رأي حرOpinions

لبنان بالعصر الحجري| د.نسيم الخوري
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

لبنان في العصر الحجري الأسود| بقلم: الدكتور نسيم الخوري

وصل العام الدراسي الجديد متثاقلاً ومخيفاً بسبب تدفّق أخبار الكوفيد 19 المتجددة ومتحوّرته الدلتا الخطرة عبر الهلع والتوصيات الطبيّة والصحيّة المكثّفة. أراني مشدوداً في لبنان بين مشهدين بل بين جيلين وزمنين ولنقل دمعتين: الأوّل مشهد حفيدي الفاروق يدسّ "الآي باد" الأسود باكراً بمحفظته الحمراء فوق ظهره نزولاً على قدميه الصغيرتين من الطابق الثاني عشر ملتحقاً برفاقه الصغار نحو يومهم المدرسي الأوّل والعودة إلى البيت فوق الدرج صعوداً. الثاني مشهد لبنان العظيم الأسود حيث لا كهرباء ولا محروقات وبذخ إلاّ في بيوت السياسيين وأصحاب الوكالات الحصرية والتجار بوجوههم السوداء الصفراء على أبواب النهايات، وتحت أرجل بقايا اللبنانيين المقيمين في الطوابير السوداء والفقر والقهر، ثروة نفطية وغازية هائلة لا يعرف أسرارها ومستقبلها إلاّ الشاطين وأعداء الداخل والخارج من حلفاء اسرائيل.

تجمع العتمة الشاملة هنا "الآي باد" وجدّه اللوح الأسود الحجري في وطن من كان اسمه لبنان بلد الإشعاع والنور لكنّهم رموه في العصر الحجري.

من رحم اللوح الأسود الحجري العتيق وروحه، ولد "الآي باد" المُضيء في عصر الفضاء الباهر رابطاً بين الأجيال وأطفال البشرية في المدارس الجامعات وال حياة مخزناً للأجوبة الجاهزة على أسئلة البشر إلاّ في لبنان. إنّه الأعجوبة التاسعة بكلّ اللغات لا داعي لترجمته والسؤآل عن مرادفه مجامع اللغة العربية المتقاعدة في عصر الكتابة الضوئيّة.

قد يشاطرني تذكّر هذا اللوح الحجري الأسود أصدقاء كثر. لقد اعتدت صغيراً أن أعلّق باللوح طبشورةً كنت أحرُص عليها وكأنّها أثمن من إسوارة ذهبية رقّت في زند أمّي بعدما براها الغسيل، وكنّا نراها رمز فقر تُضيء دروب مستقبل الأبناء وأحلامهم. كان واحدنا يدسّ اللوح في كيس من القماش الخام خاطته أمّه بالطبع. يعلّقه بعنقه ويعدو مسابقاً برد الصباح نحو مدرسةٍ مفترشاً الحصير للدراسة أو متقيّلاً سنديانةٍ هرمة باقية أو زواية جامع. كان هناك إطارٍ خشبي يحرس هذا اللوح الحجري المستطيل رفيق مساحة تعليم الصغار من جدول الضرب الى علوم الدين وما شاءت فضائل الفقر.

قد يسأل أحد: متى كانت الكتابة قبل اللوح الأسود؟

في مصر قبل 3000 سنة ق.م. ويُقال في سومر جنوبي العراق 3300 سنة ق.م.، وفي العصر الباليوليثي قبل 45 ألف سنة على شكل رسومٍ في الكهوف في فرنسا وإسبانيا وبعض مناطق جنوب شرق آسيا، وربّما قبل ذلك ب20000 سنة، كما تُظهرها رسمة إنسان النياندرتال في كهف إلكاستيللو في إسبانيا. ليس مهمّاً الجواب الثابت سوى القول أنّ الكتابة بمعناها المقصود ظهرت بيضاء فور اكتشاف الحجر الأسود وحكّه بالأظافر أوبالمسامير. يومها انبثق عصر الكتابة البيضاء على صفحة الحجر الأسود وصولاً إلى الآي باد هذا الحفيد الذكي للحجر الأسود بعد اقتران الأذن بالعين حيث وُلدت الشاشات.

نعم العين. تلك البويضة التي تفتح جفنيها وتحشر الدنيا فيها من دون أن تخدش رمشيها. يا لهذا الإقتران التكنولوجي الذي يولّد أجيالاً بلغت الذكاء الإصطناعي.

يقيم بين اللوحين، خلافاً للبنان، تاريخ من الثقافات اللامتناهية التربوية والثقافية والسياسية والإقتصادية والإعلامية وما شئت من كلماتٍ تنتهي بالياء والتاء المربوطة. إنّه تاريخ يذكّرنا بسلّم طموح أهل بابل في العراق بالصعود إلى السماء، وإليه ننتمي اليوم لنتخالط ونتعارف شعوباً وأجيالاً صامتة سعيدة من مختلف الأعمار والأجناس عبر لعبة أزرارٍ لا تحتاج الكثير من المعرفة بقدر ما تفترض القليل من الخبرة والمهارة والخفّة في تحريك الأصابع ولربّما السبابة بالنسبة للآباء والأجداد. كلّما ارتفعنا درجة ضمُرت الأشياء ورمتنا في عصر التغريدات التويترية التي تجتاح رؤوساء الدول والبشر ونشرات الأخبار فترسّخ كسلاً في الكتابة ويكسد الحبر وتبكي الأقلام المصفوفة أمامنا فوق الطاولات وقد براها الصدأ، وقد يسألك حفيدك يوماً ما هذا فتشرح له بأنّه كان يُسمّى القلم!.

تلهث وسائل الإعلام وبقايا الصحافة المكتوبة في العالم خلف عصر الفضاء والحذف والإختصار والتراند وانتشار الثقافات المحكومة بالصدفة والعشوائية والفوضى المنظّمة التي تفرضها الشاشات إذ إنقلبت العصور على قفاها، وغاب الزمن الذي قال فيه صحفي فرنسي بإعتزاز لرئيس تحرير الصحيفة :

ما هذا الحجم الضخم والرائع؟ تستلزم صحيفتنا خمسة كراسي لفلشها وقراءتها. عندما ظهرت الجريدة الرسمية في فرنسا مثلاً أثارت موجات من الإعجاب والسخرية والنقد، فعلّق إحدهم أن ثلاثة أعداد منها كافية لصناعة "بارافان" أي حاجز كامل بين غرفتين! بينما قال رسّام الكاريكاتور أنّه يتطلّع للوصول الى طباعة صحيفة بحجم الشانزيليزيه أو ساحة برج إيفل.

لماذا؟

لأنّ حجم الصحيفة كان يعكس في الأذهان مستوى عبقرية الأمة والصدر الرحب وطموحات الدولة وعظمتها. خرجت الصحافة بمعظمها من المكاتب الواسعة المتماهية بمساحات السلطات، وحُشر الكتّاب أمام ألواحٍ زجاجيّة وشاشات لا تنتهي. الوقت ضيّق لا يتّسع سوى لإنتاج برامج تتدفق بالمال:The time is money.

أين لبنان؟ في العصر الحجري الأسود أكتبه بالحبر الأسود الأسود.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com 

إقرا ايضا في هذا السياق: