منبر العربHyde Park

نسمات برلينية قصة قصيرة بقلم: نعمان إسماعيل
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
غيوم متفرقة
27

حيفا
غيوم متفرقة
27

ام الفحم
غائم جزئي
27

القدس
غائم جزئي
28

تل ابيب
غائم جزئي
28

عكا
غيوم متفرقة
27

راس الناقورة
غيوم متفرقة
27

كفر قاسم
غائم جزئي
28

قطاع غزة
غيوم متفرقة
29

ايلات
سماء صافية
28
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

نسمات برلينية قصة قصيرة بقلم: نعمان إسماعيل عبد القادر

رغبةً منه في أنْ يَكونَ ثَمَنُ كُلِّ مُكالَمَةٍ على حسابي أنا، فقدْ اعتادَ على أنْ يضغطَ على أزرارِ هاتِفِهِ بِحذرٍ شديدٍ ثمَّ يُقرِّبُهُ من أذنهِ اليسرى فَيستمع إلى الطنينِ حتى إذا تأكّدَ منِ انطلاقِ الرنينِ في هاتفي، سارعَ في الضَّغطِ

رغبةً منه في أنْ يَكونَ ثَمَنُ كُلِّ مُكالَمَةٍ على حسابي أنا، فقدْ اعتادَ على أنْ يضغطَ على أزرارِ هاتِفِهِ بِحذرٍ شديدٍ ثمَّ يُقرِّبُهُ من أذنهِ اليسرى فَيستمع إلى الطنينِ حتى إذا تأكّدَ منِ انطلاقِ الرنينِ في هاتفي، سارعَ في الضَّغطِ على زرِّ الإقفالِ، قبلَ أنْ يُفتحَ الخطُّ فتُحسبَ المكالمةُ عليهِ وتُضافَ إلى فاتورةِ هاتفهِ، فَيُضْطَرَّ بعدَها إلى دفعِ مبلغٍ أكثرَ منَ المبلغِ الذي رسمهُ لنفسهِ.. هذا أصبحَ منْ طبعهِ.. وَصِرْتُ كُلّما رنَّ الهاتفُ رنّةً واحدةً أدركتُ أنهُ يريدُ محادثتي في أمرٍ، ثمّ أرجعُ للاتصالِ فيه.
مضتْ على انقطاعهِ شهورٌ عديدةٌ بعدَ أنْ عَنَّفْتُهُ على قَتْرِهِ ولم أسألْ عنهُ؛ لأنّني لم أتوقعْ يومًا أنْ يُغيّرَ الدهرُ فيهِ شيئًا منذُ أنْ عرفتُه أوّلَ مرةٍ حينَ كانَ زميلاً لي في مِهْنةِ التدريسِ قبلَ بضعةِ سنواتٍ.
كنتُ في المقهى، حينَ رنَّ هاتفي رنّةً واحدةً، إذْ كنتُ مُستمتعًا من زفراتٍ نارجيليَّةٍ وأنا أشاهدُ مباراةً لكرةِ القدمِ واضِعًا رِجلي اليمنى فوقَ الأُخرى مُسترخِيًا في جلوسي مع أصحابي. أدركتُ أنَّ الفاعلَ هوَ عينُه.. "الأستاذ رأفتْ أفندي".. كعادتي أعدتُ الاتصالَ بهِ شوْقًا في معرفةِ ما يجولُ في خاطرِهِ. إِلْحاحُهُ المتكرّرُ هذهِ المرّةَ منْ أجلِ مُرافقتي هذا الصيفَ في سفري، وَتَأْكيدُهُ بأنّهُ لنْ يخيّبَ ظنّي فيهِ مثلما فعلَ في المرّاتِ السابقةِ، وأنّهُ صادقٌ في نيَّتهِ، كلُّها جَعَلَتْني أُقْنِعُ نفسي أنَّهُ قدْ يكونُ منَ الممكنِ أنْ يكونَ قدْ آثرَ هجْرَ عالَمِ البخلِ، وهوَ في طريقِهِ إلى عالَمِ الإنْفاقِ وَالعَطاءِ.
حقًّا كانَ الصّدقُ نافذًا في هذهِ المرّةِ. فقدْ أَقْلعتِ الطّائرةُ بِنا منْ مطارِ اللدِّ، بعدَ أنْ اجْتَزْنا مراحلَ التفتيشِ الّتي يمرُّ بها العربُ دائمًا، مُتوجّهينَ إِلى "برلين"، وظلَّ يُحدّثني طوالَ الرِّحلةِ عنِ المصيرِ الَّذي سنؤولُ إليهِ فيما لوْ هَوَتِ الطائرةُ منْ هذا العُلوِّ الشاهقِ، وعنْ نصيبِ الأسماكِ الَتي ستتغذّى عَلَيْنا في قاعِ البحرِ. الكِتابُ الَذي أحْضرتُهُ معي لِيُرافقني في سَفَري لم أستطعْ أنْ أَلْتَهِمَ منهُ إِلا بضعةَ صفحاتٍ لِصُعوبةِ الاسْتمرارِ في القراءةِ في حضرةِ ثرثارٍ لا يكلُّ منَ التكلّمِ.
هبوطُ الطائرةِ جاءَ في يومٍِ صيفيٍّ ماطرٍ. ما إنْ خرجْنا منْها نلتمسُ متاعَنا حتّى رنَّ هاتفُهُ رنّاتٍ متتاليةٍ أَزْعجتْهُ:
- مَنِ المُهاتفُ الدّاعي؟
- أَنا "أمين".. كيفَ حالكَ يا "رأفتْ"؟ وأينَ أنتَ؟
لستُ أدري ما دارَ في خاطرِهِ في تلكَ اللحظةِ ولكنني سمعتُه يقول لهُ ونفسهُ مليئةٌ بالثقةِ والاعتزازِ:
- أنا الآنَ في قَلبِ أوروبا.. في "برلين" يا عم "أمين".. نعم في "برلين" لقد خرجتُ معَ صديقٍ قديمٍ لي في رحلةٍ استجماميّةٍ قدْ تستغرقُ معنا أسبوعًا...
- أَتكذِبُ علَيَّ يا "رأفتْ"؟ يا هذا! أنا أعرفُكَ فارسيًّا بخيلاً منذُ طُفولَتي.. أيعقلُ أنْ تُسافرَ إلى أوروبّا دونَ عِلْمي.. لا.. لا أصدّقُ..
وَأخذَ يَكيلُ لهُ منْ أقسامِ الْيمينِ ليقنعَ المُهاتفَ صِدقَ قولهِ ثمَّ أردفَ قائلاً لهُ:
- إنْ لم تصدِّقْني فها أنا ذا أفسحُ لكَ المجالَ لتتحدثَ معَ صديقي لِتَعْرِفَ صِدقَ قوْلي ثمّ لتَتَعرّفَ عليهِ فهوَ في شوقٍ إليكَ..
ناوَلَني الهاتفَ وقلتُ لهُ:
- إنَّ الرَّجلَ صادِقٌ كُلَّ الصِّدْقِ ولمْ يكذبْ عليكَ بكلمةٍ واحدةٍ. فلِماذا تدفعُهُ إِلى حلفِ اليمينِ؟
فكَّرَ الرّّجُل بُرْهةً ثمَّ قالَ كأنَّه يَهْمسُ في أُذُني سرًّا لا يريدُ أنْ يطَّلِعَ عليهِ أحدٌ:
- أتدْري يا هذا.. يَبْدو أنَّ مُرافِقَكَ لا يعلمُ أنَّ جهازَ هاتِفِهِ قدْ أصبحَ يعملُ بالنِّظامِ الدّوليِّ تلْقائيّا.. وَأَنَّهُ لا يعلمُ أنَّ كلَّ المكالماتِ الواردةِ والصادرةِ، تُضافُ إِلى فاتورتِهِ التي سيدْفَعُها.. أَطْلُبُ منكَ أنْ تكتمَ هذا الأمرَ عنهُ وَلسوفَ أَتَّصلُ بهِ في كلِّ حينٍ، فَلْتَكُنْ كلُّ المكالماتِ على حسابِهِ.. فَهُوَ بخيلٌ فَيْلَمانيٌّ وهوَ أهْلٌ للخسارةِ.. هيا نُطْلقُ العنانَ للعدّاد ليسجّل..
راح العدّادُ يعدُّ، والرّجلُ يزدادُ ابتهاجًا لكلِّ مكالمةٍ تأتيهِ منْ صاحبهِ "الأمينِ"، وقدْ أعربَ عنْ شوقهِ لهُ ورضاهُ عنهُ لاتصالاتِهِ المتكررةِ في جوفِ الليلِ ووضحِ النهارِ واطمئنانِهِ على صحتهِ فهوَ خيرُ الصديق.. ونعم الصديقُ الوفيُّ هو.. عندها ظننتُ أنه سيشتري له هديّةً تذكاريّةً ثمينةً، لكنّ البخلَ كانَ رفيق عمرهِ الذي لا يغيبُ عنهُ لحظةً.
وُقوفُنا على سورٍ بغيضٍ، كَتبَ كثيرًا عنهُ المؤرخونَ وكبار الأدباء الألمان من أمثال يوهان فولفغانغ غوته، وهيرتا مولر، وغونتر غراس، وَحَرَّكَ فينا مَشاعرَ الغضبِ، جاء بعدَ مُفاوضاتٍ طويلةٍ عسيرةٍ تَخَلََّلها توتُّرٌ عميقٌ فيه موجاتٌ من مَدٍّ وجَزْرٍ. وبعد محاولاتِ إقناعٍ متواصلةٍ.. وبعدَ أنْ تأكَّدَ أنَّ الإنفاقَ لزيارتهِ هذهِ لا يُكلِّفُ إلا بِضعةَ دُريهماتٍ من العملة الأوروبيّة. مُشاهدَتُنا لشريطٍ وثائقيٍّ أعدَّهُ فريقٌ خاصُّ يروي لنا حكايةَ السّور القاتِلِ أَهْلَهُ، في "برلينَ" منذُ نشأتِهِ وحتّى سُقوطهِ، وَالّتي جعلتْنا نَتَذَكَّرُ الأسوارَ الأخرى أشباحَها، والحواجزَ الرمليّةَ أط يافه َا، والمكعّبات الإسمنتيّةَ أهوالَها، وتَمنّياتنا زوالَ كلِّ أسوارِ البؤسِ من بين الناس، اخْتَتَمْناها بِمُكالمةٍ هاتفيّةٍ مباغتةٍ:
- أَيْنَ أَنْتُما أَيُّها السّائِحانِ الْمُتَسَكِّعانِ؟
أَجابَهُ بِتَباهٍ لا نظيرَ لهُ:
- نحنُ الآنَ قُربَ سورِ "برلينَ" الشهيرِ، وسَنكتبُ أسماءَنا عليهِ للذِّكْرى..
- هنيئًا! ثُمَّ هَنيئًا لَكُما يا مَنْ تَتَجَوَّلان في "برلينَ" الآنَ...
انتهتْ رحلةٌ شاقّةٌ في "برلينَ"، وانتهتْ مَعها رحلةُ العناءِ معَ بخيلٍ، إِصْرارُهُ على تَناوُلِ وَجَباتِ الْفَلافِلِ منَ الْمَطاعِمِ التُّرْكيّةِ شديدٌ، وَحِرْصُه على أن يقترَ على نفسهِ جهارًا أشدُّ بلاءً من بخلاء الجاحظِ.. وأنْ يرجعَ بحقيبةٍ فارغةٍ إلا منْ ملابسَ قديمةٍ أكثرُ شَقاءً منْ حمقى ابن الجوزيّ.
مَضَى على عودتنا من "برلين" أسبوعان. كدتُ أنسى "برلين" ومن فيها. ما كنت أحسبُ يومًا أنْ يُهاتِفَني كَمَنْ يهاتفني مِنَ الْبشر، أَبدًا، إذْ رنَّ جرسُ هاتفي رَنينًا طَبيعيًّا مع اهتزازٍ شديدٍ، حينَ كنتُ جالسًا في الْمقهى أَحْتَسي الْقهوةَ، وَأَرْتَشِفُ طرفَ خرطوم النّارجيلةِ مُتأمِّلاً التّلفازَ.. ما إِنْ فُتحتْ القناةُ للحديثِ حتّى فُتحتْ معها أبوابٌ من نارِ غضبهِ وقدْ لَجَّ في الصياح قائلاً:
- أيُّها الكلابُ! أَتَعْمَلونَ كُلَّ هذا بي وَأَنا مُغفّلٌ لا أَدري؟ أَيُّها ال... ستدفعونَ الثمنَ غاليًا! كيفَ تَقْدِمانِ عَلى فِعْل هذا؟ أَلا تَخْشيانِ اللهَ؟ أَيُعْقَلُ أنْ تَأْتيني الفاتورةُ بمبلغٍ خياليٍ كهذا؟ خمسُمائةِ دولارٍ مَرَّةً واحِدةً.. أَنْتُما... وأنتما... وأنتما... ظَلَّ يَكيلُ لنا الشتائمَ تلوَ الأخرى حتّى تذكّرَ أنَّ هذهِ المكالمةَ ستزيدُ منْ خَسارةً أخرى على خسارتهِ إنْ هيَ طالتْ مُدَّتُها..
ظلَّ ضَحِكي الذي نَبعُ من صَدري وَهَزَّ بَدَني طَويلاً، يتناغمُ مع ضَحِكاتِ منْ مَعي ممنْ كان بجانبي منْ أهلِ المقهى.

موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.com

كلمات دلالية
النائب عودة يشارك بسلسلة اجتماعات شعبية