رأي حرOpinions

احتفالية القبيلة/ بقلم: د. إمطانس شحادة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

احتفالية القبيلة... ورفض (الخطاب السياسي المبتور)/ بقلم: د. إمطانس شحادة

د. إمطانس شحادة في مقاله:

نهج وعقلية التدجين والقمع ليس جديدان على المؤسسة الإسرائيلية، فقد حاولت استعمالهم منذ قيامها


شاهدنا وسمعنا خطابات مندوبي كافة الأحزاب الصهيونية في احتفالهم الجماعي بتوقيع اتفاقية التطبيع المجاني بين الإمارات وإسرائيل، قبل أيام في الكنيست، بحيث تعاملوا معه كانتصار جديد للقبيلة الصهيونية على المشروع الوطني الفلسطيني، بل تفوق لعقيدة "الجدار الحديدي" كما جاء على لسان العديد من المتحدثون. نشوة الانتصار وثمالة الفرحة عكست اعتبار الإجماع الصهيوني الاتفاقية مع الامارات انتصارا على المشروع الوطني الفلسطيني وضربة لحلم إقامة الدولة الفلسطينية، وللسلطة الفلسطينية، حتى ولو لم يكن الطرف الفلسطيني هو الذي وقع هذا الاتفاق. لذلك، سمحوا لأنفسهم بالتعبير عن حقيقة مشاعرهم ونواياهم. وقد كان أوضحهم رئيس الكنيست يريف لفين عندما قال إن أرض إسرائيل (من البحر للنهر) هي دولة اليهود فقط بوجود سكان غير يهود، وهي تعبير عن غايات وآمال الشعب اليهودي! كذلك وضح وزير التعاون الإقليمي اوفير اكونيس الذي لخص النقاش من قبل الحكومة، ان ميزة هذا السلام انه غير مبني على معادلة الأرض مقابل السلام انما سلام مقابل سلام، وانه يرتكز على قوة وعظمة اسرائيل دون أي تنازلات. اكونيس الذي شدد على أهمية السلام ختم خطابه قائلا، بأنه "لن يدعم ابدا إقامة دولة فلسطينية او أي انسحاب من الضفة وان معادلة دولتان لشعبين هي خاطئة وخطيرة ولن تتحقق". وزراء اخرين جاهروا بمواقف شبيه، ودون مفاجآت ودون أن يرمش لهم جفن، قالوا انهم مع السلام أيضا، لكن طبعا السلام من النوع الذي وقعوه مع الإمارات والبحرين، ومن المفترض أن تنضم إليه دول عربية أخرى.. سلام الاستسلام.
العودة إلى مصطلحات عقدة "الجدار الحديدي" الذي يرى أن السلام بين إسرائيل ودول المنطقة يتحقق فقط بعد إخضاع العرب وتسليمهم بأبدية دولة إسرائيل وتفوقها في المنطقة، والحديث عن استحالة إقامة أي دولة بين البحر والنهر، ما كان ليأتي لولا اطمئنان إسرائيل بأنها لن تعاقب إقليميا أو دوليا، وأن كل هذا الاحتفال لن يضر بعلاقاتها الرسمية حديثة العهد مع دول عربية. إسرائيل مهدت لهذا الحدث واحتفلت به لأنها تعرف ثقله وأبعاده، وتدرك إسقاطاته الاستراتيجية على الصراع العربي الإسرائيلي والمنطقة.
إسرائيل تعتقد انه لمجرد توقيع اتفاق مع الامارات او غيرها من دول الخليج ستتبخر القضية الفلسطينية وان الاحتلال انتصر بشكل نهائي. أي انها تريد انجاح معادلات الجدار الحديدي أيضا مع الطرف الفلسطيني وربما مع المواطنين العرب. وهي بطبيعة الحال أوهام المستعمر. فالقضية الفلسطينية قضية عدالة وقضية حقوق وتاريخ وشعب ظلم ونهبت ارضه وشرد، ولن تختفي او تستسلم لمجرد توقيع دولة عربية على تطبيع مجاني مع اسرائيل. أدوات النضال المتاحة امام الشعب الفلسطيني عديدة وروافع القومة مازالت قائمة، لكن وجب إعادة تعريفها وترتيبها وملائمتها للمرحلة.
ليس غريبا اذ، ان تكون القائمة المشتركة وحدها التي رفضت المشاركة في هذا الاحتفال وعارضت الاتفاق كونه يمنح الجوائز المجانية لإسرائيل، وتحديدا ل نتنياهو ومشروع اليمين الاستيطاني الفاشي. ولأننا على قناعة أن هدف الاتفاقية الأساسي هو إبعاد السلام وإلغاء إقامة دولة فلسطينية ومنع تحرر الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال. أي اخضاع الفلسطينيين.
موقف القائمة المشتركة أزعج الوزراء وكافة المتحدثين الذين هاجموها وهددوا بعقوبات. لكن من ناحيتنا نحن، هذا الموقف وتحدي الإجماع الصهيوني يجب ان يكون ركيزة أساسية ثابتة للقائمة المشتركة كمشروع مناهض للصهيونية (كحركة هدفها احتكار السيادة والحقوق الجماعيّة القوميّة في هذه البلاد لليهود فقط)، تسعى إلى انتزاع حقوقنا القومية والمدنية المعيشية دون أي تنازلات، ودون أي تردد. على هذا المشروع الاستراتيجي ان لا يخشى الاشتباك السياسي مع الإجماع الصهيوني والحافظة على الانتماء والهوية والكبرياء. فدون ذلك لا معنى للقائمة المشتركة ولا للعمل البرلماني من خلال أطر سياسية عربية، ويمكن حينها الانطواء تحت أجنحة أحزاب صهيونية أو العودة إلى القوائم العربية الملحقة بالأحزاب الصهيونية.
نعم يمكن أن نعارض اتفاقية تطبيع تضر بمصالح شعبنا وتعيق السلام، وأن نطرح بالتوازي مطالبنا ومشاكلنا واحتياجاتنا، من ضمنها، الاقتصادية والمعيشية وقضايا العنف والتخطيط والبناء، وأن نضع الخطط والاستراتيجيات لتحقيقها. لكن لن نرضى بأن يتعامل أحد مع مطالبنا المعيشية والمدنية باستخفاف أو سطحية أو أن يستعملها بغية إلغاء مطالبنا الجماعية القومية، او تقييد مطالبنا السياسية كما حاول عدد من المتحدثين-المحتفلين القيام به في جلسة الكنيست.
نهج وعقلية التدجين والقمع ليس جديدان على المؤسسة الإسرائيلية، فقد حاولت استعمالهم منذ قيامها. فشجعت تيارات سياسية عملت داخل المجتمع العربي لتبني هذا الطرح وأسّست قوائم عربية تابعة لأحزاب صهيونية، وعملت على تعزيز خطاب سياسي مبتور يُسمح له العمل بتواضع وهدوء في القضايا المعيشية بشرط الغاء القضايا القومية الجامعة. بل ان قسمًا من بقايا هذه التيارات رافقنا لغاية اتفاقية أوسلو. إلا ان شعبنا أدرك ما تضمره تلك السياسات، فرفضها وأفشلها ورفض الاستسلام، بحيث أدركنا ان لا حقوق مدنية دون حقوق قومية جماعية وان لا تحسين للحالة الاقتصادية والمعيشية دون تغيير مكانتنا السياسية. وكما أفشل شعبنا تلك السياسيات في الماضي، سيُفشلها أيضًا في هذه الأيام والأيام المقبلة، وسيرفض أي محاولة لتدجين المجتمع العربي واخراجه من السياسة للاكتفاء بالقضايا المدينة المعيشية، وسيمنع أي محاولات للعدوة الي أدوات ومفردات الخطاب السياسي المبتور.

*  د. إمطانس شحادة - رئيس قائمة التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com       

إقرا ايضا في هذا السياق: