رأي حرOpinions

الامتحان الجماهيري/ محمد سواعد
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

الامتحان الجماهيري/ بقلم: محمد سواعد

يعيش الانسان داخل المنظومة الاجتماعية تحت عين رقابة اجتماعية شديدة، حيث يراقب الناس تصرفاته ليلا ونهارا ويطابقون أقواله وأفعاله


يعيش الانسان داخل المنظومة الاجتماعية تحت عين رقابة اجتماعية شديدة، حيث يراقب الناس تصرفاته ليلا ونهارا ويطابقون أقواله وأفعاله، بل يحاول الناس في كثير من الأحيان اختبار الفرد في سلوكياته وقيمه ليسبروا ردة فعله في الأزمات، وهذا ما يعرف بالامتحان الجماهيري للفرد، فالناس يضعون الفرد تحت المجهر ويراقبونه لسنوات طوال، فإذا نحج في هذه الاختبارات وضعوه في مرتبة القيادة والريادة، وإذا فشل انصرفوا عنه كما تنصرف الإبل عن رديء الماء.
وأول من يسلط عليه المجهر هو من نصب نفسه إماما وقائدا للناس، ويصدق على كل قائد أو إمام قول الامام علي رضي الله عنه: مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً ْ فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ.

فالإنسان ابن سعيه وأخلاقه وعلى قدر تمسكه بها وثباته عليها يكون قدره واحترامه في المجتمع، وعلى مر التاريخ نجد ان كل أمة أو مجتمع كان يسلط الضوء على دعاة الإصلاح الفضيلة ويراقب سيرتهم ويسبر غور حياتهم فإذا نجحوا في ذلك انقاد الناس لهم وأذعنوا وسلموا لهم القيادة، وأصدق مثال على ذلك ان الفرس في اول مشوارها تفحص الخيال الذي يركب ظهرها، فان وجدت منه عزما وشجاعة وإقداما أذعنت له وانقادت طوال الرحلة وان وجدته جبانا خائفا القت به عن ظهرها وعادت الى اسطبلها.
عندما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس الى الفضيلة والإصلاح والوحدانية وقفت قريش تراقب سيرة هذا الرجل وتَخْبر حياته منذ شبابه الى يوم أن صدع بالنبوة، فما وجدوا فيه غير الصدق والاستقامة وحسن السيرة والسريرة، وهم من قد أسموه في بداية حياته بالصادق الأمين، فقد ذكروا أن النضر بن الحارث قال مرة لقريش يا معشر قريش: واللَّه لقد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، لا واللَّه ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، قلتم كاهن، لا واللَّه ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا واللَّه ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أوصافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم مجنون، لا واللَّه ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش فانظروا في شأنكم، فإنه واللَّه لقد نزل بكم أمر عظيم.

فانظر الى هذا الرجل وهو مشرك كيف يستدل بحسن البدايات على حسن النهايات فهو يقول لقومه إن هذا الرجل منذ نشأته وشبابه ما عرفنا عليه كذبا ولا دجلا وكان ارضانا حديثا وأصدقنا سلوكا فكيف لنا ان نتهمه بالسحر والكذب والجنون، وفعلا اذعنت قريش سرا وجهرا لمحمد صلى الله عليه وعرف اعداؤه عظمة اخلاقه ونبل صفاته واذعنوا له باطنا وكفروا به ظاهرا استكبارا وعدوانا وأنفة.

وكذلك اليوم وفي كل وقت يتعرض القادة والمصلحون الى الرقابة الشديدة في كل سلوكيات حياتهم على مدى سنوات طوال، فمن عبر هذه السيرورة المعقدة من الرقابة والنقد فإنه يصبح القائد الأعلى للجماهير سرا وجهرا، وإن حاولت الجماهير انكار ذلك والمكابرة فيه، بينما نجد ان الكثير من القيادات التي يعلو صوتها ويرتفع ضجيجها، إلا أن صدى ذلك الصوت لا يعدو أن يكون كمن يصيح في وادٍ فيرتد إليه صدى صوته فيفرح بذلك ويظن أنه قد حاز مرتبة القيادة ونجح في الامتحان الجماهيري، وهذا ما يفسر لنا إقبال الناس على محبة وتعظيم قائد معين أو مصلح أو داعية من الدعاة بينما تنصرف القلوب عن غيره بعد سنوات طول.

لذا كان لزاما على من أراد أن يتبوأ مراتب القيادة والتوجيه ان يعلم ان الطريق طويل وشاق ولا بد فيه من الصبر والثبات على المبادئ والتضحية بحظ النفس وأهوائها في كثير من الأحيان حتى يبلغ مراتب الكمال والسؤدد وينال ثقة الجماهير، بينما يسقط من تعجل الشرف والريادة في أول الطريق.

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com    

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
محمد سواعد
اطلاق رصاص بإتجاه منزل في قلنسوة دون وقوع اصابات