رأي حرOpinions

ترامب إذ يشيد بالطغاة/ وائل سواح
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

ترامب إذ يشيد بالطغاة/ بقلم: وائل سواح

وائل سواح في مقاله:

إعجاب الرئيس ترامب بالدكتاتوريين ليس طارئاً

اختار ترامب أن يهين قادة أكبر الديمقراطيات في العالم، حين أمر مساعديه بسحب موافقته على بيان قمة دول مجموعة السبع (بات بعضهم يسميها مجموعة 6+1)

للرئيس ترامب قاعدة ثابتة من الأميركيين تهلّل لكلّ ما يقوله أو يقوم به، وهي التي رحّبت بانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران ، وأشادت باتفاقٍ لا يبدو أنه سيكون أفضل مع كوريا الشمالية

وفي النهاية، من الذي انتخب ترامب؟ الولايات التي رجّحت فوز ترامب هي الأكثر فقراً والأقل ثقافة والأكثر اعتماداً على الولايات الغنية


أشاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل أيّام، بديكتاتور كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، ووصفه بأنه ذكي ومرح ورئيس قوي، وحين يتكلّم يقف شعبه باستعداد، قبل أن يضيف: "أريد من شعبي أن يفعل الشيء نفسه". بعد يوم، قال ترامب إنه كان يمزح فقط، لكن معظم الأميركيين يدركون أن بعض هزل ترامب جد.
إعجاب الرئيس ترامب بالدكتاتوريين ليس طارئاً، فحين قرّر البرلمان الصيني تعديل الدستور، بحيث يسمح بتمديد ولاية الرئيس الصيني، شي جينغ بينغ، من دون سقف لعدد الولايات، بعدما أحكم بينغ قبضته على الحزب والدولة، بإزاحته معظم منافسيه الأقوياء، هلّل ترامب لذلك، وقال في لقاء مع شبكة سي إن إن: "الرئيس بينغ رئيس لمدى ال حياة . إنه لأمر رائع.. علينا أن نجرب ذلك يوماً ما" في أم يركا . وقبل ذلك، أشاد ترامب برئيس الفيليبين، رودريغو دوتيرتي، الذي يلقي بخصومه من الطائرات، ويرفض أن يسمع من أيٍّ كان انتقاداً لسجله في حقوق الإنسان. وكان دوتيرتي قد تفاخر، قبل أيام، بأنه قتل شخصاً أيام كان مراهقاً، وقبل أن يمتهن القتل في أثناء رئاسته البلاد. وقد شتم الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، بسبب انتقاده حملة القمع الدموية ضد تجار المخدرات ومستخدميها، والتي يقول نشطاء حقوق الإنسان إنها قتلت أكثر من ثلاثة عشر ألف شخص، بينهم أطفال.

ولم يشأ الرئيس ترامب أن يزعج ديكتاتور بورما في أثناء زيارته العام الماضي جنوب شرق آسيا بأي كلمة عن الحملة العسكرية ضد الأقلية العرقية المسلمة من الروهينغا هناك، والتي تعتبر أسطع مثال حديث عن التطهير العرقي.
في المقابل، اختار ترامب أن يهين قادة أكبر الديمقراطيات في العالم، حين أمر مساعديه بسحب موافقته على بيان قمة دول مجموعة السبع (بات بعضهم يسميها مجموعة 6+1). وبينما كان يفعل ذلك، لم ينسَ صديقه وحليفه الديكتاتور الروسي، فلاديمير بوتين، الذي ثبت تورّطه في
"الولايات التي رجّحت فوز ترامب هي الأكثر فقراً والأقل ثقافة والأكثر اعتماداً على الولايات الغنية" التدخل في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016 لمساعدة ترامب في الوصول إلى البيت البيض، فطلب من قادة دول مجموعة السبع إعادة بوتين إلى المجموعة، بعد أن طردوه منها بسبب احتلاله جزيرة القرم الأوكرانية، وبسبب سجلّه الأسود في مجال حقوق الإنسان في روسيا وأنحاء أخرى من العالم بينها سورية.
للرئيس ترامب قاعدة ثابتة من الأميركيين تهلّل لكلّ ما يقوله أو يقوم به، وهي التي رحّبت بانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، وأشادت باتفاقٍ لا يبدو أنه سيكون أفضل مع كوريا الشمالية. لم تكن توقّعات ترامب من القمّة بالمستوى الذي وعد به وزير خارجيته، مايك بومبيو، من حيث الحصول على تنازلات كبيرة من كوريا الشمالية، فالبيان المشترك الذي وقعه ترامب وكيم مجرد خريطة طريق. لم يكن هناك اتفاق على "نزع الأسلحة النووية بشكل كامل وقابل للتحقق منه، ولا رجعة فيه". وفي المقابل، أمر ترامب بوقف المناورات العسكرية المشتركة مع جمهورية كوريا الجنوبية التي كان مقرّراً إجراؤها في يونيو/ حزيران الجاري، ومن المحتمل أن تسحب الولايات المتحدّة قواتها من شبه الجزيرة الكورية.
وليس ذلك كلّه ما يهمّ ترامب في الحقيقة، ما يهمه أن القمّة ستعزّز موقعه داخلياً، وستعزّز فرص فوز مؤيديه في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وستزيد من فرص إعادة انتخابه في العام 2020. ولا يزعج مؤيدي ترامب على الإطلاق تودّد الرئيس الأميركي لشخصياتٍ، مثل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أو ديكتاتور كوريا الشمالية، بينما يتنازع، في الوقت
"جوهر القضيّة أن ترامب (أو الترامبية) قد استحوذ على الحزب الجمهوري" نفسه، مع رئيس الوزراء الكندي القريب جاستين ترودو، فهم يرون فيه الرئيسَ الذي انخفض مستوى البطالة في عهده انخفاضاً تاريخياً، والأهم أنهم يرون فيه رئيساً على استعدادٍ "لخلخلة" النظام القائم، محلياً ودولياً، ظاهرياً في سبيل العامل الأميركي المنسي. ولو أن الرئيس السابق، باراك أوباما، على سبيل المثال، هو من فعل ما فعله ترامب، أي تقرّب من الروس وفاوض الكوريين، لكان من المؤكّد تقريباً أن ينتقده مؤيدو ترامب الحاليون بسبب "التفاوض مع الإرهابيين"، و"التخلي عن حلفاء الولايات المتحدة"، لكن قوة شخصية ترامب وفهمه قاعدته يتغلب على هذه الشحنات.
لا يأبه مؤيدو ترامب لسلاطة لسانه، ولا لحقيقة أنه أعطى ممثلة أفلام إباحية 130 ألف دولار لقاء صمتها عن علاقته بها، ولا لعفوه عن عنصري أميركي (الشريف جو أربايو من ولاية أريزونا)، كان يضطهد الملونين، ويكره المسلمين، ويتحرّش بالفتيات القاصرات، ويحتقر القضاء. وهم قطعاً يحبّذون سياسة ترامب في فصل الأطفال عن آبائهم الذين يأتون على الولايات المتحدة طلباً للجوء.
جوهر القضيّة أن ترامب (أو الترامبية) قد استحوذ على الحزب الجمهوري. وهذا لم يكن أمراً مقضيّاً في السابق، فلم يكن ترامب، في الحقيقة، يحظى بشعبيةٍ كبيرةٍ داخل المؤسسة الجمهورية عندما كان مرشحاً، وكانت وجهات نظره فيما يتعلق بـ "أميركا أولاً" ومكافحة التجارة الحرة والمناشدة الضيّقة للأميركيين البيض في تناقضٍ مباشر مع المؤسسة الجمهورية التي كانت، على العكس، تفضّل سياسة خارجية صلبة تقوم على أساس تعزيز الديمقراطية والتجارة الحرة ومحاولة توسيع قاعدة دعم الحزب. ومع ذلك، فاز ترامب بالانتخابات، وقام معظم منتقديه السابقين في الحزب بتغيير مواقفهم، لكي تناسب ترامب، وبالتالي قاعدة الحزب.
وفي النهاية، من الذي انتخب ترامب؟ الولايات التي رجّحت فوز ترامب هي الأكثر فقراً والأقل ثقافة والأكثر اعتماداً على الولايات الغنية. تسع ولايات من الولايات العشر الأقل ثراء وثقافة صوتت للجمهوريين في عام 2016، بينما صوتت تسع ولايات من الولايات الأكثر ثراء وثقافة للديمقراطيين. هل يبدو ذلك متناقضاً؟ نعم، ولكن ليس إذا تذكّرنا أن جمهور أي ديكتاتور هو من الجماعات الأقل حظاً وثقافةً الذين يبحثون عن شخصٍ، يضعون فيه ثقتهم، ليقرّر نيابة عنهم، ويدافع عن قيمهم وتقاليدهم.

نقلًا عن العربي الجديد - لندن

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com  

إقرا ايضا في هذا السياق: