رأي حرOpinions

تشديدُ العقوبات ليس رادعًا للجريمة/ رغدة عوّاد
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
غائم جزئي
17

حيفا
غيوم متناثرة
17

ام الفحم
غيوم متناثرة
17

القدس
غيوم متناثرة
17

تل ابيب
غيوم متناثرة
17

عكا
غيوم متناثرة
17

راس الناقورة
غائم جزئي
17

كفر قاسم
غيوم متناثرة
17

قطاع غزة
غيوم متناثرة
16

ايلات
غيوم متفرقة
22
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

لهذه الأسباب لا يشكّل تشديد العقوبات القانونيّة رادعًا للجريمة والعنف!/المحامية رغدة عوّاد

يشهدُ مجتمعنا العربيّ أحداث عنفٍ وقتل شبه يومية تشغلُ بالَ الجميع، وتحوّلتْ لحوار السّاعة في الإعلام

المحاميّة رغدة عوّاد في مقالها:

في مقالي هذا سأقومُ بتوضيح كيف ان تشديد العقوبات القانونية لا يشكّل رادعًا للجريمة، وبأحسن الأحوال يكونُ رادعًا هامشيًّا جدًا

العواقب الإجتماعيّة ووصمة العار لا تقلُّ أهمية عن العقوبات القانونية، فهي تؤثر على الوضع الاقتصاديّ والنفسيّ للجاني

إن أبحاث ودراسات تجريبية عديدة في علم الإجرام والاجتماع أظهرت أنّ تشديدَ العقوبات لا يشكَلُ رادعًا وفي أحسن الأحوال يشكّل رادعًا ضعيفًا وهامشيًّا جدًا


يشهدُ مجتمعنا العربيّ أحداث عنفٍ وقتل شبه يومية تشغلُ بالَ الجميع، وتحوّلتْ لحوار السّاعة في الإعلام، في النّشاطات الجماهيريّة والتربويّة والاجتماعات القياديّة وغيرها.

في مقالي هذا سأقومُ بتوضيح كيف ان تشديد العقوبات القانونية لا يشكّل رادعًا للجريمة، وبأحسن الأحوال يكونُ رادعًا هامشيًّا جدًا. وسأقوم كذلك بالاعتماد على نظريّات من التّحليل الاقتصاديّ الكلاسيكيّ والّتي تشيرُ إلى أنّ تشديد العقوبات يؤثّر بشكلٍ هامشيٍّ فقط على ردع الجريمة، وهذا نستطيعُ أن نعتبرَهُ ردًّا على الأصوات التي تنادي بتشديد العقوبات القانونية، اعتقادًا منها أن الأمر يشكّل حلًّا لأزمة العنف التي يشهدها المجتمع العربيّ لكونه يؤدي للتّوقّف عن اقتراف الجرائم.
إنّ أهمية البحث والقراءة في موضوع تشديد العقوبات يعود الى إمكانيّة خرق حقوق إنسانيّة في حال تم تطبيقه. فإنّه بالرّغم من اعتراف المجلس التّشريعيّ باستخدام اعتبارات الرّدع كاعتبارات للعقاب عندما يؤدي ذلك الى تعزيز أهداف اجتماعيّة ضروريّة (يمكن استنتاج ذلك من نص بنود قانون العقوبات 1977)، ولكن في حال شكّل الردع انتهاكًا خطيرًا للحقوق الأساسيّة للإنسان، يجبُ عدم استخدام هذا الاعتبار دون وجود بنية تحتية واقعية وقوية.
هل العقوبة تشكلُ رادعًا؟ اعتبارات نظريّة
إنّ ارتفاع احتماليّة الإمساك بمرتكب الجريمة يشكّل رادعًا أقوى من تشديد العقوبات، هذا لا يعني أنّ تشديد العقوبات لا يشكّلُ أيّ رادعٍ للجريمة ولكنّهُ يشكّلُ رادعًا ضعيفًا مقارنةً بما تشكله زيادة احتماليّة الإمساك بالجاني. هذا الاستنتاج يدعم التّوجّه الّذي ينادي بالاهتمام بشكل أكبر بتطبيق القوانين بواسطة السلطة التنفيذيّة وبالآليّات العلاجيّة والتربويّة والبرامج التأهيليّة وخدمات الرفاه بدلًا من الاهتمام بتشديد العقوبات.
إدعائيين أساسيين في السّياق النظريّ:
1. تشديد العقوبات يشكل رادعًا هامشيًّا جدًا بسبب الظاهرة المعروفة باسم discounting of the future أي التقليل من أهمية المستقبل، او present bias التحيّز الى الحاضر، المجرمين وكذلك المواطنين العاديين يقلقون أقل من المستقبل البعيد مقارنةً بالمستقبل القريب، وبما أنّ تشديد العقوبات يؤثّر على المستقبل البعيد، فيمكننا الاستنتاج بأنه لا يشكّل رادعًا فعّالًا وجدّيًا.
أبحاث كثيرة في علم النفس تمركزت حول "التقليل من أهمية المستقبل"، والادعاء السّائد هو أنّ النّاس يميلون إلى التقليل من شأن المستقبل البعيد، مثلًا يُفضل الشخص الحصول على 1000₪ الآن بدلًا من 1500₪ في الشهر القادم، الاستخدام العبثيّ لبطاقة الاعتماد أيضًا يعتبرُ مثالًا جيدًّا لهذا الادعاء. إنّ لتقليل أهميّة المستقبل تأثيرًا على تصرّفات النّاس، يميلُ الأشخاص الى الاهتمام والتّركيز في احتياجاتهم الآنيّة على حساب المستقبل، الاختلاف بين الأشخاص قد يكون في حدّة التقليل من شأن المستقبل، ففي حين أنّ الأشخاص غير المبالين يميلون الى تهميش المستقبل بصورة جدًا كبيرة، الأشخاص الأكثر حذرًا منهم يقللون من شأن المستقبل بشكل أقل.
لهذا الأمر -كما أسفلتُ سابقًا- تأثير على سياسة العقوبات. عقوبة السجن الفعلي قد تؤلم كثيرًا إذا كانت ستسري على الجاني غدًا، ولكنها ستكون مؤلمة أٌقلّ بكثير إذا كانت ستسري على الجاني في السّنة القادمة! ولذلك فإن السنة الثانية من السجن التي ستسري على الجاني فقط عند انتهاء السنة الأولى تشكّل رادعًا أقلّ من السّنة الأولى والتي سرى مفعولها حالًا بعد الحكم عليه بالسجن. ولذلك تشكّل عقوبة السجن الفعلي لمدة سنة واحدة باحتمالية 2% رادع أكبر من عقوبة السجن الفعلي لمدة سنتين بإحتمالية 1%. هذا لأن السنة الثانية بعيدة عن المستقبل القريب ويتم التقليل من أهميتها بعكس السنة الأولى من السجن، وإذا ما افترضنا ان المجرمين عادةً يميلون أكثر من الأفراد الآخرين الى التقليل من أهمية المستقبل بصورة جدًا كبيرة، نستنتجُ من هذا أنّ التّشديد في العقوبات في هذا المضمار لا يشكّل رادعًا حقيقيًّا بالنّسبة لهُم.
لكي نجعلَ الأمرَ ملموسًا أكثر، لنفترض أنّ العقوبة على جريمة ما هي سنة سجن فعليّ واحدة واحتماليّة الإمساك بالمجرم هي 10%. لكي نحصل على العقوبة المحتملة نقوم بعملية ضرب حسابية بين سنوات العقوبة وبين احتمالية الإمساك بالجاني، ولنفرض كذلك ان عواقب سنة السجن الأولى هي 10₪ ، وتكلفتها في السنة الثانية 5₪ ( تقل بسبب التقليل من أهمية المستقبل). إذا أردنا أن نشكًل رادعًا قانونيًّا قويًّا، يمكننا ذلك بطريقتين، الأولى أن نضاعف العقوبة من سنة سجن واحدة الى سنتين، وأمّا الطّريقة الثّانية أن نضاعف احتماليّة الإمساك بالجاني من 10% الى 20%.
دعونا نحسب متى سيكون للجريمة عواقبَ أكبر على الجاني. في الوضع الحالي العواقب المحتملة للجاني هي 10%x10= 1 (10% إحتماليّة الإمساك بالجاني ضرب 10 وهي عواقب سنة السجن الأولى تساوي 1)، ماذا فيما لو ضاعفنا عقوبة السجن الى سنتين؟ 10%X15=1.5 (10% احتمالية الإمساك بالجاني ضرب عواقب السجن لسنتين (السنة الاولى 10 والسنة الثانية 5) تساوي 1.5)، معنى ذلك ان مضاعفة سنوات العقوبة لا تعني مضاعفة بالعواقب المحتملة التي سيدفع ثمنها الجاني. بالمقابل اذا ضاعفنا احتمالية الإمساك بالجاني من 10% الى 20% فإن العواقب المحتملة التي سيدفع ثمنها الجاني ستتضاعف بدورها 20%X10=2 (20% احتمالية الإمساك بالجاني ضرب 10 وهي عواقب سنة السجن الأولى تساوي 2).
هذا المثال يُظهر مدى تأثير التقليل من أهمية المستقبل على السياسة القانونية. تقلل الظاهرة من تشكيل تشديد العقوبات المتمثلة بإطالة سنوات السجن رادع للجريمة، وكلما كان المستقبلُ بعيدًا أكثر كان تأثير هذه الظاهرة على تشكيل الرادع للعقوبة أكبر، ففي حين أن عواقب السنة الثانية للجاني تساوي 5₪ فإن عواقب السنة الثالثة هي 2₪ فقط، وكلما تقدمنا في السنوات أكثر وأصبح الحديث عن مستقبل بعيد أكثر، تأثير تشديد العقوبات كرادع يصبح أقل وأقل.
بالمقابل فإن زيادة إحتمال الإمساك بالجاني يشكّل رادعًا كبيرًا على وجه الخصوص، ولذلك من المفضّل إستغلال موارد التطبيق في زيادة احتماليّة الإمساك بدلًا من تشديد العقوبات.
لتلخيص هذه النقطة:
من ظاهرة "التقليل من أهمية المستقبل" نستنتج أمرين:
الأوّل: أن تشديد العقوبات يشكًل رادعًا هامشيًّا للجريمة، ثانيًا: إنّ زيادة احتمالية الإمساك يشكّل رادعًا أقوى مقارنةَ بتشديد العقوبات.
2. العقوبة الجنائية تشكل جزءًا صغيرًا فقط من مجموعة العقوبات التي تفرض على الجاني. فالمجرمون يعانون من وصمة عار/الخزي(shame) ومن أمور أخرى تنبع من المسار الجنائي بحد ذاته، مثل العواقب الاجتماعية. إن ارتفاع في احتمالية الإمساك بالجاني تؤدي الى ارتفاع مجموعة العقوبات المحتملة (العقوبة القانونية ووصمة العار والعواقب الاجتماعية) بالمقابل فإن تشديد العقوبات لا يؤثر على وصمة العار الجنائية أو العواقب الاجتماعية، ولذلك فإن ارتفاع احتماليّة الإمساك بالجاني تشكل رادعًا أكبر بكثير من تشديد العقوبات.
إنّ العواقب الإجتماعيّة ووصمة العار لا تقلُّ أهمية عن العقوبات القانونية، فهي تؤثر على الوضع الاقتصاديّ والنفسيّ للجاني. مثلًا، يتجنب الكثيرون التّعامل المهنيّ أو غيره مع مجرمين تمّت إدانتهم أو مع أشخاص تم تقديم لائحة اتهام ضدّهم، كما أنّ القبول لوظائف عديدة مشروطة بمراجعة الملف الجنائيّ للمتقدّم وعدم وجود ماضي جنائي له في ملفه، ممّا يعني أنّ للإدانة الجنائية عواقبَ أخرى غير العواقب القانونيّة (السجن الفعليّ او الغرامات الماديّة) وإنّما أيضًا اجتماعيّة، هذه العواقبُ تؤثّر على السياسة القانونيّة، وتؤكد الاستنتاج بأنّ احتماليّة الإمساك تشكّلُ رادعًا أقوى من تشديد العقوبات.
ولكيَ نجعل الأمرَ ملموسًا أكثر، فلنفترض أنّ الإدانة بجريمة معيّنة عقوبتها دفع غرامة مالية بقيمة 100 ₪ وعقوبة اجتماعية بقيمة 100 ₪ وأنّ احتماليّة الإمساك بالجاني هي 1%. العقوبة الفعلية على الجاني في هذه الحالة هي 200₪ (100+100=200) وإن العقوبة المحتملة باحتمالية الإمساك بالجاني الحالية هي 200x1%=2 (مجموع العواقب ضرب احتمال الإمساك بالجاني). إذا فرضنا أنّ الدّولة قامت بمضاعفة الغرامة الى 200₪ بدلًا من 100₪ العقوبة الفعلية على الجاني في هذه الحالة ستكون 300₪ (200₪ عقوبة قانونية+ 100₪ عقوبة إجتماعية=300)، والعقوبة المحتملة باحتمالية الإمساك بالجاني سترتفع من 2 الى 3، هذا يعني أن مضاعفة الغرامة القانونية لن يضاعف من العقوبات الكلية الملقاة على الجاني؛ لأنَّ مضاعفة العقوبة القانونيّة لا تؤثّر بدورها على العقوبة الاجتماعيّة أوْ على الأقلّ لا تضاعف من حدّتها. بالمقابل، إذا ضاعفنا احتماليّة الإمساك بالجاني من 1% الى 2% سوف تتضاعف العقوبة الكليّة (القانونيّة والاجتماعيّة) من 2 الى 4، ومن هذا نستنتج أنّ تشكيل زيادة احتماليّة الإمساك بالجاني كرادع للجريمة أكبر بكثير من تشديد العقوبات.
في القرن التاسع عشر كانت العقوبات قاسية جدًا. منظّرو الاقتصاد والقانون ينسبون ذلك إلى احتماليّة الإمساك بالجاني الضعيفة جدًا التي تواجدت في ذلك الوقت. العقوبات القاسية كانت ضرورية في حينه لضمان رادع. ولكن مع توسّع الشّرطة والتطوّر التكنولوجيّ الّتي تضمنُ ازديادًا في احتماليّة الإمساك بالجاني. أصبحَ من الممكن التقليل من شدّة العقوبات، ويظهرُ من خلال هذا التّحليل كذلك أنّ زيادة احتماليّة الإمساك بالجاني رادع أكبر للجريمة لكونها تزيد من العقوبة القانونية والعقوبة الاجتماعيّة (وصمة العار والعواقب الاجتماعيّة) للجاني بينما يؤثر تشديد العقوبات على جانب واحد فقط من العقوبات.
الإعتبارات النظريّة التي ذُكرت أعلاه: التّقليل من أهميّة المستقبل والعواقب الاجتماعية وغيرها الّتي ترافقُ الجاني في المسار الجنائيّ، تشيرُ إلى أنّ محاربةَ الجريمة والعنف يجب أنْ يكونَ بواسطة زيادة احتماليّة الإمساك بالجاني بواسطة تطبيق القانون بواسطة السلطة التنفيذية ومحاكمته، والاهتمام بآليّات علاجيّة تربويّة وبرامج التأهيل وخدمات الرفاه وليس تشديد العقوبات الجنائية.
بجانب الاعتبارات النظريّة التي ذكرتها أعلاه، فإن أبحاث ودراسات تجريبية عديدة في علم الإجرام والاجتماع أظهرت أنّ تشديدَ العقوبات لا يشكَلُ رادعًا وفي أحسن الأحوال يشكّل رادعًا ضعيفًا وهامشيًّا جدًا.
في ختام مقالي أقول إنّ مطالبنا يجب أنْ تكون واضحة وموحّدة وهي: تطبيق القانون وتحرّك جدّي وفعّال للسلطة التنفيذية في البلدات العربيّة، بالإضافة إلى الاهتمام بآليّات تربويّة وعلاجيّة وبرامج تأهيل وخدمات الرفاه التي من شأنها جميعًا معالجة أزمة العنف والجرائم من جذورها في مجتمعنا العربيّ.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com    

إقرا ايضا في هذا السياق:

بسام ابو ناب من القدس: ابني فارس قتلته الشرطة