منبر العربHyde Park

ضبع صرطبة/ قصة بقلم: ناجي ظاهر
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
غيوم متناثرة
18

حيفا
غيوم قاتمة
18

ام الفحم
غيوم قاتمة
19

القدس
غيوم متناثرة
19

تل ابيب
غيوم متناثرة
19

عكا
غيوم قاتمة
18

راس الناقورة
غيوم قاتمة
19

كفر قاسم
غيوم متناثرة
19

قطاع غزة
غيوم قاتمة
19

ايلات
غيوم متناثرة
23
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

ضبع صرطبة/ قصة بقلم: ناجي ظاهر

كنت في الخامسة او اقل قليلا عندما عاد ابي من عمله في حيفا حزينا متعبا. سالته امي عما به فاجابها انه اختلف مع معلمه ابي داوود، مضيفا باسى واضح انه بات حاليا عاطلا بلا عمل.


كنت في الخامسة او اقل قليلا عندما عاد ابي من عمله في حيفا حزينا متعبا. سالته امي عما به فاجابها انه اختلف مع معلمه ابي داوود، مضيفا باسى واضح انه بات حاليا عاطلا بلا عمل. مضت الدقائق يومها في بيتنا ثقيلة بطيئة فماذا بامكاننا نحن ابناء العائلة المهجرة من قريتها سيرين ان نفعل؟ واربد وجه كل واحد منا نحن، امي وابي، خالي عوض وانا. وبدت الحيرة على وجوهنا. كان ابي يعمل وبالكاد يمكننا دفع مقابل ايجار البيت والمصروفات الضرورية، اما الان فقد عاد وجودنا الى عهده السابق ايام اتينا من قريتنا وافترشنا الشارع القريب من احد المطاعم في مركز مدينة الناصرة . بانتظار معجزة لا تاتي. يومها في اواسط الستينيات سافر ابي الى حيفا، وقف كما فعل كثيرون غيره في ساحة الحناطير وجاء بعدها ابو داوود، ساله هل تريد ان تعمل في الفاعل؟ اجابه ابي نعم. اعتلى ابي صندوق ال سيارة اضافة الى عاملين سيذكرهما كثيرا فيما بعد احدهما من صندلة والاخر من المقيبلة، وانطلقت السيارة بهم جميعا الى ان توقفت قرب بيت آيل للسقوط، وابتدؤوا جميعا يهدمون البيت وينقلون حجارته الى مكان اخر، بقي ابي ابن الخمسين حينها، يعبي قفة التراب ويقذف بها الى الصندوق الخلفي للسيارة/ الشاحنة الى ان تشاحن في ذلك اليوم المشؤوم مع معلمه ابي داوود، فترك العمل مضطرا، وعاد الى بيتنا في الناصرة يجرجر اذيال خيبة لا حدود لعمقها واساها.
بقينا نحن ابناء الاسرة المهجرة في الساعات التالية مفتحي الاعين، لم يغمض لأي منا جفن، ومن المؤكد ان كلا منا كان يطرح السؤال الصعب عما يمكننا ان نفعله، فمن اين ندفع اجرة البيت والشهر ورا الباب سرعان ما ينتهي ليأتي مؤجره ويطلب مقابل تاجيره لنا واذا ما حصل وتأخرنا يوما او يومين في الدفع، فانه يقف متخنصرا ويهتف بصوت مزعج" اللي معهوش بلزمهوش"، كانت امي المسكينة تتضرع اليه طالبة منه ان يصبر قليلا، ريثما يقبض ابي ماهيته وتدفع ما يطلبه مع حبة مسك، ودون اي تأخير اضافي. اما الآن فقد تعقد الامر. نهاية الشهر ستاتي قريبا، وسوف نواجه خطر الطرد من بيتنا مجددا.
"ما اصعب هذا"، هتفت امي بوجه والدي.
وسمعت ابي يصبرها قائلا: "بفرجها الله".
ردت امي: وكيف سيفرجها.. وقد توقفت عن العمل.. وغدا لن نجد ما نقتات به.
مضت اللحظات تنخر في روح كل منا.. مؤكد ان ابي كان يفكر. وامي تفكر وخالي عوض يفكر. وانا ايضا افكر، فقد كنت اكبر من عمري بكثير وكنت اتحدث بحكمة دفعت امي لان تقول ان هذا الولد ولد ختيارا. بل انها لم تتردد في لفت نظر الجارات الى ان الختيار، حضرتي، قد دخل البيت فانتبهن لكل كلمة تفهن بها والا فانه سينشر الكلام على اشجار غابة صرطبة وسوف تنقله الاهواء الى كل مكان يمكنها ان توصله، ما قد يتسبب في فضيحة نحن في غنى عنها.
مضى الجو مشحونا قلقا.. وكان السؤال ماذا بامكاننا ان نفعل هو سيد الموقف والالم. وجاء الجواب على هذا السؤال القاتل من ابي. قال لامي:
- غدا سأشرع في ابيع العرق سوس.
- ومن أين تأتي به؟. ردت امي.
قال أبي: سأتوجه الآن في هذا الليل الى غابة صرطبة وسوف احفر هناك في ارضها لاستخرج منها ما يفي بالغرض. اذا توفقنا الليلة واحضرنا جذور العرقسوس.. سنحاول صنع مشروب منعش يُقبل الناس على شرائه وشربه. ساخفض السعر الى اقصى حد. سابيع الكثير وسأربح الكثير.
ردت امي: الفكرة معقولة.. لكن الا تخشى غول صرطبة؟
قال ابي: انه ارحم من غول البشر.. لن اسمح بان نتبهدل اكثر.
- هل ستقوم بهذا وحدك؟ سألته امي.
فرد قائلا: لا ساصطحب اخاك عوض. يكفي اننا تحملناه بعطله وبطله حتى بلغ الاربعين. مؤكد انه بامكانه مساعدتي. واضاف بعد صمت متوتر: ساصطحب صغيرنا ايضا.
عندها استندت امي في فراشها: دع ابننا فانه صغير ولا يتحمل مثل هكذا مشاق. ثم ان ضبع صرطبة قد يتعرض لكم.. ماذا ستفعل عندها؟
ورأيت أبي هنا وهو ينتصب واقفا: اسمعي يا بنت الحلال.. صحيح ان ابننا ما زال غرا صغيرا.. الا انه يجب ان يعرف ال حياة ويخبر مشاقها منذ الان.. الا تريدين ان يصبح رجلا قوي البأس ويمكنه مواجهة المصاعب والمشاق؟
صمتت امي لحظة وعادت تردد: لكنه ما زال صغيرا.
بدا ان والدي لم يصغ الى كلمات امي. وقف. ارتدى بنطاله البريتشز.. عندها شاهدت خالي عوض يهرع الى خزانتنا مخلعة الابواب ويتناول بنطلونه البريتشز، خلال لحظات كان الاثنان يبدون مثل فارسين بريطانيين من الدرجة الاولى. وفاجأت الجميع خاصة امي، وانا اتناول بنطلون البريتشز الخاص بي، لقد احضره ابي لي من سوق الرابش في حيفا، خلال ثوان كنا نحن الثلاثة نشكل مجموعة اشبه ما تكون بكتيبة مصغرة تستعد لخوض معركتها الكبرى. في محاولة منها للتأثير علي: جرت امي وراءنا واستوقفتني قائلة: إلى أين أنت ماض يا مهجة قلبي في هذا الليل، فرددت عليها باجابة اعتقد انها كانت تتوقعها لمعرفتها العميقة بي، قلت: انا لا يمكن ان اترك ابي وخالي يذهبان في هذا الليل وحيدين.. لا بد من ان ارافقهما.. وأكدت لامي انني ذاهب الى رجولتي.
سلّمت امي اخيرا بالأمر الواقع وواكبتنا حتى غبنا عن انظارها.. كان الليل مخيما على الكائنات.. وكنا ننطلق في طريقنا الى صرطبة. انطلقت برفقة ابي وخالي وكلي عزم على ان اساهم ولو بقسط يسير من معركة الوجود. وجودنا. ولم التفت الى الوراء ليقيني انني سارى دمعة في عيني امي.. قد تضعفني.. فاعود من رحلة رجولتي قبل ان تبدأ.. واغدو بالتالي طفلا صغيرا.. يقف جانبا وينظر الى مواجع اهله دون ان يقدم شيئا..

انطلقنا نحن الثلاثة من ليل صعب تركناه وراءنا، الى ليل اصعب ينتظرنا، هناك في صرطبة، وكنا ننتقل من رحبة الى شارع ومن سهل الى مرتفع، كنا نحن الثلاثة خائفين، ولولا الامل المتوقع امامنا ما واصلنا المسير. كنا نرسل نظراتنا الى كل مكان. الى الاشجار المسترخية في العتمة والى البيوت البعيدة وراءنا.. انتقلنا من طريق الى سبيل وكان الواحد منا يمد يده في الظلام و.. بالكاد يراها. ويبدو ان خوفنا هذا افزع بومة على شجرة فاطلقت صرخة جمدت كلا منا في مكانه.
"لا مجال للرجعة"، قال ابي وتابع، علينا ان نصل بسرعة الى اعماق الغابة. هناك تحت شجرة كبيرة معمرة توجد جذور العرقسوس، سنبحث عنها بايدينا واظفارنا حتى نعثر عليها.. ورفع يديه ضارعا الى الله: يا رب نطلب منك التوفيق.. نحن لا نطلب الغنى وانما نطلب السترة. وتوجه خالي عوض إلى أبي: هل ترانا نتوفق في هذه الليلة بجمع ما نريد.. ونبيع العرقسوس غدا؟ رد والدي: علينا ان نبذل المجهود اللازم. لو كان الامر يحتمل التأجيل لأجلناه إلى الغد. يللا يللا اسرعا. الوقت لا ينتظر.
ما ان نطق ابي بهذه الكلمات المستنفرة، حتى تحرك جسم مشبوه في الاجمة القريبة. تجمدت من الخوف. فقال ابي لا تخف. نحن اوشكنا على ان نصل إلى أعماق صرطبة. وبالفعل لم تمض سوى لحظات حتى حططنا الرحال تحت الشجرة الكبيرة المعمرة في اعماق الغابة. قال أبي وهو يفترش الارض، غير عابئ بشيء آخر غير التمكن من جمع ما يحتاج اليه من جذور العرقسوس. وطلب منا انا وخالي ان نجمع ما يتوفر من أحطاب قريبة ليشعل النار فيها،"الضبع لن يقتحم مكانا تشتعل فيه النار الوقادة"، قال أبي. بعد لحظات قليلة كنا قد تمكنا، انا وخالي، من جمع كومة من الاحطاب، وضع ابي سيجارة نوبلس في فمه واشعلها، بعدها ضغط على القداحة بيده مُدنيًا اياها من الاحطاب، بسرعة قياسية اشتعلت النار وارتفعت تحت الشجرة العالية. انقلب الظلام الى شبه نهار، فطلب منا ابي ان نخمد النار قليلا وان نخفض من ارتفاعها حتى لا تحترق الغابة. فتناول كل منا بمن فينا أبي هذه المرة عصا غليظة ورحنا نحاول تخفيف غلواء اللهيب. ثلاث ضربات تلتها ثلاث اخرى فاخرى، مكنتنا من تحقيق هدفنا. في تلك اللحظة بات كل شيء واضحا. مدّ ابي يده الى الارض وراح يحفر، وكذلك فعلنا انا وخالي"ثلاثة ايدي ليست مثل يد واحدة" قال والدي وتابع مشجعا ايانا، خالي وانا، "غدا منذ طيز الليل سنكون في الكراج ننادي عرقسوس عرقسوس.. وسوف ينهال علينا العمال المتوجهون الى حيفا انهيال الناموس على الهريسة.. كما قلت لكما سنبيع بسعر معقول، سنبيع كثيرا وسنربح الكثير. يللا احبائي.. يللا شدوا الهمة. الهمة قوية.
كلمات أبي هذه طمأنتني قليلا إلا ان خوفي التاريخي من الضبع،خاصة ضبع صرطبة، ما فتئ ان استيقظ مُجددًا. كان ذلك عندما قدحت عيناه في الظلام مخترقة خوفا تاريخيا عشش منذ بدايات تفتح وعيي على الدنيا في عظامي. قصص هذا الضبع باتت معروفة لدي ولدى ابناء عائلتي منذ كنا وكان الرحيل. فقد اكل فارسا كان في طريقه من دبورية الى الناصرة. باغته في ليلة ليلاء مثل هذه واخذ يرشقه ببوله متوسلا بذيله حتى اسكره، فما كان من ذلك الفارس المقدام الا ان تحول الى وجبة دسمة لذلك الضبع. وذات يوم ساق الجوع ضبع صرطبة إلى شجرة الشتولة، في سهل دبورية وهناك اقترب من جندي كان نائما تحت الشجرة، وضبعه ببوله كما فعل مع ذلك الفارس، ولم يترك منه سوى بسطاره وقطعة من رجله، ويقال انه عاد في الليل التالي ليجهز على ما تبقى من الجندي. وكنت كلما استمعت إلى هذه الحكايات الضبعية وامثالها اشعر بخوف لا يتصوره العقل ويعلو على مستواه. وكثيرا ما كنت احلم بذلك الضبع في ليالي الشتاء الباردة..، كان يقترب مني بوبره المرعب، وكنت ما ان اشعر به يفتح فمه ليشرع في قضم عظامي.. حتى تأتيني قوة جبارة.. غير واضحة المصدر.. فاتناول قداحة/ ولاعة، خبأتها لهذه الغاية واشعل النار بفروة ذلك الضبع الجائع. كان الضبع حينها يشرع في العواء.. ويولي وسط خوفي واحتباس الكلام في حلقي. فاستيقظ لتستيقظ امي الى جانبي مبسملة مهللة.. عندها كنت انام انا وخوفي، ليستيقظ خوفي مجددا بعد سماعي هذه الحكاية او تلك من حكايات ضبع صرطبة التي لا تنتهي.

واصلنا نحن الثلاثة الحفر بقوة من يريد ان يحقق امل العمر في الهواء والماء والعرقسوس، وفوجئنا بالضبع ينتهز خفوت اوار النار ويقترب منا. التصقت بأبي خائفا مرتعدا، فاحتضنني مربتا على ظهري: لا تخف يا صغيري.. انا معك.. وتوجه إلى خالي: يبدو ان هذا الملعون ابتدأ يتحول الى ضبع كاسر.. الله يستر منه هذه الليلة ومما قد تأتي به من ويلات. لم يُحر خالي جوابا هذه المرة وبادر الى جمع بعض من الاحطاب. سرى حماس الشباب في جسد ابي فهرع يجمع المزيد من الاحطاب. ويبدو ان ابا الحسن استغل فرصة ابتعاد ابي عن النار وعنا انا وخالي، فرشق ابي ببعض من بوله. ترنح ابي في مكانه وأوشك ان يسقط على ارض الغابة. عندها لم يكن امامنا الا ان نهرع اليه. نقيله من عثرته، ونقدم اليه الماء الزلال. صحا ابي واعدناه بالتعاون مع ما جمعه من احطاب بعضها يابس ويعضها الآخر في طريقه الى اليباس، اعدناه إلى تحت الشجرة الكبيرة، واشعلنا النار مجددا.. لنتابع الحفر مجددا.. لم يكن أمامنا من مفر سوى متابعة الحفر.. ونحن لا بد من ان نحقق هدفنا قبل بزوغ الفجر.
ما ان سرى الهدوء في اجسامنا قليلا حتى عاد إلى سابق قلقه وخوفه الرهيب. كان ذلك عندما ظهر الضبع مجددا. كانت عيناه تلمعان بشهوة جارفة إلى اللحم البشري، لحمنا"يبدو انه لن يتركنا هذه الليلة.. انه جائع شديد الجوع.. الضبع عندما يجوع ينسى خوفه ويهرب الى الامام ليفترس كل ما يقع في طريقه. هكذا قال لي اخواني في العمل من صندلة والمقيبلة. بل ان ابا داوود اضاف قائلا ان الضبع عندما يجوع حقيقة ينسى ربه خالقه.. ويهجم..
ازداد حفرنا في ارض صرطبة وازدادت هجمات ذلك اللعين علينا. عندها لم يكن من مناص امام والدي الا اتخاذ القرار الاصعب في حياته. توجه الى خالي عوض:
-هذا الضبع لن يتركنا وشأننا.. وسوف يفترسنا جميعا..
"ماذا تقصد بهذا؟" سأله خالي وهو يرتعد فرقا وحزنا.
عاد ابي يساله: انني ادرك كل ما يجري.. اذا بقي الوضع على ما هو عليه.. سيفترسنا الضبع جميعا ولن يعود الى بيتنا المغبِّر. لقد فكرت طويلا.. امامنا امكانية واحدة اذا ضبطت عدنا الى بيتنا وبعنا العرقسوس غدا سالمين غانمين.. اما اذا اخفقت فإنني اطلب منكم ان تسامحوني.. وان تديروا بالكوا على بعضكم البعض.. وصاتك اختك وصغيرها. لم يعد امامنا سوى ان يضحي احدنا بنفسه من أجل الآخرين.
وضع أبي يده على فم خالي محاولا اسكاته وشرع في خلع ملابسه. خلال لحظات كان أبي يقف عاريا كما خلقه ربه، كان يشكل منظرا كاملا متكاملا مع الغابة واشجارها الباسقة. وقبل ان يفوه ايٌ منا بكلمة اضافية اخرى، سار والدي باتجاه الضبع. سار بخطى ثابتة.. خطى من تأكد انه بامكانه أن يقنع الضبع بالعدول عن تناولنا وجبة دسمة. وقف أبي قُبالة الضبع وكان يظهر ظله في النار ضخما وعظيما. وقف كل منهما.. أبي والضبع يحدق في الآخر. هل خربط أبي بجسارته حسابات ذلك الضبع.. ربما.. لا ادري.. غرس أبي عينيه في عيني ذلك الشرس الجائع، واستمعت اليه كأنما هو يتحدث اليه الان، قال مستعطفا اياه: مهلا ابا الحسن. مهلا يا اخي في الجوع.. ترفق بي.. وفقك الله ورعاك هناك وفرة من الفرائس في هذه الغابة.. دعني أكمل رحلتي مع احبائي.. بنادقهم يا ابا الحسن اخطأتني فهل تطالني انيابك.. استحلفك الله ان ترأف بنا.. ما رأيك أن نكون ابتداء من هذا الليل الدامس صديقين.. تعال يا حبيبي.. الا تشفع لي انسانيتي لديك.. تعال تعال نم هنا.. وراح ابي يُمرّر يده على فروة وجه الضبع، فيما استكان الضبع الى حركته قليلا.. وقبل أن نشعر بشيء من الامان.. راح الضبع يرشق ابي ببوله المُسكر.. ومضى مختفيا بين الاشجار فيما سار ابي وراءه ناسيا كل ما خلفه من بشرٍ مُحبٍ وشجرٍ وارف.

ولىّ أبي ماضيا وراء ضبع صرطبة.. وبقينا انا وخالي وحيدين.. وبيننا وصية.. ان يدير احدنا باله على الآخر. إلى أين ذهب أبي؟ وهل سيتمكن من مُلاينة الضبع كما فعل اجدادُنا؟ سؤال الح علينا نحن الاثنين المتبقيين، ولم نحظ بأية اجابة عنه.
انتصف الليل أو عاد، واشتد ظلام الغابة حولنا. بعد غياب قليل عاد الضبع إلى حيث نبحش باحثين عن جذور العرقسوس.. تحت الشجرة الاكبر في وسط الغابة. فما كان منا إلا أن بحثنا عن المزيد من الاحطاب واضفناها إلى موقدة النار الملتهبة بالقرب منا. وتابعنا الحفر.. لقد توفر لدينا الآن كمية لا باس بها من الجذور.. علينا أن نواصل.. بعد ساعة أو ساعتين تبزغ تباشير الفجر الاولى.. عندها سنحمل ما توفر لدينا من غنيمة، وسوف نعود به لنُصنّعه بسرعة تمهيدا للانطلاق إلى منطقة الكراج حيث ينطلق عمال بلدتنا إلى حيفا للعمل هناك..
سألني خالي:
-ما رأيك أن نغادر الآن.. لقد توفر لدينا ما يكفي من الجذور. أعرف أنك تفهم كلامي جيدا.. بالنسبة لأبيك إذا كتبت له الحياة سيلحق بنا.. وإذا..
وضعت يدي على فم خالي: ارجوك لا تقل.. إبق صامتا.. لا أريد أن أسمع خبرًا مكروهًا عن أبي.. أبي تمنى دائما أن يعود إلى سيريننا.. وأنا أتمنى أن تتحقق عودته..
صمت خالي وهتف بي بعد لحظة صمت. قال: ما رأيك أن نغادر على أن نعود نهارًا فيما بعد..
وقبل أن ارد جوابًا طلب مني أن أمضي أمامه.. باتجاه البيت. ما أن وضع كل منا قدمه على سبيل العودة تاركين وراءنا النار المشتعلة، حتى تجرأ الضبع علينا مجددًا وشن هجمة لم ار مثلها إلا في كوابيسي السابقة. ارتبط لساني وجف ريقي. خالي أيضًا ارتعب إلا أنه تماسك حتى لا أنهار وينهار هو بالتالي فيغتنم الضبع الفرصة ويجهز علينا نحن الاثنان. عدنا إلى حيث كنا تحت الشجرة ألقينا حملنا من الجذور على الأرض، أضفنا إلى النار المزيد من الحطب، والتصق كل منا بالآخر يريد أن يحميه برمش العين. "نحن يجب أن نمضي هذه الليلة القاسية الصعبة. وإلا هلكنا جميعا. بقي الضبع يلف ويدور حولنا. أيقنا عندها أننا محاصران واننا لن ننجو إلا بأعجوبة تجود بها علينا السماء. لقد بات واضحا لكل منا أننا نواجه قدرًا أحمقَ الخطى. وأنه لا مفر أمامنا سوى الصبر.
لف الضبع ودار حولنا عدة مرات كأنما هو يريد أن يضمن نصيبه منا قبل هروب فلول الظلام الاخيرة وبزوغ الفجر. كان كلما مضى الوقتُ يزدادُ شراسةً. وكنا في المقابل نزداد خوفا وفرقا. رفع خالي يديه عبر سدف الظلام وقال من أعماق رغبته في الحياة: ساعة واحدة يطلع النهار ويفل هذا الحيوان الكاسر..امنحينا ساعة واحدة من الفرج ايتها السماء. لم تستجب السماء لطلب خالي وبقي الظلام مطبقا على الغابة بأشجارها وكائناتها النائمة في ليلنا الفظ القاسي. وعاد أبو الحسن يلف ويدور حولنا كأنما هو لا يريد أن يتنازل عن غنيمته القريبة منه البعيدة عنه في الآن. آه يا ابا الحسن. لماذا تزداد وحشية كلما اقترب انتهاء الليل ودنا منا النهار؟ وبدا خالي كمن خارت قواه. توجّه الي وهمس في أذني من أعماق كينونته. قال:
-يبدو أنه لن يتركنا.. وأنه سيجهز علينا قبل طلوع النهار. لا بد من أن نفعل شيئا.
سألته:
-ماذا بامكاننا أن نفعل.. وهو يضرب كل هذا الحصار علينا؟
هرش خالي شعره الكثيف. وسأل:
-سمعت أباك عندما اوصاني بك وباختي.. امك.
رددت:
-نعم سمعته..
قال خالي بصوت لن أنساه ما حييت:
-سأحاول أن أكسب الوقت بالضبط مثلما فعل أبوك بشجاعة نادرة..
صحت بخالي:
-هل ستقدم نفسك وجبة للضبع؟
غرس خالي عينيه بعيني:
-لا توجد أمامنا سوى هذه الامكانية.. وإلا اكلنا معًا. أنت يجب أن تعيش.. هل تفهم معنى هذا الكلام.. أنت يجب أن تعيش وأن تواصل رسالتنا جميعا.. يجب ان تعيش.. فهمت؟
مثلما فعل أبي بالضبط، شرع خالي بخلع ملابسه، وتقدم خطوة نحو الضبع. كان المنظر رهيبًا كان خالي يتقدم من الضبع قبالته عاريًا وكان الضبعُ يُحِّركُ رأسَه مُنتظرًا مُترقبًا.. بقي خالي يقترب منه.. وبقي الضبع واقفًا مكانه. مدّ خالي يده إلى خد الضبع وراح يربت عليه.. أهلا أبا الحسن أهلا حبيبي.. أنا آت إليك من تلقاء نفسي.. أريد أن اتصالح معك.. أين أخذت زوج أختي.. في أية أكمة خبأته.. كان خالي ينطق بهذه الكلمات الآسية الحزينة وتلوح على محياه علامات الأمل.. تحدث خالي إلى أبي الحسن برقة ليست غريبة عليه.. واستمع هذا اليه كأنما هو يفهم ويعقل ما يقوله.. وحانت اللحظة الحاسمة.. دار الضبع حول خالي عدة دورات.. بال على ذيله وراح يرشق وجه خالي مُسلطًا بوله على أنفه تحديدًا.. بدا خالي كمن فقد السيطرة على نفسه.. انطلق الضبع مختفيًا بين الأشجار.. وانطلق خالي يركض وراءه.. عندها أيقنت أن حياةً جديدةً كتبت لي.. كتبها أبي وخالي.. وشرع الفجر بالبزوغ.. حملت حزمة الجذور وانطلقت نحو بيتنا.. شاعرا بالخسارة الكبرى.. وتحدوني الحياة.

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
ناجي ظاهر
هكذا استقبلت طمرة د. هبة يزبك