منبر العربHyde Park

شاعرة وكاتبة| قصة: ناجي ظاهر
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

شاعرة وكاتبة| قصة: ناجي ظاهر

منذ بداياتها الاولى ايقنت رباب ابو الرب، انها لا يمكن ان تحقّق احلامها في البروز والظهور ورؤية وجه ربها، الا اذا ثارت وتمرّدت واخذت امر قيادها الى يدها، لذا ما ان بلغت سن الرشد حق وافقت على اول متقدم لها، غير عابئة بشخصه ومعّتمدة على منطق بسيط جدا، خارج بيتنا المحافظ افضل، من داخله، وعندما حذّرها والدها ابو الرب، مما قد تجرّه عليها موافقتها السريعة من مصاعب ومشاق.. ارسلت اليه نظرة مصمّمة لا تخلو من استخفاف وطموح، فاتحة فمها على افاق المستقبل السعيد والاحلام الوردية.

بسرعة انتقلت رباب للعيش مع زوجها الجديد، في حي الكرار القائم في مدينة رام الله، وفوجئت ان زوجها رجل متحرر يفعل ما يقتنع به ويحلو له غير عابئ بما قد يقوله عنه الناس ويرددونه من كلام. هكذا وجدت نفسها تعيش الليالي النقيضة لتلك التي عاشتها حتى الثامنة عشرة في بيت والدها القادر المحتكم، وبين اخوانها السبعة الجنود المسلحين، اندمجت رباب بسرعة البرق في حياتها الجديدة، وكان ان عرّفها زوجُها على صديق له، مقدما اياه على انه من منطقة الجليل في الاراضي المحتلة عام 48، بعدها عرفت انه من مدينة عرّابة البطوف، لتلتقي عيناها اول مرة بفتى احلامها، الذي رسمته وتخيلته، فما كان منها الا ان افتعلت حركة ذكية طالما دربت نفسها وعودتها عليها، لتجلس اليه على انفراد، وما ان جلس الاثنان احدهما قبالة الآخر، حتى خاطبت عيناها في لغة الهوى عينيه. بعدها اطلعته على احلامها في ان تكون صاحبة اثر يبقى، فدق على صدره قائلا لها انك وصلت الى العنوان الصحيح، واتفق معها على ان يُعرّفها على صديق له يعمل في مجال تصميم الازياء، وقد نفذ ما وعدها به، فدخلت الى المجال، ما وطد العلاقة بينهما، وادخلها معه ولصقه في منطقة اعمق من سابقتها، الامر الذي لفت زوجها فخيّرها بينه وبين ذاك العرّابي، فاختارت الثاني لتنتقل معه للإقامة في بلدة مجاورة. فعلت رباب هذا كله رغما عن اهلها، وغير حاسبة لأي منهم، لا لقدرة والدها ولا لبنادق اخوتها السبعة، اي حساب، الامر الذي ادى الى قطع العلاقة بالماضي البليد والجري وراء المستقبل السعيد.

بعد فترة قصيرة.. اكتشفت رباب انها اخطأت الاختيار، بجريها وراء زوجها الجديد، العرابي، وشجعها على اكتشاف خطئها هذا، لقاؤها الجدّي بمُصمم الازياء اياه، وتشجيعه لها، عبر تغنيه بمفاتنها.. على انه بإمكانها ان تضاهي بجسدها الريان كل عارضات الازياء في العالم- شرقا وغربا، والحقيقة ان رباب كانت ذات حضور قوي، عينان ناعستان، وجه مستدير وشعر مفروق من منتصف الراس، اضافة الى قدّ اقل ما يمكن وصفه به انه مياس.. يميل كلما مال الهوى.

بدون تطويل، لا مكان له في قصة مركّزة، عمل مصمّم الازياء لرباب من البحر مقاثي، واكد لها انها وصلت هذه المرة حقيقة الى العنوان المنشود الصحيح، لتضع قدمها المباركة على اولى درجات سلم المجد الشامخ الشاهق، وجاءت النتيجة المحتمة.. انتقلت رباب للعيش مع مصممها ذاك، ونفذ هذا بالفعل ما وعدها به، فظهرت في عرض ازياء صغير ومحدود، الامر الذي مكن رباب من اكتشاف انه اسوأ من سابقيه، وانه عليها ان تحك جلدها بظفرها.. وليس باي ظفر آخر.

استأجرت رباب شقة عبارة عن غرفة صغيرة ومستتبعاتها الحياتية الضرورية، وشرعت في العمل لتعيل نفسها بنفسها، وكثيرًا ما كانت رباب تستعرض شريط حياتها الماضية، فتشعر انها يمكن ان تثبت لنفسها اولا ولأهلها ثانيا وللمجتمع ثالثا، انها ليست رخيصة كما قد يخيل لهم، وعندما قالت لنفسها " الضربة اللي بتقتلكاش بتقويك"، انتشرت على وجهها ابتسامة عريضة كأنما هي نقول.. ان المستقبل ما زال امامي ولما يضحي ورائي بعد.

عملت رباب في البداية في كل عمل تيسر لها، وكان ان تعلمت مهنة الشيف/ الطباخ فأتقنتها، وابدعت فيها، الامر الذي جعل الاموال تتدفق بين يديها مثل الرُز، وشرعت في تحسين اوضاعها، شاعرة بنعمة الاستقرار، ونقمة الانتظار.. في الآن ذاته، ولم يطل انتظارها طويلا فقد ارسل اليها الله صديقة فيسبوكية، قامت بتعريفها على مجموعتها الخاصة، وهو ما ادى الى ملء اوقات فراغها من ناحية، وجدّد املها في الظهور والبروز.. كما نازعتها نفسها منذ كانت طفلة في بيت والدها ابو الرب. هكذا شرعت رباب بمرافقة تلك المجموعة، فراحت تحضر حفلاتها بما فيها من الافراح والليالي الملاح، من اعياد ميلاد واعراس، بل وندوات شعرية وادبية، وكان ان ظهرت خلال احتفالات مجموعتها تلك كرقاصة ذات مقدرة مميزة، وطالما تذكرت تلك المبارزات الرقصية التي خاضتها في هذا الاحتفال او ذاك، لتسجل انتصارا تلو الانتصار على من تجرأت على منافستها.. وعلى غيرها ايضا. اما في الندوات الشعرية والادبية فقد كانت تجلس ساكتة صامتة، شاعرة انها لا تصلح الا للاستماع، وقد بقي وضعها هذا على ما هو عليه، الى ان اكتشفت صندوقها الاسود الضائع بعد السقوط المريع لطائرة حياتها، كان ذلك لحظة جلس الى جانبها شخص مربوع القامة حاد النظرات، عرفت فيه احد شعراء المجموعة.. جرى بين الاثنين حديث، تمّ خلاله الاتفاق على ان يتبناها، وان يرشدها الى كيفية كتابة الشعر، وعندما قالت له انها لا تعرف شيئا يذكر عن الشعر، دق على صدره وقال لها.. محسوبك يعرف.. لا تقلقي..

خلال هذا اللقاء وبعده، استفاق حلم رباب ابو الرب القديم من هجعته، وتصوّرت ذات ليلة اخوتها السبعة وقد امتشقوا بنادقهم وصوبوها نحو صدرها، فما كان منها الا ان تناولت ديوان شعرها الاول من صدرها، وقدمته لهم اثباتا دامغا على براءتها وطموحها المُشرّف، عندها رأت اخوتها يتراجعون رادين بنادقهم الى الخلف وواضعينها على اكتافهم.. عائدين من حيث اتوا.. افاقت رباب من تصورها هذا.. لتعيش فيه.. فاتصلت بصديقها الجديد وذكرته بوعده لها ان يعلّمها كتابة الشعر، فما كان من هذا الا ان طار اليها ليحط بعد لحظات على حافة نافذة غرفتها الصغيرة تلك، ولم تنته تلك الليلة، الا بعد ان وضعت رباب قدمها الاولى على اول درجات سلم الشعر السامق العالي. بعدها قامت، بتشجيع من شاعرها، بنشر قصيدتها الاولى، ولم ينس الشاعر الهُمام تشجيعها على نشر صورتها الى جانب قصيدتها هذه ففعلت، لتأتي النتيجة الفورية المبهرة: انهالت عليها التعليقات من كل قمر ونجم.. ونصّبها قراؤها اميرة في مملكتهم الشعرية.

ابتسمت رباب وهي تطالع تعليقات المعجبين وبعدهم المعجبات، فاقتربت اكثر من صديقها الشاعر، ملحّة عليه في وضع المزيد من الكتابات الشعرية الخاصة بها، فاستجاب لها، فكتبت قصيدتها الثانية.. فالثالثة، وهنا شعرت انها باتت.. بين لحظة واختها.. شاعرة مشهورة ولها معجبوها المنتشرون في جميع انحاء البلاد، وقد شجّعها نجاحُها هذا على ان تتقرب اكثر من شاعرها، فما كان من هذا الا ان انتقل للإقامة معها في شقتها الصغيرة، على اعتبار ان عش العصفورة يتسع لشاعرين، وقد ترافق مع انتقال شاعِرها للعيش معها في عش العصفورة، في تكثيفها كتابتها الشعرية، وما ان انتهى شهرٌ قمريٌّ على كتابتها الشعر، حتى اكتمل العدد وبات لديها ثلاثون قصيدة. عندها صعد شاعرُها درجة حرارتها فاقترح عليها ان يتوجّها الى مطبعة معروفة ومشهود لها في مجال طباعة الكتب خاصة. بعد ايام صدرت المجموعة الشعرية الاولى للشاعرة رباب بنت ابو الرب...

بعدما حرصت رباب على تكثيف نشرها ما تكتبه من اشعار في صفحات الفيسبوك.. بمساعدة شاعرها ذاك، وتوصيله الى اهلها بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة ايضا، ضربت ضربتها الجدّية الاولى، فأرسلت الى اهلها.. بطريقة ابداعية مبتكرة.. ديوانها الشعري الاول، لتتلقى بعد ايام قليلة، رسالة من والدها واخوتها السبعة.. يخبرونها فيها انه بإمكانها زيارتهم مؤكدين لها انها رفعت راسهم في البلد. ما ان تلقت رباب هذه الرسالة حتى ضمّت شاعرها الى صدرها.. وكأنما هي تضم المجد.

 موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان alarab@alarab.com    

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
ناجي ظاهر قصة