاض على الحكم، إلا أنه ما زال موجودا في مكان ما في هيكل الدولة ذات الأغلبية المسيحية. فعلى سبيل المثال، لا يمكن لرئيس الولايات المتحدة أن يبدأ عمله بعد انتخابه قبل أن يقسم على الإنجيل ويضع يده اليسرى عليه. ويستخدم رجال الدين اليهودي التوراة بشكل قوي في الدولة الصهيونية اليهودية، ويصدرون الفتاوي الدينية التي توجه شؤون الدولة الداخلية وفي إقامة المستعمرات الاستيطانية في القدس والضفة الغربية. أما الأحزاب الإسلامية فقد استخدمت تفسيراتها للقرآن من أجل تبرير سعيها للعمل في السياسة، وتعتبر القرآن مرجعية للدولة الإسلامية التي تسعى لإقامتها. هكذا فعلت حديثا حركة داعش حين استولت على الحكم في العراق والشام، وهذا ما تسعى لفعله جميع الحركات الإسلامية مثل حركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي والحركات السلفية والجهادية.
ومعنى أن تكون الكتب الدينية مرجعية الدول، أن رجال الدين هم الذي سيحكمون تلك الدول، بحجة أنهم هم الوحيدون القادرون على تفسير تلك الكتب. وبذلك هم الوحيدون القادرون على إخبار الناس بما يريده الإله الذي أنزل الكتب الدينية على رسله. وأي شخص يجرؤ على انتقاد طريقتهم، يشيطنوه ويكفروه ويخرجوه من الملّة. ولهذا، يعتبر رجال الدين، من الديانات الثلاث، أنّ كل من يدعو إلى فصل الدين عن الدولة عدو لهم ولمصالحهم. وأن العلمانية هي العدو الأول للمتدينين وتحديدا لرجال الدين لأنها تقطع كل فرصة لهم للتدخل في السياسة والوصول للحكم.
وبينما تعتبر كل من إيران و السعودية القرآن المرجعية الأولى للتشريع والحكم، يختلف كل منهما في طريقة فهم نصوص القرآن وكيفية انعكاس تلك النصوص على الحكم والدولة. وتعتبر الدول العربية أنّ القرآن هو المصدر الرئيسي للتشريع، إلا أنها تختلف عن السعودية كونها لا تقدم نفسها على أنها دول إسلامية، ولأنها أقرب لأن تكون دول علمانية بالرغم من أنها ليست علمانية تماما لأنها تستخدم الدين متى تشاء في الحكم من أجل تثبيت حكمها.
إن غياب الديمقراطية عن العالم العربي، وعدم وجود قيادة منتخبة من شعوبها، جعل هذه المنطقة من العالم وشعوبها تتخبط في طريقة الحكم وفي علاقة الحاكم بالمحكوم وفي اختيار نظام الحكم. فلا الحكم ديمقراطيا، ولا هو علمانيا، ولا حتى دينيا، بل هو خليط مشوه بين الدكتاتورية وخلط الدين بالسياسة. وبذلك، لا عجب أنّ دستور أي دولة من الدول العربية يعكس التخبط الناتج عن نظام الحكم المشوه فيها، وكون مرجعية الحكم فيها غير واضحة تماما. بل يتجلى هذا تماما بوضوح كون الديانات تقوم على المعجزات والغيبيات، بينما المفروض في نظام الحكم في أي دولة أن يعالج الشؤون الحياتية للناس بعيداً عن الغيبيات. ولهذا من الطبيعي أن تكون الكتب الدينية مرجعية لأتباعهم من الديانات الثلاثة في الشؤون الدينية، لكن من الطبيعي أيضاً أن يكون الدستور الوضعي الذي يتفق عليه الناس، وليس الكتب الدينية، مرجعية الدولة في إدارة شؤون اليومية.

20 شباط 2021

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com     

إقرا ايضا في هذا السياق: