رأي حرOpinions

الصراعات الاقليمية /بقلم:المحامي جريس بولس
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

الصراعات الاقليمية واختلاف المواقف في الشرق الاوسط /بقلم:المحامي جريس بولس

جريس بولس في مقاله: 

لا نزال نعي أهمية التحالف السوري ال ايران ي في هذه المرحلة ولكن لا ننسى ما لعبته ايران في تدمير العراق

 قامت السعوديَّة بخوض غمار معركة سياسية حامية الوطيس لبسط نفوذها في الائتلاف الوطنيّ السوريّ والتي أدَّت الى استقالة "رئيس الوزراء" المدعوم 

مصر تعي ان امنها الوطني يبدأ من الشام وان تقويض سوريا وبعد ضرب وحدة السودان سيهدد امنها الوطني استراتيجياً ويضعفها مقابل اسرائيل والغرب وينقل معركة التفكيك والفتنة والحرب الاهلية للداخل المصري


بعد الإطاحة بحكم الاخونجة (عملاء أمريكا والصهيونية) في مصر برزت خلافات بين الحلفاء يجب تبيانها: 
1. اختلاف موقف السعودية عن موقف امريكا خاصة والدول الغربية عامَّة.
2. اختلاف موقف السعودية عن موقف قطر داعمة الاخوان ومشروعهم.
3. اختلاف الموقف السوريّ عن الموقف الايرانيّ الذي كان مع حكم الاخوان وضد تدخل الجيش المصريّ في السياسَة.
4. رفض الحكومات الغربية وفي مقدمتها أمريكا لدور الجيش المصريّ الذي دعم التحرك الشعبيّ ضد حكم الاخوان بعد ان كانوا يعتقدون ان الجيش المصري اقرب الى جماعة الاخوان.
والسؤال الذي يسأل ما هو التفنيد لكل هذه التناقضات؟  الجواب على ذلك: هو وزن مصر الجغرافيّ والسياسيّ في المنطقة.

لأن مصر دولة عربية مركزيَّة وان اي مسار تسلكه إن كان قوميَّاً تحررياً أو ليبراليَّاً أو اخوانيَّاً سيظهر انعكاساته على الاقليم جمعاء. ومن هنا جاء موقف السعودية الداعم لدحر حكم الاخونجة في مصر الذي جاء من صلب حربها مع الاخوان في المنطقة والذي تجلى في الآونة الأخيرة على سبيل المثال لا الحصر في:1. خلع حمد امير قطر. 2. ضرب الاخوان في المعارضة السوريَّة.

لذا قامت السعوديَّة بخوض غمار معركة سياسية حامية الوطيس لبسط نفوذها في الائتلاف الوطنيّ السوريّ والتي أدَّت الى استقالة "رئيس الوزراء" المدعوم من قبل قطر "غسان هيتو" وتنصيب تبعها أحمد الجربا رئيساً بعد ان أيدت قطر "اديب الشيشكلي"، وبعدها فرضت السعوديَّة قيوداً على دعم قطر للاخوان المسلمين في سوريا وللجيش الحر وفي نفس الوقت حصلت السعوديَّة على موافقة الولايات المتحدة لدعم العصابات المسلحة في سوريا بصواريخ حديثة ليست من امريكا وقد جاء الدعم الخليجيّ والسعودي لدحر حكم الاخونجة في مصر بنفس الطريق: وهو التقليل من أهمية منافس في العقيدة جديّ للوهَّابية (الاخوان المسلمين) لأنه يزاحم على نفس الفئة السنِّية ويملك بالاضافة للادوات الوهَّابية علاقات قوية مع الغرب ومصطلحات ديموقراطية ليبرالية والتي عمل على ملائمة البرنامج والخطاب الاخواني لها (وقد كان دور كبير في هذا لعزمي بشارة)، لهذا بات صعود نجم الاخوان يشكل خطراً حقيقياً على الوهَّابيين والسعوديين، اما مصر فمنزلة تاريخية وعسكريَّة وسياسية وجغرافية لا يمكن الإنتقاص منها، فما أدراك ان سيطر عليها الاخوان وتم تذييلها لخدمة مشروعهم الاقليميّ؟

والسؤال البديهيّ: ما الذي قامت السعوديَّة بتقديمه مقابل تقوية نفوذها على حساب قطر في المنطقة؟ الجواب: الثمن كان وسيكون على حساب "القضية الفلسطينية" وإعادة إحياء المفاوضات العبثية بين اسرائيل والسلطة بعد ان فقدت حماس نفوذها في قطر وفي مصر. لذا فان هيمنة الاخوان في مصر جاءت ضمن اتفاق اقليمي مع امريكا واسرائيل لمواجهة صعود روسيا والصين وهذا كان سيؤدي الى التقليل من الدور السعودي في المنطقة، لذا اختلفت السعوديَّة مع امريكا في هذا الأمر، زمنيّاً وبشكل مشروط. وبنفس المعيار تعرف السعوديَّة جيدًا ان صعود نجم مصر يعني أفولها وأفول الوهَّابية: فقد كان صعود نجم مصر في فترة حكم محمد علي باشا مقدمَة أتيان ابنه ابراهيم باشا للسيطرة على الدرعيَّة عاصمتهم، وهذا ما أدَّى الى التعاون الوهَّابي- السعودي مع بريطانيا.كذلك تعي السعوديَّة أن صعود نجم مصر أيام الرئيس القومي العربي جمال عبد الناصر شكل في الخمسينات والستينات العمدة الاساسية للحرب العربية الباردة . وتعي السعوديَّة أيضاً ان إطاعة مصر لها أيام السادات تمَّ عبر دب "سعودة" المجتمع المصري بمؤازرة رئيس المخابرات في تلك الحقبة "كمال ادهم" أما حسني مبارك المخلوع قد عمل على تقزيم دور مصر الدوليّ والافريقيّ والعربيّ مما ساعد على العلاقات الوطيدة بين السعوديَّة ومصر.

باختصار شديد تعي السعوديَّة أن برنامجها ومشروعها المنطقيّ لا ينجحا الا اذا بقيت مصر تحت وطأتها أو تحت الازمة لذا قامت هي والامارات والكويت بتقديم 12 مليار دولار لمصر. لذا فإذا تضاد الموقفان السعودي من جهة والامريكي والاوروبي من جهة اخرى، بالنسبة للاطاحة بحكم الاخوان لمصر، فلا بأس، لأن السعودي شعر انه سيستبدل بالاخوان في ما يسمى "بالربيع العربي" المنافس في العقيدة له وان مصر لا يجب ان تفلت من قبضتهم ومن امريكا لتلعب لاعباً مستقلاً مما يهدد مشروعهم كما علمتهم تجربتهم الصعبة تاريخياً وقوانين الجغرافيا السياسية.

لذا قامت السعوديَّة بتسويق ليبراليين إمّعات للامبريالية في مصر كبديل للاخوان كما قامت تماماً في حالة المعارضة السوريَّة. كما عملت على حث الجماعات الارهابية في مصر على العمل لأنها شعرت ان مصر تتخذ منحىً تحررياً مستقلاً، تماماً كما تفعل في سوريا، وبالمقابل يسعى الصهيوني في امريكا لمنع وفود المساعدات العسكرية الامريكية لمصر لانه يعي جيداً معنى خروج مصر من علاقتها الحميمة مع الولايات المتحدة لأن هذا الامر يهدد أمن إسرائيل، لذلك تقوم امريكا والاوروبيون بلعب لعبة "الديموقراطية" دفاعاً عن الاخوان ولكن ليس الى حد ضرب العلاقة مع مصر.

بالمقابل مصر تعي ان امنها الوطني يبدأ من الشام وان تقويض سوريا وبعد ضرب وحدة السودان سيهدد امنها الوطني استراتيجياً ويضعفها مقابل اسرائيل والغرب وينقل معركة التفكيك والفتنة والحرب الاهلية للداخل المصري. لذا السعوديَّة تسير اليوم في طريقين: الأول: قص اجنحة الاخوان في الاقليم والقضاء على برنامجهم المستقل وتذييلهم في المشروع السعودي. والثاني: احتواء مصر ومنعها من اتخاذ منحىً مستقل يؤدي الى صعودها وبالمقابل يتلاقى حكام مصر اليوم في نوع ما من التجانس مع السعوديَّة هدفه "الاطاحة بالاخوان" وتأجيل الحدّة مع السعوديَّة الذي ستأتي عاجلاً أم آجلاً وفي حين اخذت مصر منحى مستقلاً. وهنا نصل لتباين الموقفين السوري والايراني بالنسبة لما يحدث في مصر. من الواضح ان دحر حكم الاخونجة في مصر يشكل ضربة مركزية لقوى في المعارضة السورية المسلحة بالاضافة الى ركلة اخرى "تطيير حمد في قطر" وهزة تحت اقدام الاخونجة في تركيا، كل هذا يصب في مصلحة النظام السوري وقوى المقاومة، لذا فان تسير مصر بشكل ليبرالي خاضع للامبريالية سيضر الامر بسوريا ولكن اقل من حكم الاخونجة لذا فلا شك أن اتخاذ مصر منحى تحرريًّا مستقلاً سيفيد سوريا.

ان عودة مصر لطريق تحرري مستقل سيزيد من وزنها النوعي العروبي والافريقي والاسلامي والعالمي، وهذا يدب الذعر في قلوب الاعداء كتركيا لكن أيضاً يقلق بعضاً من الاصدقاء. فان عودة مصر لمركز الحدث يعني ان ايران لن تكون بديلاً للطرف الصهيوني – الامريكي، ولو تعاضدت مصر مع ايران لن تكون ايران قائدة لهذا التحالف لان مصر هي مصر. ولا شك أن موقف القيادة السورية سيكون ايجابياً من هذا الاحتمال (التحالف المصري – الايراني) لان القيادة السورية ذات نزعة قومية عربية، ولكن بعض الحلفاء لا يريدون ان تخرج سوريا قوية من أزمتها، لذا تستمر العلاقة بين ايران والاخوان المسلمين وجرى الترحيب بمرسي في طهران. ومن البديهي ولاجل المحنة الموجودة في سوريا لا تستطيع القيادة السورية انتقاد المواقف الايرانية وحتى الروسية البالية بالنسبة للوضع في سوريا.

السبب الرئيسي في موقف ايران الضدي من دحر حكم الاخوان في مصر ينبع من المصلحة القومية الفارسية التي أدت أن تتعاون ايران مع امريكا في زرع الدمار في العراق، اي ان ايران ومن منطلق مصلحتها القومية تعتبر نفسها كبديل للقومية العربية وللطرف الصهيوني الامريكي في المنطقة في وقت واحد ومن هنا الازدواجية في السياسة الايرانية. ان موقفي كقومي عربي من ايران: تاريخيّا هي جار، الخلاف معه خلاف على الحدود، لا الوجود، يحتل للعرب ارضاً ويعمل على التوسع ولكن التناقض الاساس يبقى مع الطرف الامريكي ولكن التضاد يبان واضحاً مع ايران في حالتيّ العراق وافغانستان والان في مصر ويضعف التضاد معها اذا اتخدت خطاً ضدياً – ندياً للطرف الامريكي كما في سوريا اليوم وفي لبنان وفلسطين.

لا نزال نعي أهمية التحالف السوري الايراني في هذه المرحلة ولكن لا ننسى ما لعبته ايران في تدمير العراق. لذا بالنسبة لي نقطة الانطلاق هي من "مصلحة الامَّة العربية" وحسب رأيي مصر، بحكم وزنها التاريخيّ والسياسيّ والجغرافيّ لا تستطيع ان تقوم بدورها العربي الا عن طريق خطاب عربي قومي والمهم ان الجيش المصري سار على هذا الدرب وهذا يبث الرعب والقلق في نفوس الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل لان تلك الخطوة ان لم يتبعها تسليم الدفة لعملاء امريكا كعمرو موسى والبرادعي، فانها ستسلك مسلكاً قومياً- ناصريَّاً لان مصر لن تذوق الاستقلال الا في مشروع قومي عربي – ناصري.

وفي الفترة المقبلة سنرى مصر اما ان ترجع للتبعية للغرب والفقر والتطبيع واما أن ترجع للطريق المستقل التحرري المؤدي للقومية العربية وفي الظروف الحالية التي تحياها مصر فأن الجيش العربي المصري هو الوحيد القادر ان يخطو في الطريق التحرري المستقل المؤدي للقومية العربية في حالة غياب قوى قومية ناصرية حقيقية وقوية في مصر (نموذج حمادين صباحي ليس المطلوب) ويبقى الرهان على الجيش المصري وقائده عبد الفتاح السيسي. فإذا سارت الامور في مصر على المنوال الوطنيّ التحرريّ المستقلّ وخرجت سوريا قوية من أزمتها وكذلك العراق فالنهوض العربي والاستقلال قادمان لا محالة.

* الكاتب محامي من كفرياسيف - جنيف

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.com

إقرا ايضا في هذا السياق: