رأي حرOpinions

إغلاق البلدات العربية/ د. إمطانس شحادة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

إغلاق البلدات العربية لن يعالج تفشي فيروس كورونا/ بقلم: د. إمطانس شحادة

النائب د. إمطانس شحادة في مقاله:

للتغطية والهروب من هذا الفشل تقوم الحكومة وطاقم كورونا بتحميل المجتمع العربي المسؤولية، والادعاء أن السبب الأساسي في تفشي الوباء هي الأعراس التي تقام في المنازل والساحات

في كل بلدان العالم، مسؤوليّة مكافحة جائحة كورونا تقع على الحكومات والمؤسسات الصحية أوّلًا، وكذلك يجب أن يكون الأمر في بلداتنا العربية


فشلت الحكومة الإسرائيلية في مواجهة الموجة الثانية لجائحة كورونا في غالبية البلدات بالبلاد. الأرقام الحالية مرعبة بكل المعايير. الأسباب لهذا الفشل متعددة، أهمها التردد والتخبط في اتخاذ القرارات، إشكاليات سياسية تصل إلى حد التناقضات داخل الحكومة، ضعف طاقم كورونا المسؤول عن وضع خطة لمجابهة الفيروس، الثمن الاقتصادي الباهظ المتوقع في حال اتخاذ خطوات حادة.
أما في البلدات العربية، التي تعاني أصلا من أوضاع صحية متردية مقارنة مع البلدات اليهودية، فقد عانت منذ بداية الموجة الثانية من إهمال واضح من قبل الحكومة عامة ووزارة الصحة خاصة، منها عدم وجود نقاط فحص ثابتة (صناديق المرضى) وغياب تام لنقاط الفحص المتنقلة (درايف إن)، وعدم وجود أي خطة أو حملة إعلامية تخاطب المجتمع العربي، وكان هناك غض نظر عن عدم تطبيق تعليمات وزارة الصحة. ناهيك عن أن الأوضاع الاقتصادية السيئة الناتجة عن الموجة الأولى وإسقاطاتها، زادت الطين بلة كونها لا تبقي للمواطنين العرب خيارات كبيرة سوى التمسك بأماكن العمل وفتح المحلات التجارية. عدد كبير من المعطلين عن العمل العرب لم يحصلوا على مخصصات البطالة، خاصة الأجيال الشابة، وعدد كبير من المحال التجارية والمصالح لم يحصل على تعويضات أو قروض بضمان حكومي (نحو 60% من طلبات القروض في البلدات العربية تم رفضها). بهذا المعنى يعمل العامل الصحي والاقتصادي بغير صالح المجتمع العربي والبلدات العربية.
كنا قد حذرنا في كافة جلساتنا ومراسلاتنا مع الجهات الرسمية، واقترحنا خطة عمل على طاقم كورونا، ووضحنا أن ظروف البلدات العربية صعبة للغاية وأن خطر تفشي وباء كورونا مرتفع جدا، وطالبنا بالتحرك السريع للتعامل مع هذه الحالة، لكن بدل أن تقوم الحكومة بمتابعة الأوضاع في البلدات العربية، وأن ترسل فورا طواقم فحص للبلدات العربية، وأن تعمل على إخراج المصابين إلى فنادق ملائمة وقريبة جغرافيا لاستقبال المصابين، لأن قسما كبيرا من العدوى يكون داخل العائلة (وكنت قد طرحت الموضوع في استجواب لوزير الأمن حول عدد ومستوى هذه الفنادق)، وأن تعمل على إيجاد حل لموضوع الأعراس (اقترحنا أن تقام الأفراح في المتنزهات المفتوحة مع مراقبة ووفقا لتعليمات وزارة الصحة بدل البيوت والساحات دون أي رقابة)، وأن تبدأ حملة إعلامية فورية موجهة للمجتمع العربي، وأن توفر الحكومة الشروط الأساسية للسلطات المحلية العربية للتعامل مع حالة الطوارئ، وأن تبقى إدارة الأزمة مع وزارة الصحة وطاقم كورونا، وأن تكون الإدارة مركزية بمساعدة السلطات المحلية لا أن تحمّل السلطات المحلية مسؤولية أكبر من طاقاتها وإمكانياتها. اقترحنا كل ذلك كون كافة الخبراء يجمعون على أنها خطوات ضرورية لكبح تفشي الوباء. بدل ذلك كان تردد وتأخير في اتخاذ القرارات والتنفيذ، فمثلا خطة (رامزور) لم تقر في الكنيست لغاية الآن ولم يبدأ العمل بها بشكل جدي.
للتغطية والهروب من هذا الفشل تقوم الحكومة وطاقم كورونا بتحميل المجتمع العربي المسؤولية، والادعاء أن السبب الأساسي في تفشي الوباء هي الأعراس التي تقام في المنازل والساحات. وبدل أن تضع خطة واضحة لكبح التفشي، تقترح إغلاق البلدات الحمراء التي بغالبيتها بلدات عربية وبلدات يهودية متدينة. طبعا، تشكل الأعراس التي تقام دون المحافظة على تعليمات وزارة الصحة سببا في تفشي الوباء، لكن الإغلاق ليس الحل. الإغلاق سيفشل كونه يبقي على المصابين داخل البلدات العربية ولا يمنع انتقال العدوى داخل العائلة، ولا يعطي حلولا للضائقة الاقتصادية الحادة (والتي ستتفاقم في حال فرض الإغلاق)، وقد لا يمنع إقامة المناسبات ولا يعطي حلولا صحية. الإغلاق يجب أن يكون حلا أخيرا. قبل ذلك يجب القيام بعدة خطوات ضرورية، منها إخراج المصابين إلى فنادق خارج البلدات وإبعاد المصابين عن العائلات، والقيام بحملات فحوص مكثفة، وتوفير الأدوات لقطع سلاسل تناقل العدوى، وتوفير تعويض مالي للموظفين وضمان حلول مالية للمصالح الاقتصادية والمحال التجارية. كما يمكن تطبيق منع تجول ليلي لمنع الأعراس والمناسبات وتأجليها بضعة أشهر، وربما توفير تعويض مالي لأصحاب الأفراح بدل الأضرار المالية المترتبة عن تأجيل موعد العرس.
في كل بلدان العالم، مسؤوليّة مكافحة جائحة كورونا تقع على الحكومات والمؤسسات الصحية أوّلًا، وكذلك يجب أن يكون الأمر في بلداتنا العربية. يجب انتهاج سياسة واضحة وصارمة تعمل فعلا للحد من تفشي الوباء. إلقاء اللوم علينا كمجتمع لا يحل الأزمة، لكن بطبيعة الحال لا نعفي أنفسنا من المسؤولية. نعرف تماما الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وسوء الأحوال الصحية. ونعرف أن الأزمة ستتفاقم ما لم تبدأ الحكومة بالعمل بشكل جدي لمواجهة الوباء، دون استعلاء ودون استهتار. وعلينا نحن كمجتمع ومؤسسات وقيادات أن نعمل كل ما بوسعنا لكبح الوباء، أهمها، الالتزام بالتعليمات، وعدم الاستهتار، ولبس الكمامة بشكل دائم، وإجراء فحوص والالتزام بالحجر الصحي، وتأجيل الأفراح والأعراس، وخلق جو من المسؤولية الجماعية لنتخطى الأزمة.
نجحنا في الجولة الأولى، وبالإمكان النجاح في هذه الجولة أيضا، حفاظا على صحتنا وأرواح أهلنا والأحبة، ولكي نمنع ضررا أكبر.

* د. إمطانس شحادة - التجمع الوطني الديمقراطي- القائمة المشتركة 

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com 

إقرا ايضا في هذا السياق: