رأي حرOpinions

بليغ النَّغم 8| سيمون عيلوطي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

بليغ النَّغم 8| بقلم: سيمون عيلوطي

الحلقة الثامنة من سلسلة بليغ النغم| قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي الفنيَّة والانسانيَّة (8) - "فوضى الحواس"


ذكرتُ سابقًا أنَّ بليغ حمدي عبَّر عن حبِّه لوردة في ألحانه لعددٍ من ال أغاني ، تجلت فيها عبقريَّه الموسيقيَّة وشموليَّتها المتنوِّعة، رغم تمحور ها حول نفس المضمون. وقد تحقَّق له ذلك وهو في غمرة "فوضى الحواس" التي وضعته على شفا الضَّياع، أو كادت.
لقد توصَّلتُ إلى هذا الاستنتاج من خلال تدقيقي لسيرته الذاتيَّة، وتأثير الخاص على العام، (والعكس صحيح) في شخصيَّته، وما يوحي إليه كل ذلك من ألحان تكاد تُشكِّل في مجملها ترجمة لمحطَّات مفصليّة في سيرته ومسيرته الحياتيَّة والفنيَّة على حد سواء، فاتَّضح أنَّ حالة "فوضى الحواس"، ظهرت عليه بوادرها، (ولا أقول عوارضها) أوَّل ما ظهرت، منذ أن رفض أهل وردة طلبه للزَّواج منها، وبأسلوبٍ فَظِّ وهمجيٍّ، وصل إلى تهديده بالعصا إذا عاد إلى بيتهم مرًّة أخرى، والذي أثَّر عليه كثيرًا هو ابعادها عن مصر إلى الجَّزائر، ثمَّ تزويجها لرجل من بلدها، أنجبت منه طفلين، هما: رياض، ووداد.
أقول: ظهرت عليه بوادر "فوضى الحواس" ولا أقول عوارضها، لأنَّها ليست علَّة نفسيَّة معروفة في علم النَّفس، بل هي تعبيرٌ أدبيٌّ لحالة تمر على المرء في ظروف معيَّنة، تأثيرها على صاحب المشاعر الرَّقيقة يكون مؤلمًا أو مفرحًا حسب الموقف.
أمَّا "فوضى الحواس" في رواية أحلام مستغانمي، فتتَّضح في الصَّفحات الأخيرة من الرِّواية: وهي في المقهى تنتظر عبد الحق، عندما قرأت خبر موته في الجَّريدة، فأخذت تتذكَّر لقاءها الأوَّل في نفس المقهى أين دخل صديقه الذي تقرَّب منها فوقعت في فوضى من الحواس، وبما أنَّ الحواس تخدع أحيانًا أعجبت بصديقه الذي تقرَّب منها بعد أن خدعتها حاسَّة الشَّم، تقول: (أذكر فأجابني عطره، أعادني إلى ذكر العطر الذي .......)
فأغرتها تلك الكلمات وكأن خداع حاسَّة السَّمع لها تقول: (فرحت اختبره بكلمات اعتذار، وإذا به يجيبني بتلك الكلمات الصَّغيرة التي لم أكن أدرى أنَّ الحبَّ كان يسخر منِّي)
فبعد أن خدعتها حاسَّة السَّمع وحاسَّة الشَّم، وتأكَّد لديها الأمر بأنَّه نفس الرَّجل الذي التقته في السِّينما، كان بديهيًا أن تخدعها حاسَّة النَّظر هي الأخرى، تقول: (فلحقت في لحظة من "فوضى الحواس" بذلك اللون الأسود، وأخطأت وجهتي .... لقد أصابني الحب يومها بعمى الألوان).
مخيَّلة صديقنا الموسيقار في فوضى حواسه، أَبت أن تقبل حقيقة أنَّ وردة لم تعد معه، أو ترفض تلك الحقيقة بشكل قاطع، بقيت مخيلته في هذه الحالة معلَّقة بين وهم معقول، وواقع غير مقبول لا سيَّما أنَّ الغناء الذي طالما بارك لقاءهما معًا، لم يزل حاضرًا بينهما كما كان، ولكنَّه أخذ يأتيه بطابع مشبع بالشَّجن تارة، وبأمل اللقاء تارة أخرى، وإن طال الانتظار. وبما أنه كان في أغلب الأحيان يكتب هو بنفسه "كوبليه" الأغاني التي يلحِّنها، ويضع فكرتها، ثم يأتي الشَّاعر ليصيغها بقالب أغنية ، فقد جسَّد في أغنية "أنا بستنَّاك"، غناء: نجاة الصغيرة، في العام 1966، هذه الحـالة، وعبَّر عنها بمنتهى الصِّدق الفنيّ والانسانيّ، حيث يخال وردة تقول بصوت الصغيرة:
نا بستناك أنا، أنا
وليلي شمعه سهرانة لليلة حب
وأهلا... أهلا ... أهلا حلوة
شايلاها عيون بتحب
وقلبي حرير شايللك مطرحك في القلب
وازوق ليلي واتزوق لأجمل وعد
وأدوبلك في شرباتي شفايف الورد
وأقولك دوق، دوق حلاوة القرب
بعد البعد
نا بستناك أنا، أنا...إلخ...إلخ...

وممَّا زاد من شعوره بالفراغ العاطفيِّ، و بفوضى الحواس، هو: حزنه الشَّديد على "إش إش"، التي كانت تبادله حبا بحب، مُعتقِدًا أنَّ هواها سينسيه حبّه السّابق لوردة، فاتَّفق معها على أن يطلب يدها من والدها الموسيقار محمَّد عبد الوهَّاب، وقد تباينت المصادر حول حكاية التقدَّم لطلب يدها، بعضها يؤكد أنَّ والدها، عبد الوهَّاب كان يعلم بحكاية حبهما، وتُرجِّح بأنَّه كان سيرفض طلبه باعتباره غارقًا في الفوضى، كما يراه، وبعض المصادر الأخرى تفيد أنَّ صاحب "الف ليلة وليلة" لم يتقدَّم بطلب يد "إش إش" أصلًا، وقد ذكرت سابقًا أنَّه ذهب بمرافقة صديقة وحدي الحكيم إلى بيت والدها لطلب يدها رسميًا، غير أنهما تبادلا أطرف الحديث مع والدها الموسيقار في شتَّى المواضيع، ما عدا طلب يدها. وكم حزنت إش إش لأن بليغ خرج من بيت والدها بخفيَّ حُنَيْن، والمؤسف حقًا أنَّ القدر تدخل في حكاية حبهما، إذ لم تكد تمر فترة وجيزة على ذلك، حتى تدهورت حالتها الصحيَّة فجأة، ثمَّ سرعان ما رحلت عن عالمه إلى مكان لن تصلها فيه رسائله اللحنيَّة التي طالما بشِّرت بتوحيدهما، روحًا وجسدًا تحت قُبَّة واحدة.
يتبع

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com   

إقرا ايضا في هذا السياق: