رأي حرOpinions

الفكر الاستعماري وإسقاطاته/ بقلم: د. عمر أمين مصالحة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

الفكر الاستعماري وإسقاطاته/ بقلم: د. عمر أمين مصالحة

يعرف الاستعمار على أنه سيطرة الدولة القوية على الدول الضعيفة، من خلال بسط نفوذها واستغلال خيراتها الاقتصادية وثرواتها الطبيعية والاجتماعية والثقافية، وبالتالي، يرتكز الفكر الاستعماري على نهب معظم ثروات البلاد المحتلة، بما في ذلك تحطيم كرامة شعوبها، وتدمير إرثها الحضاري وتراثها الثقافي، وفرض ثقافة المستعمر على أنها الثقافة الحضارية الأمثل، وأن ثقافة المحتلُ قادرة على نقل البلاد المحتلةِ من حالة التخلف والجهل إلى مرحلة "التقدم الحضاري". يقوم الفكر الاستعماري، على إخضاع جماعة من الناس في دولة ما للسلطة المستعمرة بأساليب متعددة ومن أهمها: الطاعة والولاء الاعمى للمحتل مقابل حوافز مادية ومعيشية، وعندما يخرج المستعمر من هذه الدول، يبقى هؤلاء الناس في نظر شعوبهم متعاونين- متواطئين مع المحتل المستعمر، وأكبر دليل لهذا الامر، ما شهدناه على شاشات الاعلام لهروب آلاف الافغانيين مع الجيش الأمريكي عند انسحابهم من افغانستان. غالبا ما يرسل المستعمرين سكان من دولهم ليعيشوا في الدول المحتلة، فيستغل هؤلاء ثرواتها الطبيعية والاقتصادية، وفي حالات كثيرة كانت تفرض الدول المستعمرة على سكان الدول المحتلة لغاتها وثقافتها الاجنبية، فنجد اليوم الكثير من شعوب الدول التي كانت تحت السيطرة الأجنبية يتحدثون لغات المستعمر ويتصرفون حسب ثقافاتهم.

نشأة الاستعمار

بدأ الاستعمار الغربي للعالم مع بداية عصر النهضة في أوربا، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. من خلال السيطرة على دول العالم الثالث، وخاصة دول العالم الإسلامي، من خلال ما سمي الحملات الاستكشافية، ففي عام 1499م وصل فاسكو-دي-جاما إلى رأس الرجاء الصالح، ووصل البرتغاليون إلى الشواطئ الهندية وأخذوا يؤسسون مستعمراتهم على السواحل التي وصلوا إليها، وفي النصف الأول من القرن السادس عشر أحكم البرتغاليون سيطرتهم على شواطئ شرق أفريقيا وغربها، وشواطئ الخليج وبلاد فارس والهند. كما واسست بريطانيا عام 1600م، شركة سمّتها شركة الهند الشرقية البريطانية، وأقامت فرنسا عام 1664م شركة سميتها "الهند الشرقية الفرنسية"، ونشب صراع بين الدولتين الاستعماريتين فرنسا وبريطانيا، وانتهى بفوز بريطانيا العظمى عام 1775م، وخروج فرنسا من الهند والصين.

وتلتها الحملات الاستعمارية على العالم العربي، من خلال الحملة الفرنسية لنابليون بونابرت على مصر عام 1798م، التي حاول فيها السيطرة على بلاد الشام، ولكنه ما لبث أن عاد إلى فرنسا بعد أن قتل كثير من جنوده هناك عام 1801م. وتلاه إعلان الملك شارل العاشر عام 1827م عَزْم فرنسا على إنشاء مستعمرة لها في شمال أفريقيا، فتحركت الجيوش الفرنسية لاحتلال الجزائر واحتلوها عام 1857م، في السنة ذاتها أدخلت فرنسا تونس تحت الحماية الفرنسية بموجب ميثاق باردوو، وكان هذا العام نفسه الذي أنهت فيه بريطانيا وجود الإمارة الإسلامية المنغولية في الهند. وفي عام 1882 أُدخلت السنغال ومدغشقر تحت الحماية الفرنسية، وفي عام عام 1887م جرى مؤتمر برلين الذي قُسّمت فيه مواقع الانتداب الاستعماري على الوطن العربي، فاحتل الفرنسيون المغرب سنة 1912م، ثم سورية سنة 1920م. واحتل الإيطاليون الصومال وأريتريا عام 1887م، واحتلت إيطاليا الساحل الليبي عام 1914م، وأكملت الاحتلال عام 1914م. أُدخلت مصر تحت الحماية البريطانية عام 1882م، ثم جاء الانتداب البريطاني على العراق وعلى السودان عام 1919م، وتلاه الانتداب البريطاني على فلسطين والأردن عام 1920م بعد اتفاقية سان ريمو.

أمّا فيما يخص المشرق الإسلامي فقد احتل الروس الأرثوذوكس بلاد الأورال عام 1670م، وفي عام 1859م احتلت روسيا طشقند، ثم القوقاز عام 1864م، وفي عام 1882م احتلت بخارى، وما زالت سيطرة الروس مستمرة حتى اليوم على بعض هذه البلاد، بينما استقلت أخرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990م. بلغت الدولة العثمانية ذروة مجدها وقوتها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فامتدت أراضيها لتشمل أنحاء واسعة من قارات العالم القديم الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا، حيث خضعت لها آسيا الصغرى، وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي أفريقيا. وصل عدد الولايات العثمانية إلى 29 ولاية، بحيث أصبح بعضها يُشكل جزءًا فعليًّا من الدولة مع مرور الزمن، بينما حصل بعضها الآخر على نوع من الاستقلال الذاتي.

  المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com  

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
د. عمر أمين مصالحة