رأي حرOpinions

التطبيع الإماراتي/ مهند إراهيم أبو لطيفة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

التطبيع الإماراتي وسياسات الإدارة الأمريكية تقود لمزيد من الفوضى/ مهند إراهيم أبو لطيفة


أثارت سياسات الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرا تساؤلات جدية وقلق حول مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة ومركز إمبراطوري يحكم عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتجلى ذلك بوضوح في السياسات – قصيرة النظر- التي عانت منها منطقتنا العربية في السنوات الأخيرة ، ووصولا إلى موضوع القدس وضم الأغوار وتسارع الإعلان عن التطبيع أو إتفاقية السلام ما بين الكيان الإسرائيلي وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة ، التي تتجاوز كافة الأعراف والمعاهدات والمواثيق والقرارات الدولية والعربية.

من الواضح أن الإعلان عن الإتفاقية ، التي زعم الرئيس ترامب أنها "هاتفية"، لم تكن مفاجئة، فالدور الوظيفي لحكومة الإمارات منذ سنوات طويلة، كان واضحا للعيان، ولكن هذه الإتفاقية تؤسس لمناخ عام من التطرف والتشدد في المنطقة له ما يبرره.

بالرغم من التفاؤل الحذر الذي ساد بعض دول العالم الغربي ودول أخرى، وذلك عقب تفكك الإتحاد السوفيتي ، راكمت سياسات الإدارات الأمريكية سلسلة من الأخطاء أو الخطايا ستقود العالم نحو مزيد من الفوضي على مختلف الأصعدة.

مع فشل الحلم الإمبراطوري الأمريكي بقيادة العالم بشكل منفرد، يشهد عالمنا تزايدا في الأزمات السياسية والإقتصادية والأخلاقية والإجتماعية والبيئية بفعل استمرار الهيمنة العالمية أحادية القطب من أبرزها :

أولا: مع إقتراب العالم من أن يتخول إلى قرية صغيرة، بفضل وسائل الإتصالات والمواصلات وهيمنة ثقافة الإستهلاك، وغياب الأيدولوجيات القوية المنافسة، إلا أننا نشهد تصاعدا في النزعات الشوفينية والعنصرية والإقليمية والطائفية، وعززت سياسة الرئيس ترامب هذا التحول بشكل مباشر.

ثانيا: سقوط تدريجي ملحوظ لفكرة صلاحية النظام الديمقراطي والسوق الحر، وبالتالي مفهوم الحرية الفردية والليبرالية ومنظومة القيم الإجتماعية الأخرى المرتبطة بها.

ثالثا: مع إزدياد الفقر وارتفاع حركة الهجرة وانعدام المساواة وإزدياد حجم ورقعة الفساد، وغياب تدريجي للحد الأدنى من العدالة الإجتماعية على الصعيد العالمي، نلخظ تنامي العنف وإرتفاع مستوى الجريمة الفردية والمنظمة، وتغيرات خطيرة في السلوك الإجتماعي للأفراد. ولعبت تدخلات الولايات المتحدة ، وحمايتها لبعض الأنطمة ، دورا مركزيا في مواجهة محاولات تحقيق التقدم السياسي والإجتماعي لعدد من الشعوب الراغبة بالتغيير.

رابعا: إنحسار كبير في دور الأسرة والروابط الإجتماعية، وتفكك الوحدات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية الصغيرة والمتوسطة في معظم دول العالم بفعل تغلغل أنماط التفكير والسلوك الرأسمالي، بينما تتقدم الروابط العشائرية والعائلية في بعض الدول التي تفقد فيها الدولة دورها المركزي كمنظم وضابط للمجتمع، على حساب مفهوم المواطنة.

خامسا: تراجع عمل وتأثير الغالبية الساحقة من الهيئات والمنظمات الدولية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. وهذا ينسحب أيضا على عمل وحضور منظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية والجماهيرية التقليدية. وتعتبر القضية الفلسطينية مرآة عاكسة في هذا السياق.

سادسا: يشهد العالم تنافسا دوليا محموما على موارد الطاقة، وتعزيز النفوذ على الجغرافيا- السياسية، وطرق التجارة الدولية ، مما يمهد لمزيد من الصراعات المسلحة في المستقبل القريب، ومن يتابع الصراع حول موانيء البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وغيرها، يكتشف أن منطقتنا في قلب هذا التهديد المباشر.

سابعا: أصبح العالم يعاني بشكل متسارع من الأزمات الإقتصادية ، وزيادة هائلة في مستوى الدين العام لمعظم الدول، تلبية لإحتياجاتهاالإقتصادية، يزداد تلوث البيئة وتتهاوى أنماط الإنتاج الإقتصادي التقليدية وفي مقدمتها الزراعة.

ثامنا: تراجع سلطة الدولة الوطنية لصالح الشركات الكبرى والإحتكارية ، في ظل إنحسار مفهوم السيادة وتمثيل إرادة الشعب.

تاسعا: مع تزايد دور الأمن واستخدام القمع ، وتراجع الحريات العامة وغياب وسائط التعبير عن المشاركة السياسية، تتراجع الثقافة بشكل عام، وتهيمن ثفافة الإستهلاك والسطحية، على حساب التكوين النفسي للأفرد، ويزداد هذا التأثير بفعل التقدم التكنولوجي والتفنيات الحديثة وخصوصا في مجالات الإستخدام البيولوجي والوراثي.

عاشرا: يهدد التنافس الإقتصادي المحموم، وفرض الحلول السياسية على أساس الهيمنة ومنطق القوة، السلم العالمي وسط تنامي مخاطرسباق التسلح وتعزيز القدرات العسكرية، وللولايات المتحدة ومنظومتها المالية والعسكرية دورا محوريا على هذا التصعيد.

مع تراجع قدرة وإمكانات الولايات المتحدة الأمريكية ، على أن تلعب دور شرطي العالم في المستقبل، وعدم قدرة أو رغبة بعض الدول المرشحة لمنافستها على المدى المنظور(الصين ، اوروبا)، فإن سياسات الإدارات الأمريكية تقود مستقبل العالم نحو المجهول، بالرغم من هشاشة وعدم واقعية فكرة الحوكمة العالمية التي يروج لها البعض.

سيكون على العالم أن يبادر بإقامة تحالفات جديدة تكبح سياسات أمريكا، لإحداث نوع من التوازن الإستراتيجي لكي لا يتحدر العالم نحو الفوضى ومزيد من الفوض ، أو الإنغلاق وصعود ديكتاتوريات جديدة.

لم يعد ما سمي- منذ عام 1945- ب " النظام العالمي الجديد " قادرا على الإستمرار بنفس الشاكلة والوتيرة، ويفرض على العالم تحديات مستقبلية جديدة يجب الإستعداد لها، لقد آن الأوان ليقول العالم لأمريكا: كفى.

* مهند إراهيم أبو لطيفة - كاتب وباحث فلسطيني 

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com   

إقرا ايضا في هذا السياق: