كوكتيلCocktail

التلاعب بالذاكرة... نعمة أم نقمة؟
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
غائم جزئي
23

حيفا
غائم جزئي
23

ام الفحم
غائم جزئي
23

القدس
غائم جزئي
21

تل ابيب
غائم جزئي
21

عكا
غائم جزئي
23

راس الناقورة
غائم جزئي
23

كفر قاسم
غائم جزئي
21

قطاع غزة
سماء صافية
19

ايلات
سماء صافية
25
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

التلاعب بالذاكرة... نعمة أم نقمة؟

كان الاعتقاد السائد في العلم أن الذاكرة هي شيءٌ ثابتٌ غير قابل للتعديل، متى تعرضنا لحدثٍ ما فإنه يخزّن في ذاكرتنا طويلة الأمد ونستعيده متى أردنا

بعض الباحثين يعتبرون أنّ الصدمة النفسية القوية ستترك ذاكرةً ذات مشاعر محفورة عميقاً في عقلنا الباطن، وأنً مسح الذاكرة من عقلنا الواعي سيغدو سطحياً كما الجلد من الجسم تاركاً الصدمة على حالها دون تغيير


كان الاعتقاد السائد في العلم أن الذاكرة هي شيءٌ ثابتٌ غير قابل للتعديل، متى تعرضنا لحدثٍ ما فإنه يخزّن في ذاكرتنا طويلة الأمد ونستعيده متى أردنا. بمعنى آخر، كان يُعتقد أن الذاكرة عبارة عن مكتبة وكل ذكرى جديدة نضيفها هي عبارة عن كتاب جديد نضيفه، ومتى أردنا استعادة هذه الذاكرة فإننا نرجع إلى ذاك الكتاب.

ولكن، الدراسات الجديدة في هذا المجال أظهرت أن الذاكرة ليست كما اعتقدنا، وفي الحقيقة، وفي كل مرةٍ نسترجع فيها ذاكرةً ما، فإننا نجعل تلك الذاكرة قابلة للتغيير أكثر ونضفي عليها أشياء جديدة. والذاكرة تتواجد في منطقة من الدماغ تدعى "الحصين"، تخزن هذه المنطقة المعلومات (الحقائق) المتعلقة بالذاكرة، أما المشاعر المرتبطة بالذاكرة فإنها مبعثرة في الدماغ من القشر الحركي والقشر الحسي إلى القشر السمعي وغيره.

ولكن، وفقا للدراسات: إذا استطعنا التعديل على خلايا الدماغ التي تحتوي على الجانب العاطفي من الذاكرة واعتراضها، يمكننا تحويل الذكريات الحزينة إلى مفرحة والعكس بالعكس.

ونجح علماء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT بتعديل ذاكرة الفئران في تجاربهم مستخدمين علم البصريات الوراثي "Optogenetics"، ومن ثم استطاعوا زراعة ذاكرة خاطئة في دماغها مستخدمين التقنية ذاتها. الخطوة القادمة كانت من قبل علماء في هولندا، والذين استطاعوا إزالة رهاب العناكب لدى المشاركين في دراستهم.

حيث أظهرت الدراسات المتعاقبة أن تثبيط مادة النورابينفرين، الموجودة في الدماغ، والتي تسيطر في حالات الشدة النفسية، بإمكانه إزالة الجانب السلبي المرتبط بالذاكرة وتفريغها من محتواها العاطفي السيء، مما يساعد على إزالة الخوف أو الحزن المرتبط بذاكرةٍ ما ولكن فقط عند تفعيل تلك الذاكرة.


صورة توضيحية

هذا التّقدّم يطرح سؤالاً هاماً: هل عملية حذف الذكريات هي عملية خالية من المخاطر، وخصوصاً أنها تمحي جزءاً من شخصية الفرد؟
من المؤكد أنّ إزالة الذكريات المؤلمة من حياتنا هو أمرٌ في غاية الأهمية، وخصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من المشاكل النفسية التالية للصدمات التي مروا بها في حياتهم فيما يعرف باضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية PTSD أو غيره. وخصوصاً في هذه الظروف التي يمر بها الوطن العربي من حروبٍ وصراعاتٍ، والتي ستترك حتماً آثاراً نفسيةً مدمرةً على الأجيال.

لكن لنفترض حسن النية عند "المستخدم" لهذه التقنية، وأنه يريد مساعدة الناس الذين لديهم ذكريات محزنة بالفعل، فإن محو الذاكرة ربما يتسبب بما يعرف بـ "تشرذم الذات" أي تبديل الشخصية والسلوك، كما هو الحال في العديد من الأمراض الدماغية المعروفة التي تسبب فقدان الذاكرة. إن هذا التغير المفاجئ في الشخصية يختلف كل الاختلاف عن التبدل الذي تخضع له شخصيتنا من خلال التجارب المختلفة على مر السنين، وهو مجالٌ لم نكتشف نتائجه بعد.

وللتعمق أكثر بالموضوع، بعض الباحثين يعتبرون أنّ الصدمة النفسية القوية ستترك ذاكرةً ذات مشاعر محفورة عميقاً في عقلنا الباطن، وأنً مسح الذاكرة من عقلنا الواعي سيغدو سطحياً كما الجلد من الجسم تاركاً الصدمة على حالها دون تغيير. ويمكن لأحدهم القول، إنّ العبث بالمشاعر المرتبطة بذاكرةٍ ما ومحوها، سيجعلنا نقع في نفس الظروف مجدداً لكن من دون “جرس” المشاعر المنذر بالخطر المحدق، والذي يساعدنا على التأقلم مع التجارب القادمة المختلفة.

وبالنهاية، إنّ فهم الذاكرة هو شيء يطمح له الإنسان منذ وجوده، وحتى أيامنا هذه لا يوجد تصور واضح عن ماهية الذاكرة وإنما كما وجدنا في طيات هذه المقالة ما زالت في طور التأسيس. فلا ندري إذا ما كانت الذاكرة مثل العاصفة، عندما تستيقظ فلا أحد يستطيع إيقافها فتجرف كل شيء في طريقها بلا رحمة، أو أننا فعلاً أصبحنا قادرين على توجيه هذه العاطفة وتعديلها بما يتلاءم مع احتياجاتنا. ولكن الموازنة بين ما نجنيه وما نخسره من تعديل الذاكرة هو أمرٌ عائدٌ لنا نحن، الموجودين في هذا الزمان، لنقارن إيجابيات هذا الموضوع بالنسبة للفرد إلى سلبياته بالنسبة للمجتمع ككل. ويبقى السؤال: ما الذي سيحدث لهويتنا، ووعينا، وإلى جوهر كينونتنا في حال امتلاكنا هذه التقنية وكانت متوفرة متى شئنا كما في الخيال العلمي؟ لندع الزمن يخبرنا بذلك.

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
كوكتيل ذاكرة تلاعب
كفرقرع: اضاءة مبنى المجلس باللون الزهري توعية لسرطان