رأي حرOpinions

حالة توظيف المواطنين العرب/ د. يوسف جبارين
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

قراءة في حالة توظيف المواطنين العرب في الوظائف الحكومية والعامة/ بقلم: النائب د. يوسف جبارين

د. يوسف جبارين في مقاله:

رغم ان التقرير الأخير يتحدث عن أن نسبة العرب في سلك الخدمات العامة قد وصلت الى 12.2٪؜ في نهاية العام الأخير، وهو ارتفاع بما نسبته 0.5% عن العام الذي سبقه

نسبة تمثيل المواطنين العرب في الوظائف التابعة للوزارات الحكومية المختلفة قد هبطت بشكل ملحوظ إذا استثنينا الزيادة في منظومة الجهاز الصحي

على الحكومة اتخاذ قرارات وبناء خطط منهجية من أجل الوصول الى تمثيل ملائم للمواطنين العرب يساهم بتحصيل الحقوق والسعي للمساواة الحقيقية


اصدرت مفوضية خدمات الدولة في أيار الأخير تقريرها السنوي حول التنوع الاجتماعي والقومي في سلك خدمات الدولة والوظائف العامة، حيث تطرق التقرير تحديدًا الى تمثيل العرب في الوظائف الحكومية ليكشف صورةً قاتمة حول تراجع تشغيل العرب في المكاتب الحكوميّة، مما يؤكد على استمرار سياسات الإقصاء ضد المواطنين العرب وتغييبهم من مواقع التأثير واتخاذ القرار.

رغم ان التقرير الأخير يتحدث عن أن نسبة العرب في سلك الخدمات العامة قد وصلت الى 12.2٪؜ في نهاية العام الأخير، وهو ارتفاع بما نسبته 0.5% عن العام الذي سبقه، الا أن نسبة تمثيل المواطنين العرب في الوظائف التابعة للوزارات الحكومية المختلفة قد هبطت بشكل ملحوظ إذا استثنينا الزيادة في منظومة الجهاز الصحي، اذ يظهر بوضوح أن نسبة تمثيل العرب في الوظائف الحكومية -بدون وزارة الصحة -قد هبطت في العام الأخير من 8.2% الى 7.7% -اي هبوط بنسبةً 0.5‎%‎!

إن الهدف الّذي وضعته الدولة في القرار الحكومي الصادر في عام 2007 كان الوصول الى 10% تمثيل للمجتمع العربي في سلك خدمات الدولة، وكان من المفترض الوصول الى هذا الهدف في العام 2012، الا أن بلوغه، ظاهريًا على الأقل، تأخر الى عام 2016. الا انه بحسب المعطيات الدامغة الواردة في التقرير الأخير نرى بوضوح أن هذا الهدف تحقق بعددٍ ضئيل من الوزارات الحكومية، وتحديدًا ضمن الدرجات الدنيا في سلك خدمات الدولة. هذا إضافةً الى أن الحكومة لم تتخذ قرارًا جديدًا ولم تتبنى هدفًا جديدًا لنسبة تمثيل العرب من شأنه أن يُلزم المكاتب الحكومية المختلفة بتشغيل عددًا أكبر من الموظفين والأكاديميين العرب.

وممّا جاء ايضًا في التقرير أن نسبة تمثيل العرب في الوظائف العامة ذات الدرجات الرفيعة التي من شأنها أن تؤثر على السياسات العامة ما زالت ضئيلة جدًا، حيث يصل عدد العرب في هذه المواقع الى 57 موظفًا فقط، وهو ما نسبته 3%! وبهذا نرى أنه حتى وإن تم استيعاب المزيد من الموظفين العرب في سلك خدمات الدولة، ما زالت الحدود والتقييدات واضحة، وما زالت مؤسسات الدولة تُعيق تقدم الموظفين العرب في درجات التوظيف، وما زال ذلك السقفُ الزجاجي صلبًا جدًا أمام المجتمع العربي الّذي يطمحُ بممارسة حقه بأن يكون في مواقع التأثير على السياسات وصياغة القرارات.

تمثيل العرب في الشركات الحكومية

ولتمثيل العرب في الشركات الحكومية حصةُ كبيرة من التمييز والاجحاف، إذ أنه رغم المصادقة في العام 2000 على تعديل قانون الشركات الحكومية، وإلزام هذه الشركات بضمان تمثيل ملائم للمجتمع العربي في تركيبة مجالس ادارتها، الا أننا نرى عدم تطبيق القانون على ارض الواقع، حيث يصل تمثيل العرب في مجالس ادارات الشركات الحكومية الى 12% فقط.

بحسب المعطيات الّتي حصلت عليها في أعقاب استجواب تقدمت به لوزارة المالية حول الموضوع، يظهر بوضوح أن عدد الموظفين والعاملين العرب في الشركات الحكومية ما زال يقفُ عند ال 2.3% فقط! هذا المعطى هو بمثابة ادانة واضحة بحق الوزارات والشركات الحكومية المختلفة الّتي تتجاهل 20% من المواطنين العرب وتقصيهم من الاندماج ضمن عشرات الآلاف من الوظائف الهامة – وبغياب اي تغيير ملموس في واقع الحال الإقصائي هذا طوال سنوات عديدة، فإننا نتهم هذه الشركات بأنها شريكة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الّذي يرسّخ الفوقية القومية والاثنية لمجموعةٍ على حساب الأخرى، وشريكة في تكريس المكانة الاجتماعية-الاقتصادية الدونية للمواطنين العرب.

إن جائحة العنصرية واقصاء المواطنين العرب من مواقع اتخاذ القرار أقدم بكثير من جائحة الكورونا – حيث نرى انتشارها وعدواها تصل الى المؤسسات العامة والجماهيرية، المجالس الإدارية للشركات العامة، موظفي الشركات الحكومية والاجسام العامة. كل هذه الأجسام تساهم في صياغة السياسات العامة في شتى مجالات ومناحي ال حياة ، لكن تمثيل العرب فيها ضئيل جدًا. فعلى سبيل المثال هذا هو الحال في مجلس ادارة شركة البث عبر الكوابل والقنوات الفضائية، سلطة الأراضي، مجلس المتاحف، مجلس النفط، المجلس القطري للرياضة وغيرها ...

اقصاء العرب من الوظائف العامة هو جانب هام فب عملية الاقصاء والتمييز – وينعكس ايضًا في سياسات الاقصاء من الموارد العامة في الدولة، الاقصاء من ملكية الأراضي وتعميق سياسات في مصادرتها، الاقصاء من منالية الخدمات الحياتية الأساسية، مثل الكهرباء والماء والانترنت، إضافة الى تغييب الخدمات الحكومية المختلفة في البلدات العربية. اما الوجه الاخر لهذا الاقصاء من الأجسام العامة في الدولة فيتمثل بغياب تمثيل الصوت العربي في المؤسسات والأجسام الّتي تصوغ السياسات المتعلقة في مجالات اساسية في الحياة – وخاصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية. هذا الاقصاء من أن يكون المجتمع العربي شريكًا في بلورة السياسات العامة يؤدي في نهاية المطاف الى سياسات أحادية القومية لت يُسمع فيها الصوت العربي ولو من باب المشاركة الشكلية.

وتنعكس سياسات الاقصاء والتمييز جليًا في مؤسسات التعليم العالي، حيث تشير المعطيات الّتي حصلت عليها من وزارة المعارف بعد عددٍ من الاستجوابات الّتي تقدمت بها بالموضوع الى ان نسبة المحاضرين العرب في الجامعات الإسرائيلية بالكاد تصل الى 2.5‎%‎، ونسبتهم في الكليات لا تتعدى ال 3.2%. في السنوات الأخيرة شهدنا ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الطلاب العرب في المؤسسات الأكاديمية، ويشمل هذا الارتفاع طلاب اللقب الثالث. لكن هذا الارتفاع لم ينعكس في الطواقم الاكاديمية، وبات الحاصلون على لقب الدكتوراة في حالة قلق شديدة ازاء شح فرص انخراطهم في الحقل الأكاديمي، مما دفع المئات منهم الى الهجرة الى خارج إسرائيل بحثًا عن فرص عمل أكاديمية في ظل فرص الاندماج الضئيلة في المؤسسات الأكاديمية.

ان التمثيل الملائم للمواطنين العرب في سلك خدمات الدولة، الشركات الحكومية، المؤسسات العامة، وفي المؤسسات الأكاديمية من شأنه توفير آلاف الوظائف للمختصين وللأكاديميين العرب الّذين يواجهون التمييز البنيوي في سوق العمل – ومن هنا اهمية التمثيل الملائم كرافعة اقتصادية للمواطنين العرب، على الصعيدين الفردي-الشخصي والجماعي-العربي.

إن الطريق للمساواة في التشغيل يجب ان تبدأ بضمان التمثيل الملائم للمواطنين العرب في كافة الأجسام والمؤسسات العامة، من خلال دمجهم في مواقع التأثير واتخاذ القرار ومن خلال ضمان حضورهم وحضور قضاياهم الحارقة على جدول اعمال كافة هذه المؤسسات والاجسام. ويبقى الامتحان الحقيقي لهذا التمثيل هو فرص الوصول الى قرارات تتلاءم مع واقع واحتياجات المجتمع العربي، بل مع طموحاته واولوياته.

في المدى القريب، على الحكومة اتخاذ قرارات وبناء خطط منهجية من أجل الوصول الى تمثيل ملائم للمواطنين العرب يساهم بتحصيل الحقوق والسعي للمساواة الحقيقية، بحيث يشمل هذا التمثيل ضمان توظيف موظفين وأكاديميين عرب في الدرجات الرفيعة والمؤثرة. على متخذي القرار، اذا، تبني سياسات التفضيل المصحح لانهاء الغبن التاريخي بحق المواطنين العرب في هذا السياق. اما على المدى الأبعد، فعلى المكاتب الحكومية وضع أهداف واضحة لاستيعاب جوهري للمواطنين العرب، وذلك من خلال تغيير المبنى الهرمي التمييزي القائم والّذي يتم بواسطته لجم أية محاولة لارتقاء المواطنين العرب في السلم الوظيفي في سلك خدمات الدولة، والإبقاء عليهم في الدرجات الدنيا وبنسب محدودة بعيدة عن نسبتهم العامة.

ان المساواة الجوهرية في هذا السياق تعني تفكيك السقف الزجاجي القائم وهدم الحدود والجدران البنيوية القائمة أمام المواطنين العرب. هذه هي احدى المطالب الأكثر عدالة للمواطنين العرب في سياق التوظيف والتأثير، واحد النضالات الّتي اتعهد بقيادتها.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com   


إقرا ايضا في هذا السياق: