منبر العربHyde Park

العطاءُ أغبطُ منَ الأخذ/ بقلم: زهير دعيم
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

العطاءُ أغبطُ منَ الأخذ/ بقلم: زهير دعيم

قرب البحيرة الزرقاء الجميلة, والممتدة في أحضان الطبيعة الخلاّبة, عاشَ صيّادُ السمك"أبو فوّاز" وزوجته وأولاده, في بيت مُتواضعٍ, عيشةً هانئةً سعيدة, وكانوا طيّبي القلوب , ومُقتنعين بالحياة .


قرب البحيرة الزرقاء الجميلة, والممتدة في أحضان الطبيعة الخلاّبة, عاشَ صيّادُ السمك"أبو فوّاز" وزوجته وأولاده، في بيت مُتواضعٍ، عيشةً هانئةً سعيدة، وكانوا طيّبي القلوب، ومُقتنعين بال حياة .
أتقنَ الصّيّادُ مهنته اتقاناً، فكان يصطاد يومياً بشبكته كميّة من السمك، قد تزيدُ وقد تنقص، حسب الظروف والفصول...يذهب بها، في ساعات العَصْر إلى السّوق، يبيعُ مُعظمها، ويشتريَ بأثمانها ما يحتاج إليه من لوازم واحتياجات ِ البيت، أمّا ما تبقّى فكان يُعطيه عن طيبِ خاطر، للفقراء والمُحتاجين، الذين كانوا دائماً يدعون لهُ ولزوجته ولأولاده بطولِ العُمْر.
في أحد الايام الربيعيّة، وكعادته في كُلّ صباحٍ، حَمَلَ الصّيّادُ شبكته، وتوجَّه نحو البُحيرة ...وألقاها مرّةً ومرّات، فحالفه الحظُّ،  وفازَ بكميّةٍ كبيرةٍ من الأسماك،  فشكرَ ربَّه،  وقرّرَ في نفسه،  أنْ يزيدَ في هذا اليوم حِصَّةَ المُحتاجين.
وصَلَ السُّوق، فوجده يغُصُّ بالناس، فباع أسماكه بسرعة،  وبسعرٍ معقولٍ،  وأعطى حصّةً لا بأسَ بها للفقراء والمساكين.
أعطى "لأبو ابراهيم " الكثير الاولاد،  ولجميل المُتسوّل الأعمى، ولعجوزٍ تجلس في الزّاوية، وحولها طفلانِ صغيرانِ حافيانِ، ..أعطاهم والفرحةُ تملأُ قلبه، ثُمَّ اشترى ما يحتاجُ اليه منَ السّوق، وعاد الى بيته.
استقبلته زوجته وأولاده، بالتّرحاب والتَّهليل، وخاصّةً يُوسُفُ الصّغير ابن السّنوات السِّت، والذي راحَ يُفتّشُ في أمتعته...فهو ينتظرُ طيّارةً ورقيّة مُلوّنةً، وَعَدَهُ بها أبوه ...فضحك الصّيّاد وقال : " آه مِنكَ ...انّكَ لا تنسى شيئاً، الطّيارةُ في الحقيبة الثانية "
...فكاد يوسف الصّغير يطيرُ من الفرح .
استحمّ الصّاد، ولبس ملابسه النظيفة المُرتّبة ، وجلسَ حول المائدة مع عائلته الصّغيرة،  لتناوُل طعام العَشاءِ اللّذيذ، وفجأةً قُرِعَ الباب، فقامَ الابن الأكبر فوّاز، وفتح الباب ، وإذا برَجُلٍ غريب يقفُ هناك ، فدعاه الفتى للدخول قائلاً : "تفضَّل ..مَنْ تريدُ ؟"
فتلعثمَ "ابو ابراهيم " قائلاً : " أليسَ هذا بيت الصّيّاد الطّيّب أبي ابراهيم ؟ "
نعم أجاب فوّاز، ومن أنتَ ؟! ..أنا أبو ابراهيم من السّوق ، وأبوكَ يعرفني ...
وما كاد َيُتمُّ أبو ابراهيم كلامه ، حتّى وجدَ الصيّاد أمامه ، مُرحِّباً به بحرارة ، وهو يقول له : أهلاً وسهلاً ...شرَّفْتَ بيتَنا يا أبا ابراهيم ... تفضّلْ فالعَشاءُ ينتظرك...لا تقُلْ لي أنّكَ شَبِعٌ..
اعتذرَ أبو ابراهيم وقال : انّهُ خَجِلٌ, لأنّهُ حضَرَ وفي هذا الوقت بالذات، ودونّ سابق انذار ...فَرَجا أبا فوّاز بأنّ يأخُذَ من وقته دقائقَ معدودات،  بعد أنْ وَقَعَ أمْرٌ هامّ...
لكنَّ الصّيّاد الطّيّب، أبى أن يسمعه قبل أن يُشاركه الطَّعام .
انصاعَ ابو ابراهيم للأمر، فشاركَ العائلة العَشاءَ، واحتسى معهم كُوباً من الشّاي السّاخن، ثُمَّ مسَحَ لحيته بيديه الخشنتين وقال : كَمْ أنتَ طيِّبٌ يا أبا فوّاز !! انّ كرمَكَ يغمُرني، ويغمر الكثير من فقراء السّوق، ونواياكَ الطّيّبة يعرفها جميع الناس.
لقد أعطيتني يا صديقي، عَصْرَ هذا اليوم ثلاثَ سمكات، وكمْ تعجّبنا واندهشنا،  حينَ وجدْنا في احداها خَاتَما ًثميناً...تشاورْت مع زوجتي، فوجدنا أنّه من العدْلِ والحقِّ’ أن نُعطيَكَ هذا الخَاتَم، لأنّكَ الصّاحب الأصليّ لهذه السّمكات...فاسمحْ لي يا أبا فوّاز، بأنّ اُقدَّم لَكَ الخَاتَمَ.
أخرجَ أبو فوّاز الخاتَمَ من جيبه،  فإذا هو خَاتَمٌ ثمين، مُرصَّعٌ بجوْهرةٍ نادرة، رفَضَ أبو فوّاز قبول الخاتم،  ولكنَّ أبا ابراهيم أصرّ على ذلك ...فدارَ حِوارٌ لطيف بينهما .فتدخَّلت اُمّ فوّاز ، واقترحت عليهما، أن يحتكما إلى القاضي.
وكانَ القاضي مشهوراً بالعدل والحِكمةِ والخُلقِ الحَسَن .فاستحسنا اقتراحها، وأسرعا الى بيت القاضي، الذي استقبلهما استقبالاً حارًّا.
عَرَضا عليه المُشكلة ...فقالَ مُبتسماً : لِلهِ ..ما أطيّبَ قلبيكما ! وما أروعَ نواياكما ! فرغم الفَقر الذي تعيشانه،  فما زالَ الضّمير حيًّا في داخلكما .
أخرجَ ابو ابراهيم الخاتم من جيبه ، وعندما رآهُ القاضي تعجَّبَ وقال : انّه خاتمي ، خَاتَم القَضاء الذي سقَطَ منّي ، قبل عدّة أشهر، في البُحيْرة الزّرقاء ...اُنظرْ يا أبا ابراهيم وقُلْ لي : هل هناكَ نَقْشٌ باسمي في قلب الخاتم ؟ .
نظر ابو ابراهيم الى الخاتم ، وسرعان ما صاحَ وقال : نَعَم ْ يا سيّدي القاضي ...انّهُ يحملُ اسمَكَ الكريم ...انّني مُتعجِّبٌ !!كيفَ قادَنا القَدَرُ إلى هنا حتّى نُعيدَ لسيّدي القاضي خاتمه الشَّخصي..كمْ أنا مسرور بذالك .
وكَمْ كانت فرحة أبي فوّاز بعوْدة الخاتم لإصبع القاضي العادل.
شكرَ القاضي الصّيّاد وصديقه، وأمرَ خادمه بالمُثول بين يديه، وأمرَهُ على مَسمعٍ منهما، بأن يذهبَ إلى صائغ مشهورٍ، ليشتريَ لكُلِّ واحدٍ منهما،  خَاتَماً ثميناً ، مُرصّعًا بجوهرةٍ ثمينة ...
رفَضَ الصّديقان ... ولكنَّ القاضي أصرَّ على ذالك قائلاً : إنكما تستحقّانِ جائزتيْنِ ،على طِيبِ نواياكما وحُسْنِ أخلاقكما .

 موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.com 

إقرا ايضا في هذا السياق:

نابلس: وفاة الضحية الثالثة لشجار حوارة المأساوي