رأي حرOpinions

قمر أبو ليلة يعرج إلى السماء/ رغدة بسيوني
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

قمر أبو ليلة يعرج إلى السماء أبدًا/ بقلم: رغدة بسيوني

رغدة بسيوني:

كانت تقف على المسارح بالثوب الفلسطيني المطرّز والكوفية التي لم تفارق كتفيها تبكي عبرها الانسانية

كل الكلمات لا تساوي شيئًا في هذا الفقدان الكبير، لكنّي أعي تماما أنّ ريم اليوم في مكان أفضل، وأنّها بدأت تنبت في عالم الضوء الذي لطالما أحبّت

أمسى المسا على يوم الرحيل ولكنّا نعدك يا ريم أن نبقى ممسكين خيوط الحلم من بعدك حافظين صوتك وعطرك وأن تبقى ذكراك تحرّكنا من نور إلى نور


استيقظت هذا الصباح على ناصرة لا تشبه نفسها، لا الهواء هواء والغيوم تتلوّى في كبد السماء حزينة، أجراس تقرع وأذان يُرفع على روح الغائبة الحاضرة فينا، رحلت عن عالمنا امرأة خُلقت من رحم النور والصمود. ريم بنا الفنانة النصراوية التي أسعدت الجميع بفنّها وألوانها التي لم تمنح لل حياة إلا حياة وفرحًا، وحتّى في مرضها الذي روّضته لمدة 9 سنوات. ترحلُ عن عالمنا البائس مُضيئة تاركة قهوتها وفناجينها يرثون رشفات ابتسمت لغد أكثر إنصافًا لم يأتِ.
ريم بنّا تلك المرأة الحديدية التي هزمت السرطان اللعين مرارا، وكابرت على آلامها بالحب والغناء والفن والموسيقى، استسلمت للضوء، وفارقت الحياة وهي تحضّر لألبومها القادم، وهي قويّة بعد أن تركت وراءها إرثًا عظيمًا من ال أغاني الفلسطينية والنصراوية والتهاليل.
ريم بنّا البطلة كانت صاحبة قضية ومبدأ ورسالة، غنّت للفرح، للحريّة، لفلسطين، للأم، للأطفال، للأسرى والمعتقلين، لم تنس أحدًا في رسالتها بيننا على الأرض، وحملت اوجاع الجميع في قلبها الصغير الكبير، فكانت زنبقة الناصرة تؤمن أنّها تستطيع أن توحّد الجميع عبر فنّها، وفعلت. كانت تقف على المسارح بالثوب الفلسطيني المطرّز والكوفية التي لم تفارق كتفيها تبكي عبرها الانسانية، كانت تحمل إلى جانب الكوفية قضايا الضعفاء والمظلومين التي لم تحن ظهرها يومًا، فبات صوتها وكلماتها وموسيقاها المتفرّدة سلاحا أُشهر في وجه كل انكسار ويأس.
حاضرة في ذاكرتنا
كان ياما كان راعي عنده غزلان، قمر أبو ليلة شو تعشيت الليلة خبزة ولبنة وخيارة من عند ستّي الختيارة، كل كبيبة، عنا حمار، وأعطي نصف عمري، كل هذه الأغاني كانت حاضرة في طفولتي، أذكرها جيّدًا، أذكر تفاصيل كل حفلة أحيتها ريم في صغري في مخيم أو على أرض بلدة مهجّرة، كنّا ننتظرها تصعد إلى المسرح بشعر أسود عبي وضحكة لا تفارقها وصوت الخلاخيل والحلي الفضية ترن في آذاننا فنصمت لتبدأ هي بالغناء، كانت طفولتنا زاهرة بصوتها حتّى كبُرنا وكبُر هذا الحب لريم الإنسانة والفنانة.
كل الكلمات لا تساوي شيئًا في هذا الفقدان الكبير، لكنّي أعي تماما أنّ ريم اليوم في مكان أفضل، وأنّها بدأت تنبت في عالم الضوء الذي لطالما أحبّت، المليء بالابتسامات والغناء والعدالة، أذكر ريم عندما قالت: "كلما ضاقت علي الدنيا، اتّسعت ابتسامتي، كلّما ضاقت الأرض، اتّسع قلبي، كلّما ضاقت العتمة، اتّسع خيالي، وكلّما ضاق جسدي، اتّسعت روحي، كلّما ضاقت الحياة، اتسع صوتي، في كل مرحلة من حياتي، صعبة كانت أم جميلة، أعرف كيف أغرف من عمقي حزمة ضوء أنثرها لتُشعّ على العالم".
سنغني لكل ليل سيأتي دونك ما أطولك، وسيأتي نيسان هذا العام ولن يهدى الأطفال أي مهرجان، فأمسى المسا على يوم الرحيل ولكنّا نعدك يا ريم أن نبقى ممسكين خيوط الحلم من بعدك حافظين صوتك وعطرك في كل بيت وفي كل زاوية وكل ركن دافئ فينا، وأن تبقى ذكراك تحرّكنا من نور إلى نور.
وتجري كغزالة نحو نور الشمس.. ريم بنّا وداعًا. مع السلامة يا مسك فايح.. سلام طيب ووردة.

*النّاصرة

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com   

إقرا ايضا في هذا السياق: