رأي حرOpinions

التَّربية الحديثة/ بقلم: عطاف منَّاع صغير
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

التَّربية الحديثة والبيداغووغية اللَّاتوجيهية/ بقلم: عطاف منَّاع صغير

يَرتبط اصْطلاح التَّربية الْحديثة بدعوة الفيلسوف ستانسيو، إلى ممارسة الحرية واسْتعمال العقل في التربية

عطاف منَّاع صغير في مقالها:

تعتمد التَّربية اللا توجيهيىة على الفّرضية الأساسية ِ،أن الطالبَ يَمتلكُ الرَّغبة بشكلٍ تلقائي في التَّعلم دون إجبار، إكراه او اي عامل خارجي


مُقدمة :
يَرتبط اصْطلاح"التَّربية الْحديثة" بدعوة الفيلسوف ستانسيو، في كتابه "المدرسة والمذاهب التربوية في القرن العشرين "(1995 ) إلى ممارسة الحرية واسْتعمال العقل في التربية، بواسطة المناهج التَّربوية التي تّهتم بوحدة الشَّخصية وتَنميتها بمجالاتها المختلفة ،المجال العقلي،الانْفعالي والنفس حركي (ديوي ، 1972) بهدف تحقيق السَّعادة والتوازن للمتعلم، بدلًا من التَّوجيه الآلي بواسطة المناهج التي تركز على التعليم النَّظري للمادة. كما اسهم العديد من العلماء ،الفلاسفة والمُربين في تحقيق هذه التربية ، أمثال سكنر، جون ديوي ومونتيسوري. تعتمد التربية الحديثة على نتائح الأبْحاث في علم النَّفس وعلم الإجتماع ،و تتصف بالديناميكية التي تتلاءَم مع ال حياة .
لقد أسهمَ المُعالج النَّفسي الامريكي كارل روجرز (1902-1988)، بواسطة "نظرية الارشاد العلاجية"،التي اكتشفها خلال أبحاثه في مَيدان العلاج النَّفسي واشْتغاله بالعلاج المُمركز حول العميل
Client-centered therapy non-directive
، بتطوير "البيداغوووغية اللاتوجيهية".لتحقيق التربية الحديثة بصورة تدريجية ، وهذه التربية تعتبر من التيارات المعاصرة .
ـSelf theory-نظرية الذات-
ظهرت "نظرية الذَّات " ، كردةِ فعلٍ على سَيطرة نَظرية التَّحليل النَّفسي والنَّظرية السُّلوكية مُنذ بدايات القرن الماضي على نظريات الشَّخصية، سُميت كذلك بالنَّظرية اللا مباشرة والنَّظرية الشَّخصية ، وتستند الى المفاهيم الأساسية التَّالية :ألإنسان ،الذات والمجال الظَّاهري(روجرز،1959). عرف روجرز هذه المفاهيم كالاتي :
الانْسان – هو كلٌ منظم يَسلك بشكلٍ كُلي في المجال الظَّاهري ،من أجل تّحقيق الذَّات والسُّلوك المقصود لتَّحقيق النُّمو والتَّطور،كما أن روجرز يَرى بأن الانْسان خَيِّر بطبْعِه ولا ضَرورة للتَّحكم به والسيِّطرة عليه.
الذَّات – عبارة عن مُدركات وقِيم، تَنشأ من التَّفاعل بينَ الفردِ والمُجتمع .وهي في حالةِ نّمو وتغييرٍ مُستَمرين وتُحافظ على سُلوكِ الفرد.
المجال الظَّاهري –المقصود به ،الواقع المُحيط بالفرد ،والفرد يَختار استجاباتَه على أساس ما يُدركه وليسَ على أساس الواقع. لذلك تَستند نظرية روجرزعلى الأُسس التالية :
1) كلُّ فَرد يَمتلك حقائق مُختلفة لأنه موجودٌ في عالمٍ مُتغير من الخبرات،هذه الحقائق يُسميها روجرز بالإطار المَرجعي الدَّاخلي للفرد .
2) الطَّريقة الصَّحيحة لفهم الفرد،هي، معرفة طَريقة ادْراكه للعالم المُحيط به.
3)فهم الذَّات يَكون بحالةِ نموٍ مُستمرة عن طَريق التَّفاعل بين الفرد والبيئة.
4)الذات كل مُنظم يُعبر عنها الانسان باستخدام ضمائر المُتكلم.
تَنتمي طريقة العلاج المتمركز حول العميل، للمدرسة الإنْسانية في علم النفس , و تركز على استبصار( Insight )الفرد بذاته وبخبراته التِّي شَوهها ، حَرفَها أو أنكرها ،في محاولة لإدماج أو تقريب بين الذَّات وهذه الخبرات ، مما يُهيئ الفرصة لنُّمو الشَّخصية أو كما يقول روجرز التَّحول إلى ذات جديدة( روجرز ،1959).
ان المُشكلة حسب ما تَراه هذه النَّظرية ،هو الصِّراع بين تحَقيق الذات ،لأنه حاجةٌ غريزية ودافع ٌداخلي وبين التَّحقيق الإيجابي للذات ،أي تحقيق الذات وفقاً للمعايير الاجتماعية والأخلاقية القائمة والمُنتشرة في المُجتمع(روجرز،1959) . يصل العميل إلى مرحلة الفهم والاسْتبصار بأسباب مشكلته، اذا اسْتطاع أن يَفهم ذاتَه الحقيقية، ويَتعرف عَليها أثناء اللقاءات الإرْشادية من خلال الإمكانيات ،القدرات والظروف التي يُشير اليها في هذه الجَلسات.أما الهدف من هذا العلاج (الفهم والاستبصار ) ،هو مساعدة المسترشدالعميل لكي يصبح قادرًا على الأداء والانجاز الكامل ومساعدته في حل مشكلاته بواسطةٍ الكشفٍ عن الذَّات الحقيقية له وتُصبح لديه القناعةُ والقدرةُ لعدم الانْصياع الآلي لتَّوقعات الآخرين وبهذا يَصل الفرد لتحقيقِ ذاتِه وهذا الشَّخص يتميز بالصفات التَّالية:
يكون منفتحا على الخبرات ،يمتلكُ الثقة بالنَّفس، يَمتلك القدرة على التَّقييم الذَّاتي ويَمتلك الاستْعداد للتَّحول والتَّغيير بصورة عَقلانية مع استعمال التفكير .
يعتقد روجرز، أنَّ الإنسان لديه دافعٌ فطري لِتحقيق ذاتِه، وان الفَشل أو الإحباطات التي تَعترضُ طريقَ تَحقيقِ ذاتِه ، تؤدي إلى ظهورِ الأعراضِ أو المُشكلات المَرضية لَديه(الزيود، 1998).
ترتبط نظرية "الذات" بدراسات ابراهام ماسلو (1908-1970) الذي ،اهتم في دراسة الأفراد الذين يعملون في مجالات مختلفة ويعانون من مُشكلاتٍ نتيجة عَمَلهم .
لقد قام ماسلو بعدة دراساتٍ، أجراها عَلى الشَّخصيات المَشهورة والمُبدعة، من أجل معرفة الكيفية والنَّوعية التِّي يُحققون بها الإنْجازات في مجالات أعمالهم. فتوصل إلى أن السَّعي لتحقيقِ الذَّات Self- actualization، هو العُنصر الذي يؤثر في هذه الانْجازات ، كما أشار ماسلو(1943)، إلى أن ،الشَّخص الذي يُحقق ذاتَه هوَ الشَّخص الذي لديه دافعٌ للإبداع واسْتخدام جَميع إمكانياتِه في عمله ، مِهنته ووظيفتِه.
أما جان جاك روسو مؤسس "الفلسفة الطبيعية ".يرى انَّ التَّوجيه في التَّربية يَرتكز على العَطف والتَّوجيه غير المباشر ،ويرى بالتَّعليم عَملية طبيعية هَدفها دفع الفردِ للنُّمو الطَّبيعي ،كما ان معرفة ميولِ الطفل تُسهل تحقيق هذا الامر ،أما وظيفة المُعلم فهي الاشْراف والتَّوجيه للطالب لينمو نُموًا طبيعيًا وسليمًا، دون ضغطٍ أو إجبار.
آمن روجرز بان الفرد قادرٌ أن يصلَ الى فهمِ ذاتِه بشرط ان َتتوفرَ الظُّروف الملائمة والجو الدافئ الذي يسمح له بحرية الكلام ويقوم المرشد المُعالِج باظهار عبارات كانَ قد نطق بها المُعالَج يرددها ويشدد عليها، مع عدم التوجيه ،النصح والتفسير والإرشاد المباشر وبهذا الأسلوب الكلامي ، يصل المعالج لفهم لطبيعته ويساعد في تحقيق الذات وحمايتها وتعزيزها "
Actualize, maintain and enhance the self
كما يُسهم هذا الفهم ، في تكيفه مع البيئة وابعاد القيم والاتجاهات الدخيلة على شخصيته التي لم تَتولد من خبراته المباشرة، انما هي من البيئة المحيطة من الوالدين وجماعة الاقران ،هذه الخبرات الدخيلة تؤدي الى حالات من الصراع القلق وشخصية تعاني من الانقسامات والصراع.لذلك التربية اللا توجيهية تتسم باكتشافِ الفرد لمشاعره مما يُسهم في بناء شخصيته بشكل ايجابي .
لقد انتشرت نَظرية الذَّات لعدة اسباب أهمها : سهولة استعمالها ، انها تتلاءم مع الاسلوب الديمقراطي ،تعطي الحرية للتعبيرالبَناء عن الرأي، وتَحرصُ على تَغيير الشَّخصية اكثر من نظرية التَحليل النَّفسي ولهذا تعتبر نّظرية تفاؤلية(العامري ،2000)
اما ساندر، فيعتقد ان هذه النظرية من الصَّعب تطبيقها مع المُسنين ،منخفضي الذكاء والذين يعانون من اضطرابٍ في الكلام،اما دولارد وميللر فقد اعتبراها، نَظرية تَعلمٍ لأنها تتناول النُّضج النفسي (الزيود، 1988).
كما ان النَّظرية تَرتكز على العلاج المَشروط بتوفر التَّقبل الايجابي والتَّعاطف ،فاذا نقصَ واحدٌ من العنصرين فان العلاجَ لن يَتحقق دولارد وميلر (1950) .
أُسس نظرية الذات وانْعكاسها في التَّربية اللاتوجيهية :
تنعكس هذه الأسس من خلال فحوى العلاقة بين المعلم والطالب ، وهي :
*أن يستند المعلم على المَنطق ،في المُمارسات والأدوات التي يَستعملها .
*ان يكون المُعلم مَوضوعيًا ،لا يتعامل من خِلال قيمه واتْجاهاته الخاصة ،حتى يَندمجَ مع المتعلم.
*ان يحترم المعلم التلميذ بلا شروط مُسبقة .
*عدم استعمال التَّوبيخ او الإطراء مما يَمنح المتعلم الشُّعور بالثقة .
*خلق علاقة وتواصل بين المعلم والمتعلم .
*تسليط الضُّوء على تَجربة المُتعلم لإخراجِه من المُشكلة وحلها ،بهدف التأقلم مع الصعوبات المختلفة .
ان هذه الاسس نابعة من ايمان روجرز ، بان التَّربية تَرتبط بصفات المُعلم وقدراتة الشَّخصية ،اتجاهاته ومواقفه المشجعة للتَّعلم الحر للطالب، وليس على معرفتِه وقدرتهِ باستعمال تقنيات المعرفة. كما تُعطي التَّربية اللا توجيهية أهمية كبيرة لِفحوى العلاقة بين المُعلم والمُتعلم ،المعلم لا يفرض على المتعلم عملا مادة او استعمال تقنية او اداة .لا يُمارس أي سلطةً او هيمنةً على المتعلم،وتَتلخص هذه العلاقة بما يلي:
أن يتقبل المعلم التلميذ كما هو ،أن يتفهم المعلم الطالب ويدخل الى عالمِه الشَّخصي.
أن يستمعَ المُعلم للتلميذَ حتى تنْكشف للمعلمِ جوانب شخصية التِّلميذ من خلال الفاظِه بصورةٍ تلقائية Spontaneity،أن يَمتلك المعلمُ القدرة على التعَّاطف "الشُّعور الوجداني " Empathy مع المتعلم،وهذا التَّعاطف يُؤدي الى انْفتاح الذَّات ،إبداعها وتطورها ،يجب ان تكون علاقة المعلم بالمتعلم واضحة وواقعية وأن يَعكس المُعلم افكارَ المُتعلم من خلال فَهمه لهذه الافكار ، ليعطيه ِفرصةَ التَّعبير الحر عنها.
اسهامات النظرية اللاتوجيهية التربوية تُسهم النَّظرية اللاتوجيهية في التَّربية ،بتعزيز تَطور وبناء الشَّخصية ،نُموها وابداعها ، هذا التطور، يرتبط بعدة شروط :
1) تنمية مفهوم الذَّات الايجابي والواقعِي عند المُتعلم ،لأن مفهوم الذات أهم من الذَّات الحقيقية في تقرير السلوك ،أما الإحباط ، يؤدي إلى عدم فهم الذات ،وعدم إشباع الحاجات الاساسية لدى الفرد(زهران،1982).
2) تحقيق الأمان النَّفسي للمُتعلم ،هذا الأمان يَنبع من شُعور الفرد بانه ذو قيمة ولديه قدرات كامنة على الرغم من ظروفه وسلوكه ،فهذا يؤدي بالمتعلم للبحث عن طرق لتحقيق الذّات بطرقٍ تلقائية وجديدة.
3) توفيرمناخ يَنْعدِم فيه التَّقييم الخارجي والأحكام مما يُشجع الفردعلى التَّوازن والإبداع لشخصيته لأن الاحكام الخارجية تُعتبر تهديدًا للمُتعلم وتؤدي لاتْخاذ موقفٍ دفاعي من قبل المتعلم .
4)إعطاء الفُرص للمُتعلم، للتَّعبير بشكلٍ حر وهذا يؤدي الى انفتاح الشَّخصية وابداعها.
أستنادًا لهذه االشروط فأن مَناهج التَّربية الحديثة، تَرتكز على مجموعةِ من المبادئ، وهي :
1) دراسة شَخصية الطفل من ناحية نَفسية واجتماعية، 2) الاهْتمام والعناية بالبيئةِ التَّربوية للطفل ، 3)جَعل المُتعلم مسؤولًا في العَملية التَّعليمية التَّربوية ، 4)إعطاء المُتعلم القدر الكافي من الحريةِ الجسمية العقليةِ والتعبيريةِ ، بهدف تَطَور الطَّاقات الكامنة وانْطلاقها ، 5) اسْتثمار هذه الطاقات وتوظيفها في عملية التَّعلم، 6)التَّعلم بالخبرة وتّعلم الحياة من خلال الحياةِ نفسها.
7) تحقيق الذات عند المتعلم.
إجمال- تعتمد التَّربية اللا توجيهيىة على الفّرضية الأساسية ِ،أن الطالبَ يَمتلكُ الرَّغبة بشكلٍ تلقائي في التَّعلم دون إجبار، إكراه او اي عامل خارجي .استنادًا لهذه الفَرضية فان التَّعلمَ عِند المُتعلم ،هو نشاطٌ ذاتي وتجربة شخصية يُمارسها المتعلم نفسه .لذلك على المَدرسة تَهيئة الجو التَّربوي المُناسب ، الذي يؤدي الى التَّعلم بصورةٍ لا توجيهية ويَسمحُ للمتعلم أن يَتعلم إستنادًا لميولِه الطبيعية بنفسه ،وهذا الجو التربوي يُركز على تَسهيل مرحلة التَّعلم وليسَ على عمليةِ التعليم وحشو المعلومات في رأس التِّلميذ، لكن هل نستطيع ،في هذا العصر ،التعامل من خلال هذا النَّهج التَّربوي كليًا في العملية التربوية مع جميع فئات الطُّلاب وفي كل المجتمعات ؟

المراجع
1)الزيود "نادر ،نظريات الارشاد والعلاج النَّفسي ،دار الفكر الاسلامي الحديث ،1988
2)ألعامري ، منى. فعالية الإرشاد النفسي العقلاني الانفعالي و العلاج المتمركز على العميل في علاج بعض حالات الإدمان .معهد دراسات و البحوث التربوية . القاهرة (2000)
3) زهران عبد السلام، الصحة النفسية و العلاج النفسي،عالم الكتب،القاهرة:2005.
4) زهران، عبد السلام التوجيه والإرشاد النفسي،الطبعة الثانية ،القاهرة:عالم الكتب،1980م.
5)زهران، عبد السلام.. التوجيه والإرشاد النفسي. عالم الكتب. القاهرة، مصر1982
6) عبد الستار، إبراهيم .العلاج النفسي الحديث،عالم المعرفة.كويت:1980.
7)موسوعة “ذخيرة علوم النفس للدكتور” كمال دسوقي- المجلد الثاني-

بالانجليزية
1)Dolard ,j ;Miller, Neel, E. Personality and Psychotherapy:analysis in terms of learning , thinking and culture.macgraw-hillpublications in psychology. (1950)New York:McGraw-Hill
Maslow, A. H. A theory of human motivation. (1943) Psychological Review .
2)McLeod, S. A. Maslow"s hierarchy of needs. (2018, May 21). Simply psychology: https://www.simplypsychology.org/maslow.htm

3)Rogers, Carl. (1959). A Theory of Therapy . Personality and Interpersonal Relationships as Developed in the Client-centered Framework. In (ed.) S. Koch, Psychology: A Study of a Science. Vol. 3: Formulations of the Person and the Social Context. New York: McGraw Hill.

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com       

إقرا ايضا في هذا السياق:

تعطيل الدراسة في مدرسة عرعرة النقب الثانوية