رأي حرOpinions

صراع كأس العالم/ مهند الصباح
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

كأس العالم- صراع ثقافيّ، سياسيّ، وحضاريّ/ بقلم: مهند الصباح

مهند الصباح في مقاله:

شئنا أم أبينا فإنّ العالم مقسوم ومنقسم، مقسوم ثقافيّا وحضاريّا، ومنقسم لمعسكرات تحكمها قواسم مشتركة

لا يمكن المرور عن هذه الظاهرة المتكررة كل أربع سنوات مرور الكرام. بل يجب دراستها من قبل علماء الاجتماع كي يستخلصوا ما قد يؤدّي إلى تقريب شعوب العالم من بعضها البعض


كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبيّة على مستوى شعوب العالم، تتنافس فيها المنتخبات الدوليّة بعد مرحلة طويلة من التصفيات لتتوّج المنافسة في دوري تعقده " الفيفا " كلّ أربع سنوات في إحدى دول القارات المأهولة، دوري هو بمثابة التقاء ومنافسة بين الحضارات والثقافات بشكل ودّي في ظاهر الأمر، بيد أنّه أشبه ما يكون بحرب عالميّة لا دماء فيها، تتواجه فيها الجماهير والفِرق بثقافاتها، بإصرارها، وبمدى وعيها وسلوكها أمام الآخرين. وهذا ليس بجديد، ومعروف لدى السواد الأعظم لدينا، لكن هل خطر ببالنا أنّها منافسة ودّيّة تُظهر مدى التعصّب للعرق والثقافة والسّياسة؟
شجّعت الجماهير العربيّة فِرقها الأربع المتأهّلة لكأس العالم والمنعقدة في دورته الحاليّة في روسيّا الاتحاديّة، شجعت المنتحب المصري على الرغم من عدم رضاها عن النظام الحاكم في مصر الشقيقة، والأمر مسحوبا على المنتخب السعوديّ الذي يعارض العرب سياسيات دولته في السّاحة العربيّة. ناهيك عن اصطفاف الجزائريّين خلف المنتخب المغربيّ على الرغم لما بين الدولتين من خلافات على الصحراء المغاربيّة وجبهة البوليساريو. تأييد الجماهير العربيّة للفِرق العربيّة مردّه وحدة العرق والثقافة والهمّ المشترك. الأمر هنا لا ينطبق على العرب فقط ، وإنّما أيضا على كافّة شعوب العالم، تماما كما شجّع الجمهور الاسكندينافي منتخب السويد ضدّ الألمان. جميعهم شجّعوا فرقهم ووقفوا خلفها سواء كانت غالبة أو مغلوبة، سواء واجهت فِرق دول متحضّرة ومتقدمة على دولهم أو العكس- وإن وجدنا أحدهم يقف خلف منتخب ضدّ بلاده فهذه حالة شاذّة لا يمكن تعميمها إطلاقا، وقد ينعته البعض بالخائن أو بالطابور الخامس-. وعند خروج بعض المنتخبات ومغادرتها المنافسة فإننا نلحظ لجوء الجماهير لدعم منتخب بلد يتقاطعون معه في الثقافة أو في القيم العامّة أو في السّياسة، مثلما حدث أثناء مباراة منتخب الجمهوريّة ال إيران يّة مع الولايات المتّحدة في عام 1998 في فرنسا، حين أصطفّ العرب خلف المنتخب الإيرانيّ ضدّ منافسه الأمريكي، لم ينجح المشجّع العربيّ حينئذ بالفصل ما بين الرياضة والسّياسة. وهذا دليل على مدى النزعة والتحيّز لدى الجماهير مع من يشبههم ويتقاسم معهم في أدنى المستويات كافّة. الشّعب العربيّ مع المنتخبات العربيّة والآسيويّة - إلى حد ما – ومع كلّ ما قال " لا " للولايات المتّحدة الأمريكيّة، شعوب أمريكا اللاتينيّة مع منتخباتها ومنتخبات دول جنوب العالم، والأمر ذاته ينطبق على شعوب دول العالم الشماليّ والغربيّ، وربّما شجّعت بعض الجماهير فِرق دول متقدمة لا لشيء سوى لانبهارها بحضارة تلك البلد وفي هذا نوعا من أنواع الشعور بالدونيّة الحضاريّة، وممنين النفس بالتطوّر والتقدّم.
هو ميدان أيضا للانتقام أو تصفيّة حسابات قديمة، وجميعنا شاهد كيف احتفل لاعبا المنتخب السويسري "غرانيت شاكا"، و "شيردان شاكيري"، وهما من أصل ألبانيّ بهدفيهما أمام منتخب صربيا، احتفلا بالشّعار الوطنيّ الألبانيّ، النسر المزدوج. هي أشياء دفينة تظهر بشكل عفويّ أو مقصود.
شئنا أم أبينا فإنّ العالم مقسوم ومنقسم، مقسوم ثقافيّا وحضاريّا، ومنقسم لمعسكرات تحكمها قواسم مشتركة.
على الرغم من تطوّر وسائل الاتصال بين شرق العالم وغربة وبين شماله وجنوبه إلا أنّ هذا التطوّر لم ينجح في إزالة علامات التحفّظ على الغير، وربّما كان للأجواء المشحونة في السّاحة الدوليّة عاملا له أشدّ الأثر في تغذية التعصّب الحاصلة في المواجهة السلميّة في كأس العالم في نسخته الحاليّة. وربّما هو تعصّب سرعان من ينتهي بانتهاء جولات المواجهة، ومع ذلك لا يمكن المرور عن هذه الظاهرة المتكررة كل أربع سنوات مرور الكرام. بل يجب دراستها من قبل علماء الاجتماع كي يستخلصوا ما قد يؤدّي إلى تقريب شعوب العالم من بعضها البعض، فشعوب العالم لا زالت بعيدة أشدّ البعد عن الالتقاء الخالص والمجرّد. سيبقى الشرق شرق، والغرب غرب، وتابع ومتبوع، ما دامت المصالح الفئويّة تحكم منظومة العلاقات بين الدول.

2018-06-25

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com  

إقرا ايضا في هذا السياق: