منبر العربHyde Park

كيف أصبحتُ محرّراً أدبيّاً - بقلم: فراس حج محمد
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
غائم جزئي
24

حيفا
غائم جزئي
24

ام الفحم
غائم جزئي
24

القدس
غائم جزئي
22

تل ابيب
غائم جزئي
21

عكا
غائم جزئي
24

راس الناقورة
غائم جزئي
24

كفر قاسم
غائم جزئي
21

قطاع غزة
سماء صافية
19

ايلات
سماء صافية
26
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

كيف أصبحتُ محرّراً أدبيّاً - بقلم: فراس حج محمد

لن أناقش دور المحرّر الأدبيّ وأهميّته للكاتب، وترسُّخ وجوده في عالم الكتابة، وإنْ لم يعترفِ الكتّاب العرب بهذا الدّور، فقد غدت هذه مسألة واضحة، والحديث فيها مكرّراً، ولكن ما هو ليس مكرّرا كيف عملتُ محرّرا أدبيّاً؟ ولماذا؟


لن أناقش دور المحرّر الأدبيّ وأهميّته للكاتب، وترسُّخ وجوده في عالم الكتابة، وإنْ لم يعترفِ الكتّاب العرب بهذا الدّور، فقد غدت هذه مسألة واضحة، والحديث فيها مكرّراً، ولكن ما هو ليس مكرّرا كيف عملتُ محرّرا أدبيّاً؟ ولماذا؟
كان الوعي الأوّل لمهمّة مثل هذه، عندما كنت معلّما، سواء في المرحلة الأساسيّة العليا أو المرحلة الثّانويّة، وكان مجموع ما درّسته في هذه المرحلة ما يزيد عن الاثنى عشر عاما (1995-2008)، واتّجه الجهد الخاصّ في "التّحرير الأدبيّ" أنذاك نحو كتابات الطّلاب لموضوعات الإنشاء. لم أكن أصحّح موضوع التّعبير كما يصحّحه المعلّمون الآخرون، كان لي مهمّات أخرى غير الاهتمام بقواعد اللّغة؛ نحوا، وصرفا، وإملاءً؛ كنت أرشد الطّلاب الموهوبين على نحو خاصّ إلى ضرورة تفريع الأفكار، وصياغة الجمل بشكل صحيح، والاهتمام بصحّة العبارات، ودقّة التّعبير عن المعنى، والبعد عن الإنشاء الزّائد عن الحدّ؛ مفارقا ما كان سائدا عند المعلّمين من لغة الزّخرفة البلاغيّة الّتي تنحو منحى التّهويم في الاستعارات الميّتة، والمقدّمات المحفوظة الّتي كانت تزيد عبء التّلقين على الطّلاب، وتحدّ من انطلاق الموهبة واختبارها.
كما كنت ألاحظ التّسلسل العامّ لأفكار الموضوع، ومنطقيّة التّرتيب والتّسلسل، ما يعني موضوعا ذا فكرة واضحة بجسد نصّيّ واضح، مع الحرص على ضرورة وجود مخزون معرفيّ وإحالات ثقافيّة ضروريّة، تندرج في جسد النّصّ لتدخل في عصب الموضوع. وفي كلّ مرّة كنت أختار موضوعا أو موضوعين؛ فأعيد صياغة بعض الفقرات، وأعدّل عليها بالإضافة أو الحذف، وأكلّف أؤلئك الطّلاب بإعادة كتابة الموضوع موظّفين هذه الملحوظات، ليصبح لدينا موضوع تعبير إنشائيّ مقبول، ويراعي شروط الكتابة الجيّدة.
وخلال هذه الأعوام كنت أشعر بمسؤوليّة تتعدّى كوني معلّما للّغة العربيّة إلى مرشد ومكتشف للمواهب الأدبيّة، فوجد من بين الطّلاب من هو شاعر، وكنت فخورا بأنّني استطعت رعاية ثلاثة طلاب أصبحوا شعراء، يكتبون بمستوى جيّد. أخذوا يعرضون عليّ كتاباتهم، وأحرّرها جيّدا مع جملة من الملحوظات، لتستوي القصيدة نصّا صالحا لل حياة .
تتطوّر فكرة التّحرير الأدبيّ بعد ذلك إلى أبعد من ذلك، وكانت التّجربة تزداد وضوحا بالنّسبة لي، عندما كان يعرض عليّ الأصدقاء من الكتّاب الشبّاب كتاباتهم، لم أكن أكتفي بتصحيح النّصوص لغويّا، بل يتعدّى الأمر إلى ما هو أبعد، فالمحرّر الأدبيّ ليس مدقّقا لغويّا وحسب، أو محرّرا لغويّا كذلك.
ومن المواقف الجديرة هنا بالذّكر تجربتي في كتابة مراجعات نقديّة لمجموعة من القصص القصيرة جدّا لطائفة كبيرة من الكتّاب العرب، تلك الّتي جمعتها في كتاب "ملامح من السّرد المعاصر- قراءات في القصّة القصيرة جدّا"، فحدث أن طلب منّي بعض الكتّاب أن أحلّل لهم بعض قصصهم، وقد أشرت على واحد منهم أن يعدّل قصّته على نحو ما ارتضيته للنّصّ، ليكون موافقا تماما لشروط فنّ القصّة القصيرة، ليتمّ تحليلها بعد ذلك.
وعندما اتّفقت مع دار نشر محليّة أن أراجع لغويّا بعض الكتب قبل طباعتها، كان يطلب منّي النّاشر ألّا أكتفي بالتّصحيح اللّغويّ، كان بالفعل يطلب منّي أن أكون محرّرا أدبيّا، فكنت أعدّل بعض العبارات وأقدّم ملحوظاتي للكتّاب، ولا أدري كم التزموا بذلك، فقد أشرت في إحدى المرّات على النّاشر والكاتب معا عندما دفعا إليّ بنصّ روائيّ تعيس لغة وتركيبا، يتجاوز عدد صفحاته المائتين ألّا ينشراه، لأنّه، ببساطة ومسؤوليّة، لا يستحقّ النّشر، مُخْلِيا مسؤوليّتي عن الكتاب، لما يحتاجه من جهد في إعادة صياغة كتابة المادّة الأدبيّة، فالتّصحيح اللّغويّ الّذي كانا ينتظرانه منّي لن يفلح في جعل النّصّ رواية جديرة بالحياة، لذا توقّفت عن مراجعة النّصّ بعد خمسين صفحة من العمل، وكذلك فعلت مع كاتبة أخرى كتبت لها على مسوّدة كتابها أنّه يزيد نسبة الرّداءة، وعليها ألّا تنشر ذلك الكتاب. لقد كانت الملاحظة قاسية، ولكنّها كانت حقيقيّة وخالصة من أيّ نوازع غير أدبيّة أو أخلاقيّة. وعلى النّقيض من ذلك قرأت بنهم كتابين لصديق لي وشجّعته على النّشر؛ لما في كتابيه من إضافة وطزاجة تفتقدها أكداس مكدّسة من الكتب المنشورة.
وفي اعتقادي أنّ التّجربة المهمّة في التّحرير الأدبيّ كانت عندما تسلّمت التّحرير الأدبيّ لموادّ مجلّتي الزّيزفونة المخصّصتين للأطفال، فقد منحني رئيس التّحرير والمسؤول عن المجلّتين الكاتب شريف سمحان دورا كبيرا في مراجعة ما يَرِد إلى المجلة من نصوص ومقالات أو أعمال أدبيّة، وكنت وبالتّشاور مع الأستاذ شريف نختار الموادّ الصالحة للنّشر مع مراعاة طبيعة ما يكتبه الأطفال أو يُكتب لهم ومستواه، وهنا كانت المهمّة صعبة للغاية وحسّاسة جدّا. فكيف ترفض نصّا لكاتب يدّعي أنّه كاتب كبير، لدرجة أنّ أحدهم اتّهمني علنيّا بتهم شتّى، إذ كان نصّه مكتوبا بلغة عاميّة، وكنّا كذلك نرفض أعمالا كاملة (شعريّة وسرديّة) مكتوبة باللّغة العاميّة أو أنّها رديئة؛ موجّهة للأطفال، حفاظا على لغتهم، وتنمية لمهاراتهم في التحدّث بالفصيحة، والتّدريب على الكتابة بها، وأملا في أن تساهم تلك الأعمال المنشورة برفع مستوى الذّائقة الفنّيّة لهؤلاء الأطفال الّذين سيكون بعضٌ منهم كتّاباً يوما ما.
عدا ذلك، مارست التّحرير الأدبيّ بكلّ أبجديّاته مع أحد الكتّاب، وهنا سأتجنب ذكر اسمه، لأنّه ربّما سيرى انتقاصا من جهده أو ربما سيظنّ البعض أنّ دوري تجاوز حدود المراجعة اللّغويّة إلى كتابة النّصوص ذاتها، لأنّهم لا يدركون معنى التّحرير الأدبيّ وأهمّيّته.
في هذا الكتاب كانت النّصوص المقترحة كلّها بين يديّ، استبعدنا فيها معا ما هو ضعيف، ولا يصلح للنّشر أولا، أو لا ينسجم مع رؤية الكتاب وفلسفته، واتّفقنا على المادّة الّتي ستشكّل بنية الكتاب، فأخذنا نراجع النّصوص نصّا نصّا، ونعدّل فيها إضافة وحذفا، ونضع عناوين لها، ثمّ تنسيقها في مجموعات، ثمّ قراءة الكتاب كاملا، ووضع الملحوظات الأخيرة النهائيّة قبل الدّفع بالكتاب إلى الطّباعة.
عدا ذلك، لقد اتّفقنا على الغلاف، وتسمية العمل، ومناقشة ذلك مطوّلا، واختيار العناوين الدّاخليّة للفصول واستراتيجيّة اختيارها، والوصول إلى النّصّ الّذي سيكون على الغلاف الأخير للكتاب. كان العمل مرهقا، ولكنّه كان ممتعا حقّا، وخرج الكتاب بمضمون جيّد وبأناقة شكليّة بادية، تسترعي الانتباه. كنّا بالفعل نفكّر بالقارئ على نحو كبير، ونريد أن يعجبه الكتاب، ويرضى عنه، وكنّا نحرص على أن يشكّل الكتاب إضافة حقيقيّة للمكتبة العربيّة. هنا كانت الثّقة موجودة بيننا، بحيث كنّا نعمل بأريحيّة، ولم يخف عنّي الكاتب هواجسه في أنّ الكتاب ربّما سيكون متواضعا في قيمته الأدبيّة والفنّيّة، لقد كان قلقا، ويُشْرِكني في هذا القلق، وأنا أؤكّد له في كلّ مرّة أن يثق بما قمنا به من عمل وجهد مضنيين.
بالإضافة لذلك عملت مع الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة على تحرير الآثار الشّعريّة للشّاعر الرّاحل أنطوان الشّوملي، فقد عهد إليّ بتحرير نصف المادّة الأدبيّة، من ضبط نحويّ وصرفيّ واستقامة الوزن، كون قصائد الدّيوان مخطوطة باليد، وربّما كانت هناك كلمات قد سقطت سهوا أو أنّها كتبت خطأ، كان العمل مرهقا وطويلا واختبارا حقيقيّا لمقدرتي على تحرير النّصّ الشّعريّ.
ولعلّ أهمّ تجربة مارستها في التّحرير الأدبيّ، تلك التّجربة الّتي أتولّاها منذ سنوات، وتتمثّل في مراجعة كلّ ما يكتبه أحد الأصدقاء، وهنا أيضا لن أصرّح باسمه للدّواعي السّابقة، وكان يتّجه العمل نحو المراجعة والتّصحيح اللّغويّ، والحكم على المادّة، ومناقشة موضوع المقال الّذي سيُكتب مناقشة تفصيليّة وطويلة، ربّما امتدّت أيّاما (اليوم نادرا ما نقوم بذلك لأسباب ليس هنا محلّ ذكرها)، ونتبادل فيها الآراء حوله، حتّى إذا ما انتهت حواراتنا حول الموضوع تكون الرّؤيا واضحة، والأفكار الجزئيّة مترابطة، فيكتب صديقي المادّة بعد ذلك، ويدفعها إليّ فأراجعها المراجعة النّهائيّة، وربّما احتجنا إلى تغيير بعض الجمل أحيانا، ثمّ أضع عنوانا للمادّة، وخاتمة في أغلب الأحيان، وفي أحيان نادرة أضيف فقرة في ثنايا الموضوع، كلّما شعرت بأهميّة ذلك، وكان صديقي الكاتب يتعجّب من أنّ اللّغتين؛ لغة المادّة الأصليّة، ولغة العنوان والخاتمة والفقرات المضافة للمقال في تماهٍ تامّ، بحيث لا نشعر، ولا يشعر القارئ بأيّ فرق بينهما. بالفعل كنتُ محرّرا أدبيّا، أفهم الكاتب وعوالمه، عارفا بطبيعة لغته، فتندمج اللّغتان معا، وتصبحان نهرا يجري بسلاسة في عقل القارئ وحسّه، وبتناغم يدلّ على أفكار الكاتب بوضوح كبير. كنّا سعيدين بهذه التّجربة الّتي أعطت لكلينا فرصة لتطوير الذّات والكشف عمّا في النّفس من قدرات ومواهب في الكتابة في مواضيع مختلفة إلى درجة التّباين الشّديد، (لا أحبّ كلمة التّضاد لقناعتي أنّه لا يوجد شيئان أو معنيان متضادّان).
ولذلك أيضا، فإنّ هذا الكاتب الصّديق كان محرّرا أدبيّا لي، أعرض عليه أوّلا بأوّل كلّ ما أكتبه، يقدّم لي رؤيته فيما أنتجه من نصوص أو مقالات أو ما أنوي إصداره من كتب. إنّه لا يقلّ حماسة منّي تجاه كلّ شيء يخصّ النّصّ وصناعته، وحرفة الكتابة، وضرورة إنتاج نصوص جيّدة. كان قاتلا رحيما في كثير من الأحيان لنصوص رديئة أكتبها، كما كنتُ كذلك، ولم نكن عند ذلك ندافع عن العمل الميّت الّذي يعلن أحدنا وفاته، والآخر يقرأ عليه "الفاتحة"، بل نشعر بالارتياح الشّديد. فموت النّصّ بيننا أفضل من إخراجه معتلّا لقارئ متربّص، لا تنقصه الذّائقة المدرّبة، فيكون هذا العليل نُدبة مشوِّهة في وجه البلاغة النّصّيّة، تلك الّتي نسعى إليها بكلّ ما أوتينا من قدرة لغويّة وتصويريّة، ويجب أن يسعى إليها كلّ من رضي أن يكون كاتبا محترفاً.
إنّ ذلك العمل الّذي قمتُ به، وأقوم به بوصفي محرّرا أدبيّاً، يشعرني بضرورة أن يكون في حياة الكاتب، مع ملاحظة أنّ المحرّر الأدبيّ ليس ناقدا، أو مدقّقا أو محرّرا لغويا فقط، بل هو شخص كسب ثقة الكاتب، لتكون بينهما أيضا الثّقة متبادَلة ومطلقة، وأتاح له مجالا ليعملا سويّا على المادّة الأدبيّة لتكون أجمل، مع تحقيق أهمّ شرط، وهو الانسجام بينهما فيما يخصّ العمل، فهما معا شخص واحد ينجزان مهمّة مشتركة، هي أوّلا أخلاقيّة بالمفهوم الفلسفيّ العميق، وأدبيّة ونقديّة وجماليّة ثانياً، تستحقّ العناية والإشادة فيها، إنّها ضرورة لازمة ليرى الكاتب نفسه أوضح، وليُقلّل من افتتانه بالنّصّ، وصولا إلى قدرته على التّخلص من العيوب التي قد يكون وقع فيها دون أن يدري.
فهل بعد ذلك سأخجل من عملي محرّراّ أدبيّاً، حتّى لو تمّ وصف "المحرّر الأدبيّ" عند البعض بأبشع الأوصاف وأقذعها هجائيّة، أو نظروا إليه بدونيّة، أو فكّروا فيه بسوء نيّة؟ بل أكثر من ذلك، فإنّني أحتاج لمحرّر أدبيّ، يكون لي مُخْلِصاً، ويعمل معي ولي، كأنّه يعمل لمجده الشّخصيّ.

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
فراس حج محمد
نوف هجليل: العثور على جثة شاب والخلفية غير واضحة