منبر العربHyde Park

مشاهدات طريفة عجيبة خلال ساعة واحدة في رام الله-السفير منجد صالح
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

مشاهدات طريفة عجيبة خلال ساعة واحدة في رام الله-السفير منجد صالح

دون شك أنها "حوادث" وأحداث مُزعجة، لكنني أضعها تحت بند الأحداث الظريفة العجيبة، وربما المُؤسفة والمؤلمة إلى حد ما، نواجهها إذا ما خرجنا من عتبات بيوتنا إلى الشارع الرحب الفسيح، .. لكنها تبقى "بسيطة" ضمن السياق العام والمفهوم السائد في بلادنا الجميلة العظيمة المُحتلّة.

ولا ترقى، بأي حال من الأحوال، لا سمح الله، إلى ما نقرأه ونسمع عنه من مصائب وغرائب وجرائم يندى لها الجبين، كقصّة الصبية الجزائرية ذات ال 18 ربيعا، التي تم إختطافها على يد مجرم، إغتصبها وقتلها وأحرقها، وكأنّه يتناول "شربة" ماء ليس إلا!!!..

ولا إلى جريمة الشيخ المغربي الذي إعتدى على وهتك عرض سبعة من تلاميذته الصغار، الذين يُدرّسهم القرآن وعلوم الدين و"الأدب والأخلاق". فعلها، بإصرار وترصّد، على حصيرة المسجد!!!.

ولا إلى "المصري" الذي كتبت عنه مقالا "إحموا الأطفال من السفلة"، الذي إنتهك براءة و"سذاجة" وقلّة حيلة طفل صغير، يلهو في التراب، لا يتعدّى عُمره الثمان سنوات، في سيارته في الشارع العام، وفي وضح النهار وتحت أشعة الشمس!!!.

قصصُنا خفيفة نظيفة طريفة، وتكاد تكون ضربا من ضروب "شرّ البلّية ما يُضحك!!". لكنها مزعجة وتُلوث صفاء يوم مشمس لاهب.

في بداية جائحة الكورونا كتبت مقالا قلت فيه: "أننا أصبحنا أكثر تهذيبا وصبرا في زمن الكورونا".

لكن يبدو، في هذه الأيام، أن "حليمة عادت لعادتها القديمة"!!! وأصبحنا في أيامنا هذه أقل صبرا، وأقلّ ... صبرا، بل أن الناس تمشي في الطرق والأسواق والمحلات التجارية وهم لا يُطيقون انفسهم، ويرون "الديك أرنبا"، ويتعاركون مع نسمة الهواء الهابة أمام أنوفهم.

أو أن كل واحد أصبح "يُغنّي على ليلاه"، يغنُي موّاله بعزف منفرد على "الربابة".

أصبحت المرافق المشتركة، التي يجب أن تُحترم، وأن تحترم خصوصية كل فرد من المواطنين فيها، أصبحت "مقاثي" خاصة، يتمّ تملّكها في لحظة "نزق" ولامبالاة وخروجا عن تقاليد القيافة والكياسة والذوق الرفيع وغير الرفيع.

وحتى لا أعيل صبر القاريء الكريم سأدخل مباشرة في "بث شريط مصوّر"، مُدّته ساعة، للتدليل على وتوضيح هذه المُقدّمة:

اللقطة الأولى أو المشاهد الأولى من "الشريط المُصوّر":

وصلت أنا وصديقي الصغير "حموده" إلى "مول بلازا" في منطقة بالوع البيرة، المُطلّ عليه مدخل رام الله والبيرة الشمالي للمسافرين القادمين من مدن الشمال، حتى من جنين، على أطراف مرج ابن عامر.

مول بلازا، وخاصة سوبرماركت "برافو"، الذي يحتل معظم مساحة الطابق الأرضي، كان وما زال، قد إتّخذ، منذ بداية الجائحة، إجراءات وقائية واضحة ومتميّزة وبادية للعيان وملموسة من مرتادي وزبائن "المول".

فمنذ إقترابك من الباب الزجاجي الفسيح الباسق، الذي ينفتح أمامك أتوموتيكيّا، تلمس وترى هذه الإجراءات، حيث تستقبلك صبيّة، وُظّفت من أجل الغرض، تُناولك محلولا مُطهّرا من زجاجة بيدها، وتومئ لك بإتجاه صندوق صغير يحوي "دستة" من "الكفوف" البلاستيكية الشفّافة.

مترافقا مع ذلك، يقوم شاب بجانبها بقياس حرارتك، من جبهتك أو رسغك، بواسطة جهاز "ليزر" لقياس الحرارة.

تدخل باب سوبر ماركت برافو بعد هذه الإجراءات "الإحترازية" الوقائية وكمّامتك تُغطّي فمك وأنفك. وإذا لم يكن لديك كمّامة لسبب أو لآخر تتجه إلى "الستاند" الذي يتواجد فيه المدير أو نائبه، فيعطوك كمّامة مجّانا، حفاظا على حسن سير إجراءات السلامة والوقاية.

مدير برافو هو بشّار، مربوع القامة ديناميكي الحركة. لمن لا يعرفه أو يعرفه شكلا فاكثر ما يُميّزه شعره الطويل الأجعد الأسود، يُنافس به كبار المُلحنين الموسيقيين أو الرسامين النحّاتين أو الشعراء "البوهيميين".

لكن إذا ما غُصت في مكنونات أعماقه، وخبرت أسراره، وعرفته مضمونا وكنها إلى جانب الشكل، ستجد فيه شخصا رقيقا حسّاسا، غاية في التهذيب، قارئ نهم، ومتذوّق مبدع للنثر والشعر، أي بكلمتين: مُثثقّف بإمتياز.

يحدوني الإعتقاد الجازم بأن الإجراءات الوقائية الإحترازية في سوبرماركت برافو، منذ بداية الجائحة، ومستمرّة، هي نتاج شخصيّته ومهنيّته العالية.

"تبضّعنا"، "تحوّجنا"، عملنا "شوبينغ"، وضعنا المُشتريات في "العرباية"، التي حصلنا عليها قبل الدخول من ممر في بهو الطابق الأرضي، تقوم صبيّة أو شاب بتطهيرها وتعقيمها قبل أن يُعطوك إيّاها.

توجّهنا، صديقي الصغير حموده وأنا، نحو صندوق "الكاش"، حيث تُرابط فيه صبية لبقة مستعدّة "لتسليك" الزبائن بسرعة. لديها من الخبرة لفعل ذلك.

عندما وصلنا تفاجأنا أن الشريط الموصل "لصندوق الكاش" مشغول!!!، وفي وسطه "يتمترس" كيس من أرز "شقحة"، وزن خمسة أو عشرة كيلوغرام، وبجانبه كيس متوسط الحجم لا تظهر مكنوناته.

الغريب أن الأرز والكيس تتوسط الشريط و"تحتلّه"، لكن لا أحد في الجوار. مجهول صاحبها أو صاحبتها، أو ربما "الفاعل" يلبس "طاقية الخفاء" الأسطورية في حكايات ألف ليلة وليلة.

إنتظرنا برهة حتى يظهر صاحب الأرز "المُبجّل"، الذي يتوسّط الشريط، لكن دون جدوى، لم يظهر إنس ولا جن، ولا حتى لابس طاقية الخفاء، وكأن صاحبها "جرّه النمل" إلى بلاد الواق واق!!!.

إضطررنا والحالة هذه أن نفرغ مشترياتنا على الشريط "المُحتل"، ونضعها أمام ومن خلف كيس الأرز "الدخيل".

بدأت الصبية اللبقة، عاملة صندوق الكاش، بإلتقاط الحاجيّات وإحتسابها في الصندوق، حتى أتت على كيس الأرز، تناولته لإدخاله في الكاش، فقلت لها:

"هذا ليس لي".

ليس لك؟؟ لكنه ضمن أغراضك. أجابت.

ليس ضمن أغراضي يا آنسة. لقد كان موجودا على الشريط عندما وصلت، أكّدت لها.

ما أن فرغت من دفع قيمة ثمن مشترياتي، وبدأت صبية الكاش في وضع مشترياتي في أكياس نضعها في العرباية.

وقبل لحظة من مغادرتنا إلا:

وظهرت "الحوريّة"، حورية البر، جاءت تتمختر دلالا وتمايلا، مشيتها أشبه ما تكون بخطوات "ناعسة" لعارضة أزياء "فرنسية" تعرض آخر مبتكرات الموضة من على خشبة العرض.

سيّدة ثلاثينية ربما، شعرها ينسدل بفوضى على كتفيها وخصلات منه تلتصق بجبينها، تلبس قميصا وبنطالا، لكن لا تلبس "كمّامة"، طويلة إلى حد ما، سمراء.

في ملامحها تقرأ لامبلاة، وكأنها ساهمة حالمة في ملكوت الله.

تحمل في يدها مشتريات أخرى كي تُضيفها إلى كيس الأرز "الصامد المُرابط" في موقعه على الشريط.

سيّدتي، مع إحترامي، لقد حجزت الشريط، والسوبرمارت "مدبوز" بالعربايات والسلّات لوضع المشتريات، توجّهت إليها قائلا بكل لطافة.

أنا لم أحجز الشريط، أجابت بصورة قاطعة.

لكن كيس الأرز، والكيس الآخر، تركته في منتصف الشريط فحجز الشريط وأعاق "شغلنا"، أردفت.

لم أحجز الشريط ولم أعق شغلك، بدليل أنك "مشّيت حالك" وحاسبت، أجابت بنفس الطريقة.

آه آه آه، فلسفة، يبدو أننا سندخل في علم الفلسفة، في جدال فلسفي. حجزت الشريط وأعقت شغلنا. ربما تبحثين عن كلمة "آسفة" في ثنايا الفلسفة؟!

لا لست آسفة.

إذن لا داعي للحوار. شكرا.

وغادرنا.

اللقطة الثانية والمشاهد التالية تأتي تباعا مباشرة على أوّل "لفّة" من الطريق. إنطلقنا بالسيّارة من أمام "المول" وإنحرفنا من جانبه في الممر الضيّق الذي يُخرج ولا يُدخل، لنصبّ مباشرة في "نهر" متدفّق من المركبات في الشارع ذي الإتجاه الواحد خلف "المول".

الشارع يعجّ بالسيّارات المُتجهة إلى الأعلى نحو تقاطع الطريق الآتي من أمام مبنى السفينة إلى محل إزحيمان حيث رائحة القهوة الشذيّة.

لماذا لا تتحرّك السيّارات بل تحافظ على مواقعها واحدة وراء الأخرى؟؟!!

حاولنا أن نتقدّم قليلا لإستجلاء الأمر ما أمكن من على يسار المركبات السائرة بخطى سلحفاة برّية عُمرها ثمانون عاما.

عن بعد رأينا مقدّمة سيارة صغيرة تسدّ الطريق في فوّهة الشارع وتناطح مقدّمتها مقدّمة أول سيارة جيب في الشريط الطويل المُنتظم الملتزم بقوانين السير والمرور الحكيمة الرشيدة.

تقود هذه السيّارة "المخالفة المُعاكسة" لقوانين السير والمرور فتاة، سيّدة، تُصرّ على إختراق الطريق في الممنوع، في الإتجاه المُعاكس، في الإتجاه المُخالف "لخلق الله والناس" وكأنها تعتبر نفسها فريدة من نوعها وأحسن من "كل هذه الأمة"، وهي في الممنوع.

ربما رأت في نفسها بأنها إحدى "سلاحف الننّجا" الخارقة، تودّ لو تخرق صف السيارات المنتظمة الصحيحة أمامها وتنفذ منها وعبرها إلى وجهتها النهائية دون أن تكسر سيّارة أو ان تُريق قطرة دماء.

بقيت السيّدة "الظريفة الجريئة" في مكانها تراوح ولا تقتنع حتى "هال" وانهال عليها سيل من "زوامير" السيّارات التي سدّ صوتها إتجاه الرياح القادمة من الغرب.

بعد أن أقتنعت بدأت تُناور بسيارتها "القزم" ورجعت قليلا وإنحرفت ثم أفسحت للسيّارات "أسيرتها" السابقة، و"أفرجت" عنها، لتتنسّم شذرات نسائم الحرية وتستمر في طريقها نحو أهدافها.

وخرجنا من أسر السيّارة الصغيرة.

اللقطة الثالثة والمشاهد التالية وشيكة الحدوث بعد ان إنعطفنا يمينا من أمام محل "بن إزحيمان"، ورائحة طحن القهوة تعبق في الشارع، وإنعطفنا يسارا نحو مدرسة فلسطين الأمريكية، الواقعة في شارع ذي إتجاه واحد أيضا، حتى يُخفف من إكتظاظ المركبات في هذا الشارع وقت الذروة بعد الظهر، وقت خروج الطلاب من المدرسة، وهو الوقت الذي وصلنا فيه بالذات.

كانت مكتبة "شو بدّك" في مواجهتنا ونحن نهمّ بالإنعطاف يسارا نحو المدرسة، ونحن في الإتجاه الصحيح طبعا.

أذكّركم بأن الشارع ذي أتجاه واحد. وما أن أصبحنا في وسط المفترق، "المُثلّث"، إلا والمركبات "مُكبّشة" في بعضها البعض و"الحابل يلتطم بالنابل"، وكأنه يوم الحشر.

يا إلهي ماذا يجري؟؟ هل هي بوادر الحرب العالمية الثالثة؟؟!!

أخذت السيارات من جميع الإتجاهات "تُضبضب" نفسها وتحاول أن "تفكُ زنقة" حابلها ونابلها والسيارات "المُتعانقة" قسرا مع بعضها. وإذا بسيارة أجرة لونها أصفر تُطلّ بمقدّمتها في الإتجاه الممنوع، وتترك مؤخّرتها لتقول وداعا للمدرسة.

سائق سيّارة الأجرة يضع "ساعده" المُتعرّق على شبُاك سيارته، التي تخترق كالنمر الأصفر، وفي الممنوع، صفوف السيارات الواقفة الواجمة.

أنت تسير في الممنوع، يا صديقي، في هذه الأزمة وفي هذا الحر اللهب!!!!! أكّد له أحدهم متعجّبا.

لا لا. لا أسير في الممنوع. لقد كنت واقفا. أجابه السائق ببساطة.

إذن، لقد كنت واقفا في الممنوع، منذ البداية.

ضحك السائق، وأشاح بيده وكأنها إشارة النصر. وجهه مُتعرّق والشمس لاهبة، واخترق، بكل "بسالة" وعناد، صفوف السيارات الواقفة المُلتزمة بقوانين السير والمرور الحكيمة الرشيدة!!!

كاتب ودبلوماسي فلسطيني

كلمات دلالية