رأي حرOpinions

سقوط آخر المقاهي الكناويّة/ بقلم: بكر عواودة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
سماء صافية
13

حيفا
سماء صافية
19

ام الفحم
غيوم متفرقة
17

القدس
سماء صافية
12

تل ابيب
غيوم متفرقة
17

عكا
سماء صافية
18

راس الناقورة
سماء صافية
13

كفر قاسم
غيوم متفرقة
17

قطاع غزة
سماء صافية
11

ايلات
غائم جزئي
17
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

سقوط آخر المقاهي الكناويّة/ بقلم: بكر عواودة

للماضي حنين وأشواق، تتحَسَّسُهُ بين كلمات النّاس وهم يحدثونك وقد شخصت أنظارهم في نقطة وهميّة في المكان وكأنهم يعاينون صورة ماثلة أمامهم مستخرجة من حُجيرات الذّاكرة البعيدة. بين الجُمل المنتقاة تَرتَسِم ابتسامة آسفة ترافقها زفرات وتنهدات

بكر عواودة في مقاله:

شعرت بالأسى والحزن عندما رأيت هذا الاسبوع آخر هذه المقاهي التاريخيّة، مقهى العمّ نمر مصطفى أبو حسن، يهوي بين فكّيّ كماشة حديديّة ضخمة تقضمه وتجهز عليه معلنة سقوط آخر القلاع الكناويّة الرمزيّة

في سنة 1948 قامت إسرائيل بتفجير مبنى المقهى ونسفه كليّا بحجة أن أبناء صاحب العمارة لجأوا إلى لبنان


للماضي حنين وأشواق، تتحَسَّسُهُ بين كلمات النّاس وهم يحدثونك وقد شخصت أنظارهم في نقطة وهميّة في المكان، وكأنهم يعاينون صورة ماثلة أمامهم مستخرجة من حُجيرات الذّاكرة البعيدة. بين الجُمل المنتقاة تَرتَسِم ابتسامة آسفة، ترافقها زفرات وتنهدات عند استرجاع الزّمن الفائت، وكأنّ كلّ هذه المسافة الزّمنية حدثت على حين غرّة. في نبض حديثهم لوعة لزمن جميل وبسيط خالٍ من التعقيدات، رَسَم المكان بالأسود والأبيض، ولكنّه يَترُك لعنان فكرك كمتلق أن تَبذُر ألوانه فترسم زهو مكانه وتستمع إلى صخب رواده، وتستحضر عَبق المكان، رائحة البُن المغلي الّذي عبقت به مقاهينا التّاريخية المشهورة في قانا الجليل.
لم أكن أنا أو أبناء جيلي، من مواليد ما اصطلح عليه العرب بجيل النكسة، من رواد هذه المقاهي، فقد كانت هذه المقاهي مكانا لجيل آخر سبقنا، جمعت جيل آبائنا أو من هم من جيل أجدادنا. وبكل تأكيد هي مقاهي جيل النكبة، جيل من عاصر الكارثة الفلسطينيّة، الّتي تركت شعبًا مُشرّدا، وريفا فلسطينيّا محاصرًا ضعيفا ومُخترقا.
ومع ما يقترن من وصف المقهى في مخيلتنا الشعبيّة من مضيعة للوقت ، لم يمنعني هذا إطلاقا من النظر الى هذه المقاهي برزانة واكتهاء ، لإدراكي بأنّها كانت أكثر من مجرد مقاه، بل كانت ملتقى اجتماعياً جمع الناس للحديث الاجتماعي والسياسي المحلي والعام، في فترة انعدمت فيها السبل، ومُنع الناس من الخروج من قراهم إلّا بتصريح أمنيّ.
وأما سبب كتابتي عن هذا الموضوع النوستلجي فهو شعوري بالأسى والحزن عندما رأيت هذا الاسبوع آخر هذه المقاهي التاريخيّة، مقهى العمّ نمر مصطفى أبو حسن، يهوي بين فكّيّ كماشة حديديّة ضخمة تقضمه وتجهز عليه معلنة سقوط آخر القلاع الكناويّة الرمزيّة. ومما علمت ، ان الامر لم يكن سهلا على العم ابي حسن وبقي مترددا لأخر لحظة .
بلا شك، كانت المقاهي من أهم معالم قانا الجليل القديمة ورموزها ، الّتي ميّزتها عن كثير من القرى والبلدات الفلسطينيّة الأخرى. حيث لعبت هذه المقاهي بدون قصد دور المؤسسة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة الشعبيةّ، ناهيك عن الجانب الأساسيّ الترفيهيّ. خاصة بعيد النكبة وأبان الحكم العسكري الّذي استمرّ حتّى ديسمبر 1966، فكانت هذه المقاهي قريبة نوعًا ما إلى النّوادي الاجتماعيّة القرويّة، ففيها تجمّع الناس وتناقلوا الأخبار، وفيها تباحث النّاس في أمور ال حياة والزّراعة، والسّياسة، وأخبار العرب والحرب، والثورات والانقلابات. وفيها استمعوا إلى ما يبثه المذياع الخشبيّ فحلّلوا بطرقهم الشعبية، بين الجدّ واللّعب الأوضاع المحليّة والدّولية. ولا سيما إذاعة صوت العرب من القاهرة التي تأسست سنة 1953 . .ومن المقاهي انتقلت الأخبار إلى البيوت. وكانت أجهزة المذياع تعمل بواسطة البطاريات الّتي كانت تُشحن في النّاصرة يوميًّا في معمل أمين سهيل جرايسي، وكانت تُنقل من خلال شركة باصات آدم والجليل إلى المقاهي .
كانت المقاهي المكان الوحيد الذي فيه ( واي فاي) أقصد جهاز المذياع في كل البلدة. حيث كان الإصغاء إليه ،هو الارتباط الوحيد مع العالم الخارجيّ، فسماع أخبار العرب عبر الحدود، و اغاني الثورة المصريّة وأخبار العدوان الثلاثيّ، وحرب اليمن والسدّ العالي، وأخبار الوحدة السورية المصرية ، وبكلّ تأكيد متابعة بطل الجماهير جمال عبد الناصر، كان يُشْعر الناس بالطمأنينة، بأن العرب قادمون وأن قضية فلسطين لم تنته. وكان صوت العرب من القاهرة من خلال مذيعه المشهور أحمد سعيد هو الأكثر شهرة. أمّا خطابات عبد الناصر فكانت حدثًا خاصًا تجمع الصّغير قبل الكبير؛ فيتوقف اللّعب ويتجمهر النّاس، والكلّ يسمعون ويحفظون الخطاب متشدقين بأمل التحرير، وعودة الأهل والخلان؛ فكانت الحماسة تدبّ في عروق النّاس، ويبقى أثر الخطاب حديثًا متداولًا بين النّاس لفترة طويلة. ولعلّ فترة ما قبل حرب حزيران كانت فترة ترقب وانتظار، وأمل كبير بأن الحال سيتغير بكل تأكيد، وأن الجيوش العربيّة تتأهب لتحرير واستعادة فلسطين.
بعد حرب 1967 ونتائجها أصبح الإذاعي أحمد سعيد اكثر شخصيّة مكروهة بين رواد المقاهي، وأصبح اسمًا لكلّ الكذّابين، فكان يقال عن الشّخص الكاذب أو المُغالي في كلامه "أكذب من أحمد سعيد". وبعد النكسة وفقدان الأمل. كانت محطة الشّرق الأدنى في هيئة الإذاعة البريطانية (هنا لندن). هي الإذاعة المفضلة في المقاهي وأما صوت العرب فتحول الى المرتبة الثّانية، وكان صوت إسرائيل بالعربيّة في المكان الثالث ونادرًا ما أُستمع اليه.
في هذه الفترة تحديدًا كانت وسائل الاعلام المقروءة محدودة جدًّا، فالجريدة الأكثر شهرة في حينها كانت "الاتحاد"، وكانت توزّع في حذر على أعضاء الحزب الشيوعي والمُسيّسين، فكانوا يتلقّفونها كونها مثلت صوت المقموعين وعبرت عن أحلام وآمال شعب مكلوم ومنكوب، كانت توزّع بحذر فيه مخاطرة وتحدّ للخوف السّائد من الشين بيت وعيون السلطة الجديدة، وبالمقابل كانت توزّع جريدة "اليوم"، ولاحقا "الأنباء" وهي جريدة سلطويّة مخابراتيّة كان يحرّرها ( بار موشيه) وكانت توزع لعيون السلطة وعكاكيزها لنشر أخبار الحكومة والإشاعات وإثارة اليأس بين الناس.
وإلى الجانب الاجتماعيّ المحليّ والسياسيّ كان للمقاهي دور كبير في نقل ال أغاني العربيّة. وفي الطّرب انقسم النّاس بين محبي الطّرب الشّاميّ والمصريّ، فكانت صباح تشدو مثل شحرورة تصدح بأعلى صوتها ومن خلفها بساتين الرمان ومعها فيروز ووديع، وفي المقابل أحبّ آخرون سماع عبد الوهاب وفريد وعبد الحليم. أمّا أمّ كلثوم كروان الشرق، فكانت سيدة المكان بدون منازع. فكانت سهرة أوّل يوم خميس من كلّ شهر حدثاً خاصاً يحتفى به في انتظار السّت، فقد كان موعد عشّاق الطّرب الكروانيّ.
ولكي لا افُهم خطأ، بأنّني أتحدث عن ملتقى أو منتدى علميّ أو أدبيّ أو فنّيّ، فإنّني أؤكد لكم جازمًا كما ذكر لي شهود العيان أنّ العمود الفقريّ لهذه المقاهي هو لعب (الشّدّة) فلأجلها جرت المنافسات الطّاحنة وبالأساس ( الويست ،الليخة ، الريمي). وحولها تجمّع الكثيرون، أمّا الجوانب الأخرى السّياسيّة والثّقافية والاجتماعيّة فهي منتوجات إضافية حدثت بدون قصد. إلّا أنّني أعتقد بأنّها كانت تعبر عن حاجة إنسانيّة استطاع أصحاب المقاهي فهمها وتلبيتها.
ومن المقاهي المشهورة ، مقهى الحدّادين وتأسس سنة 1945، وكان تأسيسه بعد شراء أهم العناصر الاساسيّة للمقهى وهو مذياع من نوع فيلبس، حيث اشتراه مؤسسا المقهى الأخوانِ راجي وعارف مطر رحمهما الله من المرحوم نايف حمزة، وتمّ استئجار عمارة من المرحوم مصطفى طه، وافتتح فيها المقهى وإلى جانبه محددة وكور ومن هنا اطلق عليه اسم (مقهى الحدّادين). وعمل المرحوم عارف مطر في الحدادة وأدار أخوه راجي المقهى ، وكان عارف إذا احتاج لمساعدة في الحدادة أرسل إشارة عبر أدواته الحديديّة لأخيه، فيذهب راجي مسرعًا لضرب الحديد الملتهب على السّندان حتّى يأخذ الشكل المطلوب. فكان المقهى أيضا ملتقى للعمال والمزارعين لتصليح وشحذ أدوات عملهم، ولطالبي العمل ولعقد الصفقات.
في سنة 1948 قامت إسرائيل بتفجير مبنى المقهى ونسفه كليّا بحجة أن أبناء صاحب العمارة لجأوا إلى لبنان. فتعطّل عمل المقهى لمدة من الزمن وبعد أن تمّ بناء العمارة من جديد عاد الأخوانِ مطر وافتتحا المقهى والمحددة من جديد، وإلى جانبهما افتتح المرحوم سامي الحلّاق المحلقة الأولى في قانا. فبدت هذه الحُجيرات الثلاث : المقهى ،المحددة والمحلقة وكأنّها مركز التسوق ومركز البلد. خاصّة أنّه تمّ اعتماد محطة لباصات ادم والجليل الى جانب المقهى، التقى فيها أيضا أهل القرى المجاورة الذاهبون والقادمون من النّاصرة، فبدا المكان وكأنه "السيتي سينتر" بمفاهيم سنوات الخمسين...
ومن المقاهي المشهورة أيضا مقهى المرحوم فضل التّوما، ومقهى المرحوم محمد الصبيح، وعلى امتداد الشّارع كان أيضا "مطعم ومقهى فلوريا" للمرحوم سعيد الرّاهب، أوّل مطعم في قانا الجليل. وفي مدخل قانا الجليل الجنوبيّ افتتح في بداية الستينيات مطعم ومقهى شاهين للسيد ادمون شاهين ومكانه اليوم هو البيت الحجريّ مقابل مطعم الرّوابي.
أمّا مقهى العمّ نمر أبو حسن أطال الله في عمره، والذي هُدم اليوم فكان آخر هذه المقاهي، وافتتح في فترة الثمانينيات وكان استمراريّة للمقاهي التّاريخيّة من حيث طريقة العمل والأسلوب. لا أعرف ما يُخَطّط لبنائه مكانه، ولكنّي أتوقع بناء مبنى جديد وعصريّ، ربما يكون بداخله مقهى (كوفي شوب) بنكهة جديدة مزوّد بخدمات جديدة وقهوة (تيك أويي) بعبوات كرتونيّة خاصة.
تميّزت مقاهي كفركنا بطاولاتها المنخفضة وكراسيها التّقليديّة المشدودة من القشّ، وكان لعب الشّدة على الأغلب في مجموعات متنافسة معروفة سلفا تتنافس كلّ يوم دون ملل. وكانت تلتقي بالوقت المعهود دون موعد ودون تنسيق مسبق، فإن ذلك الزمن كان سلسًا وانسيابيًا ولا يحسب بالدقائق أو بالسّاعات إنّما بالفترات. وكانت فترات بعد الظهر هي ساعات الذّروة فكان يلتقي الأصدقاء والرفقاء وكأنّ مكانهم المفهوم ضمنا هو زاوية المقهى ذاتها، والطّاولة الخاصّة بهم، ينتظرهم جمهورهم وهل يوجد مكان آخر ؟!
يشمل المقهى قوانين وأعراف وأصول غير مكتوبة للعب متعارف عليها بين رواده .ومن قوانين المقاهي غير المكتوبة أن تدفع المجموعة الخاسرة في نهاية اللّعبة حساب المشروبات " وما يسمى بلغتنا المحكية "المشاريب" والّتي تشمل بالأساس أثمان القهوة والشاي، ليس فقط للّاعبين بل أيضا لجمهور المتفرجين، حيث كانت تتم دعوتهم لشرب القهوة وتسجيل الطّلب على الجانب الخاسر.
لكلّ مقهى ذوق خاصّ وزوار ورواد مخلصون له من الاعبين ، ولكلّ مجموعة كهذه مجموعة تساويها عددًا أو اكثر من المتابعين، أو المبتدئين والمحللين، وناقلي الأخبار، وأصحاب الفكاهة وما الى ذلك، فلكلّ طاولة عشّاقها ولكلّ متفرج بطل داخل الملعب يسميه ملك اللعب أو "الحرّيف" يناصره حتّى في أشد أخطائه. وما نشاهده اليوم من جدالات ومشاحنات بين مشجعي الرّيال و برشلونة ، ما هو إلّا الصّورة الديجتالية المتقدمة لما كان يحدث داخل المقاهي في عصر ما قبل الكهرباء.
بعض اللّاعبين المحترفين لم يكتفوا باللّعب مقابل دفع تكاليف المشاريب، بل اعتمدوا تسجيل الخسارات في الدفتر بطريقة " الشحطة " وما يسمى بلغتنا المحكية الكناويّة "شْحوط"، وكل "شْحوط " كان بمثابة دَين يُسَجل على الخاسرين وهو بقيمة " 5 شلن " وكل خمس "شْحوطات" ربع ليرة. بالنّسبة للّاعبين كانت تنتهي اللعبة بفرز الخاسر والرّابح، ودفع مشاريب الطاولة. ولكن عندها كانت تبدأ مرحلة يشارك بها جمهور المتفرجين من خلال التحليل، والمقاهرة، والمقارنة، وتبيان الأخطاء الّتي اقترفوها خلال اللّعب. غالباً كان طرفا الفريقين يدخلان في مشادّات كلاميّة ساخرة بين أعضاء الفريق الواحد أو اعضاء فريق الخصم، متهمين بعضهما بضعف اللّعب أو قلّة المهارة، كانت هذه اللقاءات أشبه ( بلعبة كلاسيكو لذلك الزّمان ). ومن كان يظن أنّ اللعبة انتهت بعد التّحليل في المقهى فهو مخطئ، بل تنتقل الى السّهرات في البيوت فيبدأ المزاح والتعليق
" ابو فلان روّح مكشّر ماكِل غُلب من قاع الدّست" مع التّشديد على القال الكناويّة. أو أن يقال لشخص " اكم شْحُط مسجلين عليك؟ مما يشحن الجانب الخاسر حتّى الغد للّعبة جديدة يستطيع من خلالها رد جزء من ماله وحظّه العاثر.
في السّبعينيات ازدهرت المقاهي فكانت تجمع أيضا معلّمي المدارس خاصّة الأفواج الأولى من الخريجين الجامعيين من جيل النكبة، حيث أصبحت أيضا ملتقى للمعلمين في كفركنا، وربما كان يوم الأرض 1976 سببًا لقرار أصدرته وزارة المعارف بوساطة مفتش المعارف بمنع معلمي البلدة من ريادة المقاهي، فهناك من امتنع قطعيًّا عن لعب الشدة، وهناك من استمر في الحضور ضاربًا بعرض الحائط هذه التعليمات.
اليوم هُدم اخر هذه الاماكن وتبقى الذكريات فينا تنبض بالحنين الى صوت الحديد بين المطارق والسندان والى رائحة القهوة المعهودة ، حنين الى زمن الاسود والأبيض ،زمن ما قبل الاكتظاظ والزحمة .

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
كفركنا
مطاردة بوليسية في الطيبة تنتهي بإصابة شاب بجراح خطيرة