رأي حرOpinions

يترنّح لبنان بين الدولة و"الدبلة"/ د. نسيم الخوري
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

يترنّح لبنان بين الدولة و"الدبلة"/ بقلم: الدكتور نسيم الخوري


ضاق صمته لشدّة صمته وخوفه عتمة الحكم في أفخاخ "الجمهورية" ، فتجرّأ حسّان دياب وحكومته على مجلس النوّاب اللبناني مطالباً بإنتخابات برلمانيّة جديدة مسايراً أو مقتنعاً بما ضجّت بهم الساحات والشوارع ووسائل الإعلام في وسط بيروت والدنيا وسقط فيه شهداء وجرحى واشتعلت حرائق ، فما كان من رئيس المجلس نبيه أن برّي دعا مجلسه ذات خميس إلى قصر الأونسكو،لمحاسبة الحكومة على "وقاحتها التاريخية" في ترداد صدى الشوارع والذئاب، لكنّ الحكومة سبقت البرلمان فاستقالت فوراً ونامت "الجمهورية" البليدة أسيرة القوسين بحثاً عن حكومةٍ جديدة. وتعثر الكلام البليد في الكورونا وكارثة الخرائب من خلف السدود العتيقة والجديدة.
1- تصوّروا: يتلوّى الناس في الكورونا وإنفجار المرفأ ودفن الضحايا ومعالجة الجرحى والمشوهين والمفقودين والفقر والجوع وسرقات البيوت والمعونات، بينما تلوّت "الجمهورية" بقشرةٍ سخيفة مفادها أنّ الدستور لم ينص على تحديد المهلة المعطاة لرئيس "الجمهورية" للمباشرة بالإستشارات البرلمانية ليعلن رئيس الحكومة ولم ينص على المهلة المحدّدة لرئيس الحكومة لتأليف حكومته بعد تسميته. وينقل عن الرئيس السابق للبرلمان حسين الحسيني الذي كان عالم الدين عبد الحسين شرف الدين( 1873-1975) دائم الحضور في أحاديثه، أنّ مداولات الطائف لم تهمل تلك "المعضلة"، بل اتفقنا على مهلة اربعة اسابيع إجترحها من قاعدة الطلاق الإسلامية، إذ بعد ان يُطلق الزوج زوجته ثلاث مرات، لا يسترجعها الا بعد زواجها من آخر عند السنة أو بعد أن ينكحها البحر بموجاته سبع مرّات لدى الشيعة، وهذا ما أثار جدالاً واجتهاداً قي الطائف غير مشروع، بينما اعتبره رفيق الحريري يومها تقييداً لرئيس الحكومة.
2- لطالما طالب السياسيون وكبار الإعلاميين واللبنانيون بالإجماع الرئيس الحسيني، وهذا واجبه الوطني ، بالإفراج عن المداولات ومشاجرات "العتالة" في الطائف، كما كان يسميّها، وخصوصاً بعد إقرار الطائف دستوراً ل"الجمهورية" الجديدة التي بانت وكأنّها "دبلة" لا دولة إذ عجزت لأن تدور وفق دواليب أهلها وخطبهم ومواعظهم الفارغة في السيادة والحريّة والديمقراطية والإستقلال، بل بقيت تدور مثل "بيغ بن" بإمرة ضابط سوري أوكل إليه أمر تلك "الجمهورية" بعد الطائف مروراً بإتفاق الدوحة الذي نسف الطائف دون تطبيقه، عندما حشرزا زعماءنا ووزراءنا متنافرين "دوغما" في طائرة واحدة، فبقيت "الجمهورية" أيضاً مستوردة مشلولة بلا دستور. كانت الحجج السريّة الواهية لعدم نشر المداولات الحفاظ على أرواح النواب المسيحيين الذين فرّطوا بالصلاحيات الأبدية.
3- أسمى العميد ريمون إدّه "جمهورية" الطائف التي عدّلت الدستور وأقرّه مجلس النواب معدّلاً في 21 آب 1989.ب "الجمهورية" الثالثة، معتبراً بأنّ الأولى تأسست في 23 أيار 1926 ونصّ دستورها على النظام الديمقراطي البرلماني المستورد من فرنسا ، ثمّ تأسّست الجمهوريّة الثانية، عند تعديل الدستور في 9 تشرين الثاني 1943 بسقوط صلاحيات المفوض السامي الفرنسي دون خروجها من الإنشقاقات المزمنة بين الشرق والغرب وبين اللبنانية والعروبة وبين الطوائف المتنوعة.
4- لنقل أنّها "جمهورية" أدمنت النصوص المستوردة في دساتيرها. كانت وأصبحت بلا جمهور ( وكان فعل ماضي ناقص وهو شقيق أصبح في اللغة العربية لا فرق بينهما لأنّ الماضي مثل المستقبل) يتشظّى جمهورها على المنتسبين للأحزاب ومنها تيّار أرساه اغتيال الشهيد رفيق الحريري حزباً سنيّاً إلى حزبين للشيعة ، وثلاثة للدروز، وستة للموارنة، وعشرات الأحزاب القديمة العلمانية والقومية والعربية والإسلامية والمسيحية الفاعلة والمترهلة. وقد تجد أحزاباً لشخص واحد ناشطٍ مع مرافقين وسائق وأحد أفراد عائلته أو أقاربه يؤلّفون مع رئيس الحزب المكتب السياسي وبالجيب ترخيص رسمي ولسان لاذع يدور من شاشةٍ لأخرى، والدفع والقبض على الجرّار.
5- لم تتّضح حقيقة "الجمهورية" بين قوسين إلاّ مع الإنتخابات البرلمانية المرفوضة والمبهمة والتي لم تفرز سوى العديد من أزلام الأحزاب. فعقب هندسة قوانين الإنتخابات بين زعماء الأحزاب السبعة، يحتشد الحزبيون بالسرّ والعلن والقاطرات والساحات لشراء الأصوات والذمم وإجراء الإنتخابات بالشحن والمواقد الطائفية والتزوير والتهديد فيقترع ال35 بالمئة من ال4 ملايين مقيم لتستمرّ "الجمهورية" ساحة مفتوحة على القارات الخمس وقد خرج منها 15 مليون قرفاً إلى الشتات، وبقيت قلوبهم وعيونهم دامعة وجيوبهم متدفقة تحلم بلبنان أن يصبح جمهورية.
لبنان واقع في فجوة وطنية تتجاوز حجمه لأنّ الدساتير بقيت نصّوصاً بلا روح والتغيير في النصوص لا يعني أو ينعكس أبداً تغييراً في النفوس، ودستور الطائف جاء مثل دستور الايمان، إمّا أن نكون معه أو ضدّه، كما قال الدكتور سليم الحص يومذاك، وتلك مسألة شديدة التعقيد، ولهذا سيبقى لبنان تائهاً يبحث حالما عن دستورٍ جديد ويعيش في أمجاد الدساتير والصلاحيات القديمة الضائعة التي تأكلها الطوائف والأحزاب الحاكمة، ولا سبيل سوى السفارات، أو الرقص أمام موفدي الدول وأجهزة مخابراتهم في المرافيء والمطارات وسيبقى التغيير مثل الصوص ينتفون ريشه قبل خروجه من البيضة.

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com 

إقرا ايضا في هذا السياق: