منبر العربHyde Park

تبغ، ضريبة وحمامة بيضاء| حسين فاعور
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

تبغ، ضريبة وحمامة بيضاء| بقلم: حسين فاعور الساعدي


والدي يصر على العمل في فلاحة أرضه ويرفض العمل أجيراً. يؤمن أن الإنسان يجب أن يعتمد في حياته على الاكتفاء الذاتي ويعوّد نفسه على القبول بالقليل.
في فصل الشتاء زرع أرضه بالقمح الذي طحنه ووفر للعائلة ما تحتاجه من خبز على مدار السنة وزرع الشعير والكرسنة مئونة للقطيع. وزرع كذلك الحمص والفول والعدس. وفي فصل الصيف زرع مساحة قليلة بالخضراوات كالبامية والبندورة والكوسا ليوفر ما تحتاجه العائلة. أما أرضه الخصبة وذات الجودة العالية فقد زرعها بالتبغ بعد أن تعاقد كباقي المزارعين مع شركة "دوبك".
في الصباح الباكر يقطف أوراق التبغ الناضجة ويحضرها إلى البيت لتقوم أمي وأخواتي وبمساعدة الجارات بشكها في قلائد ثم يعلقها والدي بين حبلين تحت أشعة الشمس الحارقة لتجف. وهو ما يسمى ب"المسطاح". شك أوراق التبغ تقوم به النساء ويحولنه إلى طقس نسائي احتفالي ومناسبة لتبادل الأخبار والحكايات. لكنني كنت أحب المشاركة فيه فقط لتتكلل رؤوس أصابعي بالصمغ الأسود اللزج المنبعث من ملامسة تلك الأوراق. هذا الصمغ كانت تساعدني على إزالته ابنة عمتي وهي في جيلي. كانت تمسك رؤوس أصابعي وتفركها بحركة دائرية فأشعر بنشوة وبشيء يسري في جسدي. أختي الصغرى هي الوحيدة التي كانت تحتج على مشاركتي فتصفني بذي الميول النسائية فأذوب خجلاً. كانت تعرف كيف تغيظني فهي تغار مني كثيراً. أحببت حديث النساء وكيفية تناولهن لأخبار القبيلة لكن أختي كانت تراقبني وتزعجني دائماً.
"دوبك" تستلم رزم التبغ المكبوسة جيداً بأسعار بسيطة لا تكفي لاسترجاع التكاليف مما أضطر المزارعين لانتقاء أوراق التبغ الجيدة وبيعها بعد فرمها للمدخنين مباشرة وبأسعار تعوضهم عن تعبهم. هذه التجارة كانت ممنوعة فالشرطة تعاقب من تمسكه بائعاً كان أم مشترياً.
ما كاد وضع والدي الاقتصادي يتحسن قليلا حتى انبرت له ضريبة الدخل. كل سنة فرضوا عليه مبلغا باهظا بادعاء انه يملك قطيعا من الماعز والأغنام .إنتاج القطيع لم يكن كافيا لمعيشة الأسرة فاضطر إلى أخذ القروض من السوق السوداء لعدم توفر المصارف في المنطقة. دفع للأغنياء في القرى المجاورة فوائد مرتفعة ليتمكن من تسديد المبالغ الباهظة التي فرضتها ضريبة الدخل. سنة بعد أخرى تراكمت هذه الديون التي اقترضها من الأثرياء ولم يعد بإمكانه تسديدها. عاش والدي في توتر شديد وعشنا في ضائقة وفقر. حُرمنا من كل شيء لكننا واصلنا ال حياة بسبب قدرة الوالدة على التدبير وحرص الوالد على توفير المواد الأساسية. فالحقل وفر لنا القمح والخضروات والزيت حسب الموسم، والقطيع وفر لنا بين الحين والآخر الحليب والألبان. في فصل الربيع تقوم الوالدة بتنويع وجباتنا فمرة تطبخ لنا اللوف، ومرة تطبخ لنا العلت، ومرة فطاير الحميضة أو الصميميخة ومرة من القرصعنة والبختريا وكلها نباتات تتوفر بكثرة في فصل الربيع. لم يكن لبيتنا مشتريات. فوالدي كان يدفع كل ما يحصل عليه من مال لضريبة الدخل. حتى ثمن التبغ الذي كان يبيعه لشركة دوبك كان يدفعه بكامله للضريبة. ظل والدي يستدين الأموال لأنه إن تأخر في الدفع كانوا يأتون ليحجزوا على أي شيء يقع بين أيديهم. لم يكن لدينا ما يحتجزونه إلا القطيع. لذلك اتفقوا مع احد الوكلاء من أبناء القبيلة وأقاموا قرب بيته حظائر لاحتجاز قطعان المخالفين للقانون أمثال والدي، فهم لا يستطيعون أخذها إلى مكاتبهم الوثيرة في الناصرة ولا يريدون الإنفاق عليها .
ذات يوم ذهب والدي إلى إحدى القرى المجاورة لاستدانة مبلغ من المال لدفع مستحقات الضريبة وتأخر لأنه لم يجد من يدينه كما يبدو. وما إن حل الظلام حتى جاء ذلك الوكيل ليسوق القطيع إلى الحجز .فتصدى له زوج عمتي الذي سمع صراخنا فاشتبك معه في عراك عنيف وأعاد القطيع إلى الحظيرة. وما إن ذهب ذلك الوكيل ليستنجد بالشرطة حتى عاد زوج عمتي وأخرج القطيع وساقه ليخبئه في الوادي وراء الجبل. لم أنم تلك الليلة وبقيت مع أخواتي نحرس القطيع، إلى أن جاء والدي قبل طلوع الفجر وساقه إلى مكان بعيد بين الغابات. حتى فرسه خبأها في شجرة سريس ضخمة في الوادي. لم يبق حول البيت إلا الدجاجات والديك. كنت اشك التبغ مع أخواتي وأمي عندما جاء الوكيل وبدأ بمطاردة الدجاجات بعد أن وجد الحظيرة خاوية. لم نصدق ما نراه: رجل طويل وضخم يركض وراء دجاجات ليحتجزهن! فجأة نشبت معركة ضارية بين الوكيل والكلب الذي هاجمه من الخلف فتصدى له الوكيل بعصا كان يحملها للدفاع عن نفسه فاشتد عواء الكلب وإذا بالديك ينضم للمعركة بعد أن تحركت مروءته وشهامته العربية فهب لنجدة زوجاته المعتدى عليهن. كان الوكيل ينقض على الكلب ويحاول ضربه بالعصا فيقفز عليه الديك من الخلف زاعقا بأعلى صوته ومستعملا مخالبه ومنقاره فيستدير الرجل ليدافع عن نفسه فتكون فرصة للكلب للانقضاض مرة أخرى. وقفنا مشدوهين للمنظر الذي أثلج صدورنا ورفع معنوياتنا. تحركت الدماء في عروقي وخجلت من الوهن الذي أصابني وفي لحظة وجدت نفسي أهب لنجدة الديك والكلب إلا أن أختي اعترضت طريقي ومنعتني من المشاركة في المعركة وأيدتها أمي. إلا أن أختي الأصغر سنا مني أفلتت وانضمت إلى المعركة.
كانت ترمي الحجارة على الرجل فيستشر الكلب ويتشجع الديك. مما اضطره للهرب. عندما عادت أختي من المعركة عنفتها الوالدة بشدة وذكرتها أن أخلاقنا وعاداتنا لا تسمح بما قامت به .غرت من أختي وحسدتها كثيراً فقد تحولت في نظرنا جميعاً إلى بطلة وإن كانت والدتي تخفي ذلك وتوبخها. شعرنا جميعاً في داخلنا أنها قامت بالواجب. وأنها بطلة مثلها مثل الكلب والديك. لكن الوالدة تخاف علينا ولا تريدنا أن نتعود على هذه الأعمال التي تتناقض وأعراف القبيلة. فالوكيل مهما عمل يظل جاراً وابن قبيلة.
أمي هدها المرض. لم يعد جسدها النحيف يقوى على تحمله .كابدت وقاومت إلى أن خارت قواها ولم تعد تقوى على الوقوف. كان في كل منطقة الجليل طبيبان: عطا الله شيبان في الرامة وخازن في عكا . كلاهما نصح والدي بنقلها إلى المستشفى فورا . الدكتور خازن قال له بعد أن عمل لها أشعة في عيادته : أنت تضربها أليس كذلك ؟ أنا آمرك أن تأخذها إلى المستشفى، المرض سيقتلها.
لا اذكر أن والدي ضرب والدتي في حياته. لكنها كانت لا ترحم جسمها. نقلت كل مواد البيت الذي في قمة الجبل على رأسها لأن الشاحنات لم تستطع الوصول إلى القمة. والدي فتح طريقا للشاحنات بين الصخور بالمعول والشاقوف ولم يستطع إيصاله إلى قمة الجبل. فتح الشارع إلى نقطة تبعد مائتي متر عن القمة. من هذه النقطة كانت الوالدة تنقل الاسمنت وباقي مواد البناء على رأسها الى القمة حيث أراد والدي أن يبني بيته على قطعة الأرض التي يملكها .
في الصباح تحلب قطيع الماعز. تحضر الألبان وأنواع الجبن ثم تبدأ بأعمال المنزل من غسيل وجلي وعجن وخبز. بعدها تنضم إلى والدي لتساعده على أعمال الحقل. أو تذهب إلى القرى المجاورة حاملة دست اللبن على رأسها لتبيع اللبن وتحضر لنا بثمنه بعض الخضار والفواكه. كنت وأخواتي ننتظرها لتعود من القرية. لا اذكر إلا الموز والبرتقال ولا ادري أن وجدت في الأسواق فاكهة أخرى تلك الأيام. كل شيء كان حسب الموسم :البندورة في الصيف ولها طعمها ونكهتها الخاصة والتي ذهبت مع تلك الأيام، والبرتقال والموز في فصل الشتاء. لذلك كانت الوالدة كباقي النساء تجفف من الخضروات ما يمكن تجفيفه وتحتفظ به لتستعمله عندما تنفذ هذه الخضروات من السوق. نساء تلك الأيام اكتفين بالقليل وأدرن بيوتهن على أحسن وجه. كن السند والمعين للزوج وللأبناء. أذكر أن والدي استضاف بعض الأصدقاء من قرية سخنين في بيته وكما تتطلب العادات دعاهم لتناول طعام الغداء فقبلوا الدعوة لكن البيت كان خاليا من الخضروات والمؤن الأساسية. فقامت الوالدة بقطف أغصان البطم الطرية اليانعة من أشجار البطم الكثيرة المحيطة بالبيت، فرمتها بالسكين قطعاً دقيقة. أضافت إليها قليلا من الزيت والملح والماء وقدمتها كنوع من السلطات مع صحنين من اللبن ودبس الخروب. أغصان البطم، لمن لا يعرف، لها طعم لذيذ كطعم الليمون. من لا شيء صنعت مائدة وبيّضت وجه الوالد. تناول الضيوف طعامهم وشربوا القهوة ولم يحسوا بأي تقصير. كان الوالد يكثر من مثل هذه الدعوات المفاجئة فلم تكن في تلك الأيام مطاعم ولا طعام سريع أو ما شابه. لم تتذمر الوالدة ولم تشتك وإنما كانت تقوم بالواجب وتصنع الموائد المقبولة والتي تبيض الوجه من لا شيء .قدمت ووفرت كل ما نحتاجه إلى أن فقدت القدرة على الوقوف .
في مستشفى شنلر في الناصرة سألوها عن نمط حياتها وعرفوا من ضمن ما عرفوه منها ما نعانيه من شظف العيش بسبب ملاحقة وتسلط ضريبة الدخل. عندما أخذني والدي لزيارتها بعد نصف عام من غيابها عن البيت، وأنا ابنها الوحيد، لاحظ الأطباء ما بدا علي من سوء تغذية وإهمال. كنت أفضل حالا من أخواتي، فأنا ذكر ووحيد العائلة. الأطباء أجروا لي الفحوصات لتأكدهم أنني أعاني الكثير من الأمراض لكنهم فوجئوا عندما وجدوا أنني سليم رغم ما يبدو علي من نحافة وهزال. سألوا عن أخواتي فأخبرهم والدي أنه لا يملك ثمن تذاكر سفرهن من القرية إلى الناصرة لزيارة الوالدة. وضعنا كما يبدو أثار شفقة الأطباء فأرادوا مساعدتنا. توجهوا لضريبة الدخل وأغلقوا ملف والدي كما يبدو. توقف والدي عن دفع الضرائب فتحسن وضعه المادي قليلا، وبدأ بتسديد الديون التي تراكمت عليه.
أمي عولجت مدة تزيد عن العام أجروا لها خلاله عملية جراحية معقدة. أثناء هذا العام ذقت مرارة فقدان الأم وعانيت الحرمان والإهمال .
المواصلات العامة كانت نادرة وباهظة التكاليف بالنسبة لنا لذلك زرت والدتي مرة واحدة في المستشفى فبدت لي جميلة جدا في الثياب البيضاء. قبلتني كثيرا. كانت تشمني وتحمد الله. أوصتني أن أحافظ على دروسي وألا أتغيب عن المدرسة "أريدك أن تصبح طبيبا مثل هؤلاء الذين يعالجونني". قالت لي بتوسل شديد.
طبعا وعدتها بذلك فدعت لي وقبلتني من جديد. كنت حلمها وهمها الوحيد فبفضلي لم يتزوج والدي زوجة ثانية. وبفضلي أدخلها المستشفى وانتظر شفاءها. ففي عرف القبيلة المرأة هي المسئولة عن نوع المولود وهي المسئولة عن العقم أو الخصوبة. بينما الرجل سليم وكامل دائما وأبدا. أردت أن أظل معها لكنها أخبرتني أن هذا المكان غير ملائم. لم افهمها فالمكان جميل جدا، ونظيف جدا ولا يمكن مقارنته بالبيت الذي نسكن فيه. أردت أن أسالها إن كنت أستطيع البكاء، ولو قليلا لأنني أشعر بالاختناق. لكنني عدلت عن الأمر رحمة بها.
بعد عام من العلاج نفذ صبر والدتي فطلبت من الأطباء السماح لها بالعودة إلى بيتها. لم يوافقوا على طلبها لأنها لم تبرأ تماماً من مرض السل الذي كانت تعاني منه وأتلف نصف رئتيها. وعدوها أنهم بعد شهر سيطلقون سبيلها. لم تصدقهم كما يبدوا وقررت الهروب من المستشفى. انتظرت زيارة بعض العائلات من القرى المجاورة لذويهم. شرحت لهم وضعها وشوقها العنيف لأولادها فأشفقوا عليها وأخذوها معهم بثياب المستشفى. هربت من المستشفى ووصلت إلى القرية المجاورة ومن هناك مشياً على الأقدام وصلت البيت. دخلت علينا حمامة بيضاء وكنا أنا وأخواتي نتكوم حول الموقد. غريبة ترتدي ثيابا غريبة تدخل بيتنا. أخواتي الثلاث يلذن بالفرار من وجهها. لم يعرفنها فقد سمنت خلال العام وتغير شكلها ولون بشرتها. وقفتُ في مكاني ولم أتحرك لأنني عرفتها وإن كانت فاجأتني بمجيئها. أخذتني في حضنها بقوة وراحت تشمني بلهفة وتحمد الله بصوت مرتفع لتطمئن أخواتي وقد اختبئن في زاوية المنزل. ألقيت بنفسي في حضنها ولم أعد يتيماً.
في اليوم التالي جاءت الشرطة برفقة أحد الأطباء تفتش عن والدتي. وعندما وجدوها في البيت تقدم الطبيب منها وقال لها أنها كانت يجب أن تكمل علاجها في المستشفى. ولكن بما أنها قد هربت فقد أحضر معه الدواء الذي يجب عليها أن تستمر في تناوله لمدة شهر. في نهاية الشهر يجب أن تعود إلى المستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة. وافقت أمي على شروط الطبيب واستمعت لتعليماته عن كيفية استعمال الدواء.
***

 موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان alarab@alarab.com  


إقرا ايضا في هذا السياق: