رأي حرOpinions

بليغ النغم 11| سيمون عيلوطي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

الحلقة الحادية عشرة من بليغ النغم| بقلم: سيمون عيلوطي

الحلقة الحادية عشرة من بليغ النغم: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي  الفنيَّة والانسانيَّة (11)


مكالمة مجهولة

بحسب نفس المصدر المذكور في الحلقة السَّابقة (10): "وسط كل هذا النَّجاح والصُّخب تصل لآمال مكالمة مجهولة يقول صاحبها: أتريدين معرفة أين بليغ الآن؟ قالت طبعًا، وهمس صاحب الصوت المجهول: إنَّه يقضي وقتًا ممتعًا، فعلَّقت ببرود: هذا شيء يسعدني!، ضحك المتحدِّث ضحكة صفراء خبيثة وقال: لا أظنّك ستكونين سعيدة لو أنك توجَّهتِ إلى شارع عدلي رقم كذا..."
"أملى المتحدِّث المجهول رقمين، رقم العمارة، ورقم الشَّقة، في لحظات كثيرة تفقد المرأة صفاء الرُّؤية، ويتحوَّل كل ما حولها إلى ضباب، ومن بين هذه اللحظات بالطَّبع تلك التي تكتشف فيها أن زوجها ليس لها وحدها، وأحسَّت كأنَّ بركانًا اشتعل في داخلها فجأة، ونزلت إلى الكراج بسرعة وأدارت محرِّك السيَّارة على عجل، ثم اندفعت إلى العنوان المحدَّد وأمام العمارة توقَّفت واكتشفت وهي تغادر السيَّارة أنها حافية القدمين، وصعدت درجات السُّلم بسرعة، لم تنتظر وصول المصعد، ودقَّت الباب بعصبيَّة وجنون، وفتحوا لها الباب بعد لحظات بدت لها دهرًا، ووجدت أمامها مشهدًا لم تنسه أبدًا، كان بليغ يجلس مع شاعر غنائي معروف، بين فتاتين جميلتين، وأمامهم كانت مائدة عامرة ووسطها زجاجتي خمر".
غيبوبة طويلة
"لم تقل شيئًاّ!، فالكلمات عصت لسانها وشفتيها، ولم يتكلَّم أي من الحاضرين، وكان الموقف أشبه ب مشاهدة التَّأزُّم في أفلام السِّينما، قاتم، بارد، صامت، وحين عادت إلى منزلها وهي لم تدرِ أبدًا كيف فعلت ذلك، كانت الحمى قد شَبَّت في جسدها، وحين أفاقت من غيبوبة طويلة وجدت شقيقتها حول سريرها، وقالت لها أختها "صافي" إن بليغ لم يجئ ولم يتَّصل، وفتحت آمال جفونًا أثقلتها الحمى وأذبلتها الأحزان، وقالت: أنا اتَّخذت قرارًا، وسألتها شقيقتها الصُّغرى هدى: خير يا أبله، وأضافت المريضة الشَّاحبة اللون: مفيش غير الطَّلاق".
"تمَّ الطَّلاق، وسافرت المطلَّقة الحزينة إلى لندن لعلَّها تذيب أحزانها في ضباب العاصمة الإنجليزيَّة، أما بليغ، فقد فطر مأساته، عصر كل عذاباته في أغنية جديدة للسِّت أم كلثوم، بعنوان: "أنا وانت ظلمنا الحب بأدينا".

هذه الأغنية "أنا وانت ظلمنا الحب بأدينا"، تحكي قصَّة الطَّلاق الذي وقع بين آمال وبليغ، وهي أصدق رد على التَّسليم بأنَّ سبب الطَّلاق هو: خيانة بليغ لزوجته آمال، حيث أنَّ الخيانة كما وردت حكايتها آنفًا، اعتمدت على مفهوم اجتماعي خاطئ، تسبب في كثير من الحالات بالطَّلاق، وبتدمير العلاقات المجتمعيَّة بين الأصدقاء، وهو قائم على مفهوم أنَّ وراء كل باب مغلق عمليَّة جنسيَّة، أضف إلى ذلك الحالة الهستيريَّة التي سيطرت على الزَّوجة وهي تتجه نحو العنوان الذي أملاه عليها الواشي، صاحب الصوت المجهول، حتى أنَّها لم تنتبه إلى أنها كانت حافية القدين إلَّا عندما نزلت من السيَّارة. كل ذلك قادها إلى الاعتقاد أنَّ زوجها يخونها مع امرأة أخرى، مع أنَّ الوقائع السَّالف ذكرها بهذا الشَّأن، لم تثبت بالشَّكل القاطع أنَّ هناك ثمَّة خيانة ارتكبها الزَّوج، بليغ بحقة الزوجة، آمال، بدليل أنهم فتحوا لها الباب بعد أن قرعته بلحظات، فلو كانوا في وضع مُخِلٍّ بالآداب، لاستغرق فتح الباب إلى وقت أطول. ثمَّ أنَّ المشهد الذي لم تنسه، كما جاء، لا يتعدَّى أكثر من جلوس بليغ مع شاعر وفتاتين حول مائدة عليها ما لذَّ وطاب من المآكل والمشارب، وهذا أمر طبيعي جدًا بالنسبة لأناس حضاريين ومنفتحين في علاقاتهم الاجتماعية والإنسانيَّة، ولكن من المؤكد أن هناك من كان يلعب في عقل آمال ويحرِّضها بهدف تعكير صوف بليغ وتدمير حياته، وأنَّ ما بدر عنها من ردِّ فعل على النَّحو الذي رأيناه، ووصل حد الطَّلاق، لا ينسجم بأي حال مع نفسيَّة امرأة مثقَّفة، ومتحررة مثل آمال، تسافر وحدها لتقيم سنوات في لندن وفي بيروت بحريَّة مطلقة. وهي لو تريَّثت قليلًا، وفكَّرت مليًا، لما تسرَّعت بطلب الطَّلاق، الذي ندمت عليه في آخر أيَّامها كما سنرى لاحقًا.
كل ذنب بليغ في هذه المشكلة يتلخَّص بأنَّه لم يتِّصل بها، ولم يسأل عنها، لا لسبب ما، إنَّما بسبب الفوضى التي سببت له الكثير من الإحراج.
عَوْدٌ على بَدْء:
يقول السَّموحي في نفس المصدر السَّابق: "بعد سنوات ما بين لندن وبيروت ومصر، رجعت آمال إلى مصر بشكل نهائي وفي طريق العودة عرَّجت على بيروت وفوجِئت بعبد الحليم حافظ يتَّصل بها في الفندق الذي تنزل فيه، ويدعوها لقضاء سهرة في بيت أسرة صديقة بالأشرفيَّة ليسمع الجميع أغنية أم كلثوم الجديدة "فات الميعاد"، (تلحين بليغ حمدي)، ليلتها استمعت آمال إلى مرثيَّة حبّها، أحسَّت بكل حرف فيها وقد تحوَّل إلى إبرة مسنونة تنغرس في جسدها المضنى، وحين وصلت أم كلثوم إلى المقطع الذي يقول:
(إن كان على الحب القديم
وإن كان على الجرح الأليم
ستاير النسيان
نزلت بقالها زمان
وإن كان على الحب القديم وقساه
أنا نسيته أنا
يا ريت كمان تنساه
تعتب عليا ليه؟
أنا بإيديا إيه؟
فات الميعاد
وبقينا بعاد
والنار بقت دخان ورماد)

 "لم تستطع آمال أن تقاوم المزيد من وخز الذكريات ونهضت بهدوء واستأذنت الجميع وغادرت المكان وحيدة إلا من دموعها التي حجبت عن العينين الخضراوين رؤى الوجود كله."
انتصار الحب
"عادت آمال إلى القاهرة، وعلم بليغ بعودتها فاتَّصل بها وقال لها: يا حياتي أنا ما زلت أحبّك، الطَّلاق انفصال جسدين، وليس قلبين، وفي يوم ثاني يقول لها: كيف تتَّهميني بحب غيرك، وقد أعطيتك حب أمس واليوم والعمر كلُّه".
"وكانت مقاومتها تنصهر مع الكلمات: تمامًا كما تنصهر برادة الرَّصاص في الفرن الحامي، وفي هذه الفترة تقدَّم لآمال عريس دبلوماسي من بلد عربيّ التقى بها في لندن، جاء وراءها إلى القاهرة، وحتى تهرب من كلمات بليغ وافقت على الخطوبة من هذا الدُّبلوماسي، وفي أحد الأيام قابلت بالمصادفة بليغ، أو بتدبير من القدر، وما أن مَدَّ يده إليها حتى تبخَّرت فكرة الزَّواج من الدُّبلوماسي".
وحش مفترس
"وفي عز سعادة بليغ وآمال، دخل فجأة وحش مفترس، بدأ عود آمال يذبل ويذبل، تحوَّلت إلى شمعة تذوب بسرعة. كشف عليها طبيب العائلة فتحي طمارة، وقال لها بأسى: سرطان! ولم يكن المرض اللعين هو الوحيد الذي داهمها بل كان هناك ما هو أخطر، فقد أحسَّت بعد شهور بآلام تمزِّق أحشاءها، أحسَّت كأنَّ نارًا انسكبت في معدتها، وامتدَّت منها إلى جوفها كلّه. طارت إلى لندن، فقالت لها الدُّكتورة "شيلا" أشهر أخصائيَّة في أمراض الكبد، حالتك ليست مطمئنة، فهناك ما ينذر بالخطر في كبدك".
"رقدت في الفراش، وبدأت الشَّمعة الذائبة تفقد المزيد من هالات نورها، وفوجِئت وهي في الفراش بزيارة عبد الحليم حافظ، وحين انصرف وجدت تحت وسادتها مصحفًا من ذهب وهديَّة قيِّمة، وفوجئت ببرقيَّة من السعوديَّة تصل إلى المستشفى، يغطِّي صاحبها نفقات العلاج كله، ودمعت العينان الذَّابلتان، فقد كانت البرقيَّة من زوجها الأوَّل الأمير "ف".
"عادت المريضة المعذبة إلى أرض الوطن، حلَّت يحذوها الأمل بالشِّفاء، وبدت حطامًا آدميًا، أحاط بها الجَّميع، وطلبت أن ترى بليغ. جاء بليغ وبكى بشدَّة عندما رآها، فمسحت دموعه بيديها وقالت له: غنِّي لي يا بليغ أغنية، فغنَّى لها "من أجل عينيك عرفت الهوى"، قصيدته الجديدة التي يلحِّنها لأم كلثوم، والتي ذهبت فيما بعد لرياض السُّنباطي".
وذات صباح كئيب من تمُّوز "يوليو" 1972، انطفأ السِّراج تمامًا، ماتت آمال حسين تحيمر، الزَّوجة الأولى لبليغ حمدي، تاركة له حسرة، في القلب، وطيب ذكريات.
توضيح
حاولت أن ألقي الضوء على حكاية زواج بليغ الأول من خلال المصدر المشار إليه سابقًا، وهو مصدر موثوق وجدته بين عدَّة مصادر تناولت هذه المسألة بروايات تناقض بعضها البعض، ولا تستند أيضًا على منطق مقنع يمكن اعتماده. بل سارت في معظمها وفق استنتاجات أصاحبها، وقراءتهم المختلفة للوقائع التي دارت حول هذا الجَّانب الهام من تجربة بليغ حمدي الحياتيِّة والفنيَّة. كما سأتوقَّف في الحلقة القادمة عند تصريحات بليغ نفسه عن حكاية زواجه الأوَّل، وغيرها من علاقاته العاطفيَّة بما يضعنا بشكل أدق على بعض الخلفيَّات التي كانت وراء صياغته لهذا اللحن أو ذاك.
(يتبع)

إقرا ايضا في هذا السياق: