رأي حرOpinions

بين محمد الكرد وموسى عودة- راشد مريش
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

بين محمد الكرد وموسى عودة- راشد مريش

بين محمد الكرد وموسى عودة

بين طاقات شبابية لا تجد مكاناً وشيوخ السلطة الذين يحتكرونه

مقارنة بسيطة بين مقابلة الشاب المقدسي محمد الكرد ابن إحدى العائلات المهددة بالطرد في حي الشيخ جراح على قناة (سي إن إن) الأميركية، ومقابلة السفير الفلسطيني في إسبانيا موسى عودة على قناة (آر تي في إيه) الإسبانية، تعطي نموذجاً صارخاً لوجود شباب فلسطيني واعٍ ومثقف ذي طاقات متفجّرة وإمكانيات غير محدودة، لكنه محروم، منزوع الفرص، مقابل سلطة مهترئة متكلّسة، عفا عليها الزمن، يطوقها الغبار من كل جانب، قوامها الفساد والمحسوبيات والواسطات التي تحدد الوظائف والتعيينات حتى في أكثر المناصب أهمية وأعظم الأوقات حساسية.

بدقائق معدودة، بلغة انجليزية ممتازة، وبلسان طليق استطاع الناشط والكاتب البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً والذي لا يشغل أي منصب رسمي شرح ما يحدث في الحي المستهدف بالتفصيل والدفاع عن قضيته بأسلوب أثار إعجاب وفضول العالم بأسره في مقدمته أبناء شعبه، لدرجة أن المقابلة أعيد استخدامها ونشرها مئات المرات عبر مختلف وسائل الإعلام التقليدية منها والإلكترونية، وانهالت على الكرد رسائل الشكر والتقدير، بل وصل الأمر إلى المطالبة بتعيين الشاب سفيراً أو وزيراً للخارجية!

بعد عدة أيام شاءت الأقدار أن يطلّ السفير الفلسطيني في إسبانيا عبر القناة الإسبانية للحديث عن نفس الموضوع وعن الأحداث في غزة في إطلالة أقل ما يمكن وصفها بالفضيحة، ليس هناك داع أن تتقن الإسبانية كي تفهم ما جرى في المقابلة إذ تبين أن سعادة السفير لا يتقنها هو الآخر! عوضاً عن الاعتذار عن إجراء المقابلة أو طلب توفير ترجمة فورية خرج ابن الــ٧٥ عاماً متحدثاً بلغة بادياً عليها التلعثم في البداية قبل أن يطلب مساعدة مترجم كان يجلس إلى جانبه ظهر رأسه فجأة داخل الإطار ليتطور الموضوع إلى أن يجري المترجم المقابلة بدلاً من السفير الذي بدا عليه الضياع وعدم فهم ما يجري حوله! الضربة القاضية للدبلوماسية الفلسطينية في هذه الجولة من صراعها - إذا كان هناك من جهتها صراع أصلاً - مع الدبلوماسية الإسرائيلية تمثلت في تحول القناة بعد ذلك إلى استضافة ليور حيات، متحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، كما هو متوقع منه خرج حيات مستعداً شكلاً ومضموناً، متحدثاً بثقة ولغة إسبانية سلسلة ومن خلفه وضُع العلم الإسرائيلي على عكس السفير الفلسطيني الذي لم يظهر معه العلم الفلسطيني. كغيرها من الحوادث المحرجة للسلطة الفلسطينية لا يكلف أي مسؤول فلسطيني نفسه للشرح ومحاولة تبرير ما جرى أو لملمته…موتوا بغيظكم أيها الشعب!

صحيح أنه لا يوجد عرف ملزم بإتقان السفير لغة الدولة المضيفة لكن جرت العادة أن يُعيَّن سفير يفهم لغة وثقافة الدولة المضيفة لكي يعرف محاورة ومخاطبة أبنائها ويؤثر عليهم بشكل مباشر وأفضل. احتراماً لسنه المتقدمة وماضيه كان الأجدر بسعادة السفير أن يتنحى جانباً مختتماً مسيرة ٣٥ سنة كسفير، ١٧ سنة الأخيرة منها سفيراً لإسبانباً! مفسحاً المجال لضخ دماء جديدة في الجهاز الدبلوماسي الفلسطيني والأمر ينسحب على باقي السفراء والوزراء بما في ذلك وزير الخارجية د. رياض المالكي الذي يحتكر منصبه منذ ١٢ سنة! يصعب جداً تصديق أنه لا يوجد الآن ألف محمد كرد آخر، ألف شابة وشابة موهوبين ومثقفين ومتمرسين لعدة لغات، محبين لوطنهم ومعبئين سياسياً وجاهزين لإشغال أعلى المناصب الرسمية اليوم قبل الغد، إلا أنهم لا يجدوا أمامهم سوى أبواب موصدة أقفالها مصنوعة من الواسطات والولاءات العائلية والشخصية والسياسية الضيقة، تعمل على حماية أصنام مسنّة وضعيفة تحتاج لاستبدال فوري بقوى سياسية شابة يافعة وقوية بإمكانها نفخ روح جديدة في القضية الفلسطينية التي فرغتها ”قيادتها“ الحالية من أي أهمية ومعنى

كلمات دلالية