منبر العربHyde Park

إحدى عشرة دقيقة في سطور/ بقلم: فادي نصار
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
غيوم متناثرة
24

حيفا
غيوم متناثرة
24

ام الفحم
غائم جزئي
24

القدس
غائم جزئي
22

تل ابيب
غائم جزئي
22

عكا
غيوم متناثرة
24

راس الناقورة
غيوم متناثرة
24

كفر قاسم
غائم جزئي
22

قطاع غزة
غائم جزئي
21

ايلات
سماء صافية
28
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

إحدى عشرة دقيقة في سطور/ بقلم: فادي نصار

كان يا ماكان هناك عاهرة تدعى ماريا، (لحظة لو سمحتم)هذه هي العبارة المثلى للبدء بقصص الأطفال الخرافية ، ونحن نتحدث هنا عن عاهرة كلمة تستعمل للبالغين، كيف بالإمكان إذاً البدء بقصة على هذا التناقض المبين ؟


يبدأ "باولو كويلو" روايته (إحدى عشر دقيقة) الممتعة جداً بمايلي:

كان يا ماكان هناك عاهرة تدعى ماريا، (لحظة لو سمحتم)هذه هي العبارة المثلى للبدء بقصص الأطفال الخرافية ، ونحن نتحدث هنا عن عاهرة كلمة تستعمل للبالغين، كيف بالإمكان إذاً البدء بقصة على هذا التناقض المبين ؟

لكن بما أننا في كل لحظة من حياتنا، لدينا قدم في قصص الجنيَّات الخرافية، وقدم أخرى في الهاوية، فلنحتفظ إذا بهذه البداية.
كما في رائعته الخيميائي، يتحدث "كويلو" عن الطاقات الكامنة فينا كبشر عاديين ويدعو أبطاله على الدوام الى تحرير الطاقات الكامنة، أما في روايته هذه فتجده يتحدث بلغة الأحاسيس أكثر منها بلغة الخيال، فهو يروي قصة شبه حقيقية لأحد أكثر أشكال العبودية والعذاب الموجود في هذا العالم، يجعلك تتألم على إمرأة تمارس الدعارة، أحياناً تنظر إليها نظرة احتقار، وأحياناً أخرى تراها ضعيفة متألمة أو قوية جامحة.

تستطيع مع الكاتب أن ترى ماريا في أبهى حللها تجدها فيلسوفة أو عرابة الفرح، تجدها حزينة في بلاد أهلها بارديّ الدم، لدرجةٍ تجعلك تحن مع البرازيلية صاحبة الدم الدافيء الى السامبا والفقر في أحياء "الفابيلا" وهنا تكمن دراستنا لرواية المبدع كويلو.

لقد خرجت ماريا بطلة الرواية من أكثر أحياء البرازيل فقراً وبؤساً، خرجت وهي تحلم بما تحلم به أية إمرأة برازيلية، بمنزل فقط.
لكنها ذهبت الى أرقى وأجمل الدول على الإطلاق (سويسرا) ،لكن ماريا لم تنبهر بما رأته، كما يحدث لكل المغتربين من دول العالم الثالث الى دول العالم الأولن نعم إنها "سويسرا" بلاد الساعات الذهبية الساحرة، بلاد الجبنة والشوكولا الرهيبة الطعم، بلاد العلماء والموسيقيين والرسامين، بلاد المطاعم الراقية التي تحترم زبائنها، غير أن ذلك كله لم يجذب ماريا، ومضت قدماً الى هدفها، سنة وستعود الى البرازيل بصحبة العريس الغني الذي سيسعدها.

أحبت ماريا شخص عربي، والجميع هناك يعرف أن العرب فاحشي الثراء، وهذا ما أرادته ماريا، التزوج برجلٍ غني، قبلت حتى أن تعتنق دينه، وان ترتدي الحجاب، وكل ما يريد، إلا أن القدر لم يكتمل، تعرفت بعده على رجال من كل الجنسيات والمعتقدات، رجال ذوي بشرات بألوان مختلفة، رجال بأشكال عيون و ألوانٍ مختلفة جداً، كثيرون جداً، مارست الجنس مع آلاف الرجال، لا أنها تعلمت أن القُبل شيءٌ مقدس، وأن القُبلة تعطيها فقط لحبها الحقيقي.

يُصوِّر كويلو ظروف العمل لدى صاحب الفندق "اليوغسلافي ميلان" ، السارق لحقوق الصبايا اللواتي أتين من بلاد الدفء، وما أدراكم كيف ينظر اليوغسلافيون الى المال، إنه ربهم وسمائهم وقدس الأقداس عندهم، فهم مافيات منذ يولدون، وأكثر جشعاً كان هذا الميلان إلا ان ماريا أثبتت، في تجربتها معه، أن الإنسان أقوى من المال والمافيات وأن الطاقة الكامنة في القلب تفوق خمسة آلاف مرة الطاقة التي في العقل.

(الوقت لا يغير الإنسان ولا حتى الحكمة، إن الشيء الوحيد الذي يغير الإنسان هو الحب).

يؤكد باولو نظرته في الرواية الى أن العاهرات أيضاً يخفن النظر في عين الآب السماوي، على عكس رواد وصاحب الفنادق التي تعرض خدماتها بتسهيل مهنة الدعارة فيقول:

"كانت معظم العاهرات يذهبن الى الكنيسة أيام الآحاد وكنَّ يضربن مواعيد مع الله، ماعدا ماريا التي كانت تكتب في تلك الأيام مذكراتها".

الرواية على ضيق صفحاتها إلا أنها تصلح لأن يكتب عنها مئات الدراسات، يطرح باولو كويلو من خلال بطلة روايته ماريا، المشكلة التي يعاني منها المجتمع بأكمله (كلنا نحتاج لأحدٍ يسمعنا ) فيقول:

"أيقنت ماريا أن معظم الزبائن كانو ممن يهربون من الفراغ من الحزن، يبحثون عن سهرة هادئة كفيلة بأن تنسيهم همومهم تعيد اليهم توازنهم المفقود، فهم لايبغون النشوة الجنسية فقط يبحثون عن ناس يستمعون اليهم".

في "سويسرا" تتحول ماريا من ابنة الريف الأمية الى عاهرة مبدعة، ومن ثم الى باحثة في علم المجتمع، وتتحول الى محجٍ بل ومُخلصٍ لكل رجل في "سويسرا"، ورجال الثراء الفاحش العرب وغيرهم، كان هناك رجال يتوسلون أن تنقذهم عاهرة، رجال مجتمع رجال أعمال وساسة يركعون عند قدميها يبكون أن تساعدهم، بعد رحيلهم تمتلئ محفظة نقودها وتفرغ روحها من الطاقة، يا لهذا الظلم .

يقول كويلو على لسان بطلته ذات الإسم الرنان اللطيف المقدس التاريخي الرهيب:

"ثمةَ خللٍ في الحضارة، ليس ناجماً عن قطع الأشجار في غابات الأمازون أو الثقب في طبقة الأوزون أوعن إختفاء دببة الباندا أو الأغذية المسببة للسرطانات، أو وضع المساجين، أساس الخلل يكمن بخلاف ما تدعيه الصحف، في موضوع العمل الذي تمارسه ماريا بالذات، أي الجنس"

كعادته في كل أعماله يتحدث "كويلو" عن أفكاره بأمثلة تُبرهن على سعة معرفة رهيبة بل ورهيبة بشكل مرعب، فمثلاً يضرب أمثلة دامغة في سياق حديثه عن الآلم واللذة والمتعة، عن محاربي أسبارطة وروما وبلاد فارس وعن آباء الصحراء في صحراء الإسكندرية، وكيف كانت القديسة "روزا" تعذب نفسها بالركض على الشوك، وكيف كان القديس دومنيك يجلد نفسه، وكيفية استشهاد القديسين مُسَلِمينَ الروح طواعية، ثم يتحول الى عالم أحياء قائلاً: " إن ثمة دراسة راهنة تقول بأن ثمة نوع من الفطور المسببة للهلوسات تنمو على الجراح".

يحدثك في روايته وبلسانه كراوٍ فنان في صنع الدهشة والمتعة، عن مساوئ العالم الرأسمالي في "سويسرا" بلاد الساعات والجبنة، ثم يحدثك عن المافيات اليوغسلافية، وكذلك عن بنات الهوى من بلدان العالم الثالث الفقيرة، ويؤكد في عدة أماكن عن معرفة وافية بأهالي البلد التي تدور أحداث الرواية فيهن فهو دارس مستوفٍ ومميز في سبر أغوار الإنسان.

الجنس هو فن السيطرة على فقدان السيطرة، اكتشف في الجهة الأخرى من الآلم باباً أخراً الى طبقة جديدة من الوعي حيث لا مكان للطبيعة التي لا ترحم ولا تقهر.

يتحدث عن روعة (الآلم ولذته عندما يكون رمز للتضحية وعن قبحه وبشاعته عندما يكشف عن وجهه الحقيقي).

تصوروا أنه يحدثها عن تاريخ مهنة الدعارة، ويذكر لها أنه تم ذكر العاهرات في الكتابة الهيروغليفية والثقافة الفرعونية، وفي العهدين القديم والجديد، ويضيف لكن المهنة لم تشرع إلا في القرن السادس قبل المسيح عندما أنشأ المشرع "سولون" المواخير.

يتابع سبره أغوار التاريخ باحثاً في أصل المهنة (كان هناك عادة غريبة عند السومريين حيث يرغمون المرأة على تسليم جسدها مرة في حياتها على الأقل في المعبد لرجل لا تعرفه مقابل مبلغ رمزي كدليل على حسن الض يافة .)

يقول على لسان بطله "رالف" لا أحد يعلم لماذا اختفت الدعارة المقدسة بعد أن انتشرت مدة ألفي عام (ضارباً مثلاً على ذلك الألهة عشتار وفيستا).

يقول "كويلو": "في أيامنا هذه الرجال يحكمون العالم، وكلمة عاهرة تطلق على كل امرأة لا تتبع الطريق القويم"، وماريا التي أتت من بلاد "إغناسيو لولا دا سيلفا" لا تزال تغوص في عالم الثلج السويسري، وعالم الفساد الأخلاقي والإغتراب الذي تكلم عنه "ايريك فروم" و "كارل ماركس" تتكلم عنه هي أيضاً ولكن بلغةٍ أخرى فتقول: "بعيد عن العين بعيد عن القلب" ، تقول ماريا بطلة الرواية بأن هذا غير صحيح فإن ما هو "بعيد عن العين قريب من القلب."

وهكذا نبقى عند مستوى الغريزة البدائية للمحافظة على استمرار النوع, لها سحر القصص الخيالية فكما بدأها بـ" كان ياما كان" يُنهيها بشيءٍ له وقع الخرافة.

موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.com   


كلمات دلالية
أبناء اللد يغرق في بحر هـ.عكا ويخسر 3-0