رأي حرOpinions

مجنون نجاة (3/2)| بقلم: سيمون عيلوطي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

مجنون نجاة (3/2)- حول حكاية قصيدة "لا تكذبي" للشَّاعر كامل الشّناوي|بقلم: سيمون عيلوطي


أثارت القصَّة الواقعيَّة لقصيدة كامل الشَّناوي "لا تكذبي"، ألحان محمد عبد الوهاب، غناء نجاة الصغيرة زوبعة عاتية، كلَّما هدأت شدَّتها، عادت تتفاعل على الساحة الفنيَّة المصريَّة والعربيَّة من جديد، وذلك لهيام الشَّاعر صاحب القصيدة بنجاة الصغيرة، وعشقه لها إلى الحدّ الذي يذكِّرنا بعشق قيس ابن الملوح لليلى العامريَّة. سأسمح لنفسي منذ هذه للحظة أن أطلق على شاعرنا "الشِّناوي" لقب (مجنون نجاة)، فإذا كان ابن الملوح قد ذهب لبيت حبيبته يطلب نارًا، فأشعل النار من حوله وحولها، وإذا كان الملوح أيضًا نتيجة لرفض أهلها تزويجها به، قد جُنَّ جنونه، فهام على وجهه في الصَّحراء ينشد الأشعار، ويتغنَّى بحبِّه العذريِّ لليلى. فإنَّ كامل الشِّناوي كان يترك عمله في الجريدة، ويجلس في سيارته ساعات طويلة أمام العمارة التي تسكن فيها حبيبته نجاة، في ضاحيةالزَّمالك بالقاهرة، ينتظر خروجها ليراها، ثمَّ يتعقَّبها، دون أن يشعرها أنَّه يراقبها. إلى أن رآها ذات يوم في ال سيارة مع الأديب يوسف السِّباعي، فجنَّ جنونه، وما كان منه سوى أن يذهب إلى بيت صديقه، الصحفيّ المعروف مصطفى أمين الذي كان يزوره في تلك الأثناء المطرب عبد الحليم حافظ، والمُلحِّن محمَّد الموجي، غير أن الشَّناوي لم يجلس معهم، بل اتخذ لنفسه ركنًا منفردًا في البيت، وفي غضون أقل ساعة خرج ليقرأ عليهم قصيدة "لا تكذبي" التي كتبها للتوّ، معبِّرًا فيها عن إحساسه بلوعة العاشق المصدوم من حبيبته التي غدرت به، وخانته.

ثمَّ أخذ الشّناوي يجهش بالبكاء كالأطفال. استغرب الحاضرون كيف لهذا الرَّجل المهيب، الشَّاعر الكبير، والصَّحفيّ اللامع الذي رئس تحرير كبريات الصُّحف المصريَّة، "الجمهوريَّة"، و "الأخبار" أن يفقد التَّحكّم بعواطفه ويبكي مثل هذا البكاء المرير، وكأنَّ القصيدة التي بثَّ فيها ما يعتمل في قلبه من ألم وحسرة، لم تكفِ "ليفش خُلقه" ويهدئ من غضبه جرَّاء استهتار حبيبته بحبّه لها. وبعد أن هدأ الشَّاعر قليلًا، عرض عليه عبد الحليم أن يغني القصيدة بعد أن يلحنها عبد الوهَّاب. الشّناوي سمح له بغنائها، وطلب منه جهاز التَّلفون. ظنَّ حليم أنَّه يريد أن يكلّم عبد الوهَّاب لكي يلحِّن القصيدة، لكنَّه تفاجئ عندما هاتف نجاة الصَّغيرة وأسمعها القصيدة. نظر حليم ومن كان بصحبته في البيت باندهاش شديد، وتساءلوا: ماذا عساها أن تجيبه بعد أن قال لها بالقصيدة إنَّه شاهدها مع رجل بأوضاع إباحيّة؟، (إني رأيتكما ... إني سمعتكما/ عيناكِ في عينيهِ/ في شفتيهِ/ في كفَّيهِ/ في قدميهْ/ ويداكِ ضارعتانِ ترتعشانِ من لهفٍ عليهِ!!/ تتحدَّيانِ الشَّوق بالقبلاتِ/ تلذعني بسوطٍ من لهيبِ!!/ بالهمسِ، بالآهاتِ/ بالنظراتِ، باللفتاتِ/ بالصَّمتِ الرَّهيبِ!!). المفاجأة كانت عندما قالت له نجاة بمنتهى العذوبة والرّقة: "أيوه كامل بيك، القصيدة حلوة أوي...أنا حغنّيها، وحيلحَّنها عبد الوهَّاب".
وهكذا، فقد قُدّمت ال أغنية بثلاثة أصوات: عبد الحليم، ونجاة، وعبد الوهَّاب.
بدا من مخاطبتها الرسميَّة له "كامل بيك" أن هذا الحب لم يكن إلا من طرف واحد، وهو: الشَّاعر نفسه، أمَّا هي فلم تكن تبادله حبًا بحب رغم ملاطفتها له، إذ كيف يمكن، كما تساءل بعض المقرَّبين منهما، أن يكون حال هذا الحب بين رجل يكبرها بثلاثين سنه، يزن أكثر من مئة وعشرين كيلو، وبين مطربة في العشرين من عمرها، عذبة كالنَّدى، رقيقة كنسمة الصَّباح، غِرّيدة كعصفورة الجنَّة؟!.
من جانبه: فإنَّ الشَّاعر كامل الشّناوي اعترف هو نفسه بأن حبّه لنجاة كان من طرف واحد، لا يعدو عن كونه حبًا أفلاطونيًا، لكنه أرَّقه كثيرًا، لأنَّه كان صادقًا. وإذا عدنا إلى قصيدة "لا تكذبي"، وبالتَّحديد إلى المقطع الذي يقول فيه:
(كوني كما تبغينَ
لكن لن تكوني!!
فأنا صنعتكِ من هوايا
ومن جنوني...!
ولقد برئتُ من الهوى
ومن الجنونِ...!!)
نجد في هذا المقطع أنَّ الشَّاعر هو من صنع حبيبته على هواه، مما يدلُّ على أنَّ هذا الحب الجامح كان من طرف صانعه الشَّاعر وحده، أو من طرف واحد، وبالتَّالي: فإنَّ هذا الحب لا يُلزم الحبيبة نجاة بأيِّ نوع من الالتزام العاطفيّ، أو الأخلاقيّ، كما لا مكان للخيانة في هذا السِّياق مطلقًا، ما دام الحب المتبادل لم يقع بينهما أصلًا.
ما تقدَّم يقودنا إلى طرح السُّؤال التَّالي: من هو غريم كامل الشِّناوي الحقيقيّ؟ الشَّائعات تدور حول يوسف ادريس، ويوسف السِّباعي، وحول نزار قبَّاني وشقيقه صباح قبَّاني مدير الإذاعة السوريَّة آنذاك، والذي كان يتمتَّع بنفس ما لدى شقيقة نزار من حضور ووسامة. وهناك من يقول: إنَّ بطل هذه القصيدة الحقيقيّ هو المخرج السينمائي عزّ الدِّين ذوالفقار، مخرج فيلم "الشُّموع السَّوداء"، بطولة نجاة التي غنَّت فيه أيضًا أغنية "لا تكذبي".
أمَّا عن يوسف إدريس، فقد كتبت الصَّحافيَّة، إيناس كمال يوم الثلاثاء، 01 أغسطس، 2017، تقريرًا بعنوان: "في ذكرى وفاته: تعرف على كواليس علاقة يوسف إدريس بنجاة"، جاء فيه:
"في ذكرى وفاة الكاتب يوسف إدريس في 1 أغسطس من عام 1991، نكشف كواليس وتفاصيل العلاقة التي قيل إنها ربطته بالفنانة نجاة الصغيرة، ففي شتاء أحد الأيام لمح الشِّناوي نجاة الصَّغيرة تستقل السيَّارة على كورنيش النِّيل بجوار إدريس الذي نفت علاقتها به عدَّة مرَّات وهو ما أشعل نار الغيرة داخل قلبه الكبير، فكتب قصيدة "لا تكذبي" وألقاها على مسامعها وسط دموعه ونحيبه، فأعجبت بالقصيدة وقرَّرت غنائها".
سُئل يوسف إدريس ذات مرة عن حقيقة علاقته بنجاة فما كان منه إلا أن ضحك ضحكة عالية ثم صمت ولم يعلق بعدها ولم يرد على السؤال.
(ربما قصيدة "حبيبها لست وحدك حبيبها" التي يغنِّها العندليب، ومن تلحين الموجي، ولدت من هذا المناخ الذي عاشه الشناوي بكل جوارحه)

(الرواية الثانية: أنقلها عن التَّحقيق الصحفيّ الذي أجراه الكاتب كرم ناشور، ونشره في "الحوار المتمدِّن"العدد:6507 -7-3-2020، وقد اعتمد في تقريره على مقال للصحافيّ رمزي صوفيا، نشره في صحيفة (الاسبوع الصحفيّ) المغربيَّة العدد الصادر بتاريخ 23 آذار 2015 نقلًا عن الملِّحن محمَّد الموجي الذي قال:
(كان الشِّناوي يقلقنا من فرط ولعه بنجاة الصَّغيرة ونحن نرى أنَّه كان يرى كل حياته بعيون حبّه لها وكنت مع مصطفى أمين نقول له باستمرار: احترس فأنت تعيش في عالم بعيد عن الواقع، وسوف تصطدم بالواقع وتكون صدمتك قويَّة جدًا، وفعلًا جاء اليوم الموعود عندما كان الشِّناوي يقود سيَّارته في طريق الهرم الخالي وهو يفكِّر بنجاة كعادته فلمح سيَّارة الكاتب الكبير يوسف السِّباعي! تسير ببطء وعندما اقتربت سياَّرته من سيَّارة السِّباعي، لاحظ أنَّ فتاة كانت بجانب السِّباعي وهي مستلقية برأسها على كتفه ، وفجأة توقَّفت السيَّارة وتابع الشِّناوي كيف بدأ السِّباعي يلتهم شفتي نجاة وهي ذائبة بين احضانه ولا ترى من هذا العالم غير عينيه الزرقاوين الشَّرستين، وعندما عاد الشِّناوي منهارًا الى بيت مصطفى أمين في الزَّمالك كنت جالسًا عنده ألحِّن قطعة جديدة وكان وجه الشَّناوي مصفرًا كانَّه سيموت بعد لحظات، فقلنا له اجلس واحكي لنا ما حدث فقال : لقد رأيتهما معًا، لقد كانا غارقين في القبلات التي جرحت قلبي وحطَّمت كل حياتي، فصمتنا أنا ومصطفى أمين وتركناه ليفرغ ما كان يروج في نفسه حتى يرتاح ثم فجأة أمسك بالقلم والورقة من مكتب أمين وبدأ يكتب ونحن صامتان ونتابع فكان ميلاد القصيدة العظيمة (لا تكذبي) وعند الانتهاء من كتابته أمسك بالهاتف واتَّصل بالمطربة نجاة الصَّغيرة ... الخ . وبمجرد الانتهاء من المكالمة وقع أرضًا وكان نبضه عاليًا ووجهه شاحبًا فأخذناه أنا ومصطفى أمين إلى أقرب مستشفى.)
وللتَّأكيد على ذلك يستشهد رمزي طوبيا بالموسيقار محمَّد عبد الوهَّاب لأثبات تلك الرِّواية حيث يقول: (وأذكر اني كنت ذات يوم مع صديقي سليم أبو الخير في بيت صديقنا الموسيقار محمد عبد الوهَّاب، فسألته ما حقيقة قصَّة أغنية "لا تكذبي" التي كتب كلماتها كامل الشِّناوي ولحَّنتها أنت وغنَّتها نجاة الصَّغيرة/ فقال: أنت تعرفني يا رمزي، أنا لا أحب الكذب والافتراء على الناس، وحقيقة هذه الأغنية أنها قصَّة واقعيَّة عاشها الصَّديق كامل الشِّناوي وقد كتبها بعد اكتشافه لعلاقة حب ملتهبة بين نجاة الصَّغيرة والكاتب الكبير يوسف السِّباعي! وقد كتبها وهو يذرف الدموع أمام أصدقائه الذين كانوا يتابعون حكايته مع نجاة الصَّغيرة)
الرواية الثالثة: يرويها الصَّحافي محمَّد الماطري في صحيفة الشُّروق يوم 12ـ 9ـ 2019نقلًا عن الصَّحافي المصري (احمد عثمان) حيث يقول:
(ربطتني علاقة وثيقة بالأستاذ كامل الشناوي، ولا أبالغ عندما أقول إنه تبناني وأصبحت ابنه، الذي لم ينجبه، وكنت محروما من مشاعر الأبوة، بعد أن رحل والدي وأنا في سن مبكرة، فكان كامل بيه يصحبني معه في كل مكان وكنت سعيدًا بصحبته، كنت أعرف بحكم قربي منه أنه يحب نجاة، وعشت معه موقفًا لا أنساه، فقد اتَّصلت به مرَّة ونحن في سهرتنا اليوميَّة في الهيلتون، وبعد المكالمة استأذن في الانصراف وأخذني معه وعرفت أن نجاة كلمته وأخبرته أن ابنها وليد مريض ويحتاج إلى دواء معيَّن بسرعة ولم تجد صيدليَّة في هذا الوقت المتأخِّر، فطلبت منه أن يحضر لها الدَّواء، وأخذنا تاكسي وظللنا نبحث عنه في الصّيدليَّات المفتوحة حتى وجدناه، وأمام بيت نجاة طلب منِّي أن أنتظره في التاكسي وصعد بنفسه ليوصل الدَّواء، وكنت أعرف أنها حبَّه الأفلاطوني، كانت هي ملهمته ولم تتعد العلاقة أكثر من ذلك! وعرفت منه فيما بعد تفاصيل تلك الصَّدمة، التي جعلته يكتب «لا تكذبي»، فقد كان ضيفًا دائمًا على نجاة ويزورها كثيرًا، وكانت خادمتها تعرفه جيدًا ففتحت له وسمحت له بالدُّخول، عندما صعد إليها فجأة دون موعد سابق، وجدها في مشهد عاطفي مع المخرج عز الدين ذوالفقَّار!، وكان جارها ويسكن معها في نفس العمارة.
كان عز مشهورًا بأنه يعيش قصَّة حب مع كل بطلة، لا يستطيع أن يبدأ فيلمه إلا إذا غرق في حبِّها، وعز لم يكن يحب النَّجمة بل الشخصيَّة التي تجسِّدها، وعاش عز مع نجاة نفس الحالة في «الشُّموع السَّوداء»، فكان يتردَّد عليها كثيرًا ويعيش معها كل مشهد كأنَّه بطل الفيلم، وفى واحد من تلك المشاهد دخل كامل الشِّناوي إلى الكادر فجأة فرأى ما ظنَّه مشهدًا غراميًا ساخنًا، فكتب بدموعه «لا تكذبي».
ويضيف أحمد عثمان: تم تسجيل الأغنية في استوديو مصر واستمر التسجيل عشر ساعات متواصلة تحت قيادة المخرج الذي أصدر أوامره بعدم دخول أي شخص إلى الاستوديو وتم إعادة تسجيلها 28 مرة بسبب دقة ووسوسة الموسيقار محمد عبد الوهاب!)
يتبع..

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com   

إقرا ايضا في هذا السياق: