رأي حرOpinions

برقة ذاكرة المكان / بقلم: د. جوني منصور
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

حيفا.. برقة ذاكرة المكان وعودة إلى الجذور التي لا تُنسى/ بقلم: د. جوني منصور

د. جوني منصور في مقاله:

هذا هو شعبنا الذي يعرف جذوره جيدا بالرغم من مرور عقود كثيرة وبالرغم من سياسات التجهيل ومحاولات الطمس والمحو الأمر الذي يؤكد تمسك الفلسطيني بجذوره وتمسكه بتاريخه

إن الكتاب هو أكثر من مجرد كونه قيام كاتبه بالبحث عن جذوره العائلية. إنه كتاب البحث عن الانسان في ارضه وعن المكان المفقود في حالات كثيرة


 يطل علينا الكاتب الفلسطيني د. سميح مسعود من جديد بالجزء الثاني من كتابه " حيفا ... برقة – البحث عن الجذور"، والصادر عن دار الجندي بالقدس . ولكن هذه الإطلالة تختلف عن سابقتها في الجزء الأول. لقد اكتشف سميح مسعود بعد نشر الجزء الأول أن جذوره في فلسطين أكبر من مجرد محدوديتها بمدينة حيفا او بقرية الأهل والأجداد "بُرقة" القريبة من مدينة نابلس. أكتشف امتداده في مواقع عدة في فلسطين، وقد يكون في خارجها. وهذا الامتداد ليساه وليد الساعة، او وليد النكبة عام 1948 الحدث المؤسس لتاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله من اجل حقه في ال حياة في أرضه ووطنه. تبين لمسعود أن الجذور العائلية تتعدى كونها محصورة في حيز واحد أو أكثر... إنها حيزات انسانية عملت العقود بل القرون على بلورتها وصياغتها بقوالب انسانية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية ودينية... فالانتشار الفلسطيني في الحيز الفلسطيني حتى العام 1948 كان امرا طبيعيا وتقبلته شرائح الناس بطيبة خاطر وتعاملت معه كأنه أحد مكونات بناء المجتمع الفلسطيني. ومن جهة أخرى فإن الاحداث التي وقعت رغما عن الشعب الفلسطيني في العام 1948 احدثت فجوات كبيرة وتباعدات خطيرة بين ابناء الشعب الواحد وبين ابناء العائلة الواحدة التي شقتها الخلافات والنزاعات السياسية التي مرت على المنطقة منذ ذاك التاريخ الشؤم.
يتعامل مسعود مع انتشار عائلته في الجليل والمثلث والضفة الغربية وغيرها من المناطق والمواقع خارج حدود فلسطين التاريخية بواقعية الحدث التاريخي. وينظر إلى هذا الحدث بكونه مسألة عابرة زمنيا، لكنها ليست عابرة وجدانيا. فهو الرجل الذي عركته الحياة يعرف تمام المعرفة ان نظرة الانسان إلى جذوره ليست مسألة تفكه، إنما واقع داخلي يعمل على تحريك فؤاد وعقل الانسان لمعرفة من هو؟ ومن أين أتي؟ ومن هم أعضاء عائلته وبيئته وكيف تعامل الزمن معهم؟ صحيح انها تساؤلات كثيرة قد تبدو في بعض الأحيان مجرد كليشيهات، إلا أنها الواقع الذي يفرضه التاريخ الفلسطيني الماثل لمعايير التغييرات والتقلبات.
وسُعدت بمرافقة سميح مسعود فترة طويلة من الزمن في اكتشاف جذوره، وكأني أكتشف جذور كل عائلة فلسطينية منتشرة في الوطن.. وما بهرني في عملية الاكتشاف هذه ان الذين التقينا بهم معا، أو الذين التقى بهم بمفرده يعرفون اصولهم. هذا هو شعبنا الذي يعرف جذوره جيدا، بالرغم من مرور عقود كثيرة، وبالرغم من سياسات التجهيل ومحاولات الطمس والمحو. وهذا الأمر يؤكد تمسك الفلسطيني بجذوره، وتمسكه بتاريخه. انا اعرف تمام المعرفة ان هناك من الناس من لا يهمهم الأمر، اقصد البحث عن جذور عائلية من منطلق كونهم ينظرون إلى ألأمور بمنظور أكثر اتساعا. قد يكون هذا الأمر في كثير من الحالات جيدا، إلا ان البحث عن الجذور يحتم في نهاية الأمر تجميع هذه الجذور في موقع واحد لتبيان قدرة الانسان على توحيد شتاته وتجميعه. إنه هاجس كل فلسطيني يبحث عن كل ما له علاقة بالماضي. ليس البحث هنا من باب النوستالجيا – اي الحنين فحسب، بل من اجل الانتقال إلى فهم مركبات الحياة الجارية وكيفية التعاطي معها.


صورة لغلاف الكتاب

جُلنا وصلنا في عدد كبير من القرى والمدن والتقينا بعدد كبير من الاشخاص من كبار السن ومن شباب وفتيان.. ولسان حالهم يقول زودونا بالمعلومات لأننا بحاجة ماسة إلى اكمال مركبات الصورة لعائلتنا والامر ينسحب على عائلات كثيرة.
إن الكتاب هو أكثر من مجرد كونه قيام كاتبه بالبحث عن جذوره العائلية. إنه كتاب البحث عن الانسان في ارضه، وعن المكان المفقود في حالات كثيرة والذي بات صورة او مخيلة يعمل الفلسطيني على استرجاعها وبنائها من جديد ضمن المكونات المكانية والانسانية.
نحن بحاجة كبيرة إلى هذا النوع من الكتابات الذي يتعامل مع الانسان والمكان والزمان بروح معاصرة تؤكد وجودنا، وتؤكد عدالة قضيتنا وصدقها.
نلتقي مع مؤلف الكتاب د. سميح مسعود يوم الجمعة القادم 22 كانون الثاني 2016 الساعة السابعة والنصف في مركز محمود درويش في الناصرة لاشهار كتابه من خلال التفاف واسع وكبير لمهتمين بتاريخ المكان وتاريخ الانسان فيه.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com



كلمات دلالية