رأي حرOpinions

سفيرة دولة إسرائيل- بقلم: عناق مواسي (باقة-الغربية)
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

سفيرة دولة إسرائيل- بقلم: عناق مواسي

لا تفصلني أيامٌ كثيرة عن القرار.. فَهناكَ قرارات تَختزلُ

عناق مواسي في مقالها:

شغف المجازفة استولى علي، ورفع شأن اهتمامي إلى حقيقة أقرب إلى الخيال باكتمال تفاصيلها

المعلومات جعلتني أنظر إلى العالم برمته وأفكر بمستوى عالمي، أقارن نفسي وكياني بالعالم والدول والأقليات والنظم

كنت أتساءل إلى أي إيديولوجية انتمي؟ وهل تحمل جيناتي الوراثية المضطهدة فهم لسيرورة ديمقراطية في هذا العالم؟

السؤال كان يضعني بين فكي كماشة: من سأمثل؟ لغتي، هـُويتي، تاريخي، قوميتي؟ أم دولتي وقوانينها التي وُلدت بها وسُجلت على بطاقتي الزرقاء؟؟؟

أول لقاء في الجامعة تناول ما جرى في ميدان التحرير!! وكان الربيع العربي والأنظمة العربية في ظل الفوضى محط النقاش، دون الخوض في انتروبولوجيا الإنسان العربي


لا تفصلني أيامٌ كثيرة عن القرار.. فَهناكَ قرارات تَختزلُ الوقت الماضي وتبئرُهُ لتشقَ طريقاً مُضاءً نَحوَ واقعٍ مُقّدر. والقرارُ كدربِ الصبارِ المرصوف على حوافي المكان المؤدي إلى ضبابية تاريخية، شاهداً على تفاصيل الملامح المتداخلة جغرافياً. شيءٌ في داخلي وازَنَ التصورات التي كانت حولي وحزَمَ تشعبُ اهتماماتي بإكمال دراستي الجامعية، هذا المنفذ الذي لا زلنا نتشبث به كي نُبقي على ملامِح وجودنا من البعُد الثقافي ونُعمّق قدرتنا على تبوأ المناصب التي تُثبتنا في هذا الكيان، لم أعرف تمامًا إلى أين سأتجه؟ لأن المسألة تعدت كونها توجيها جامعيا بعد المرحلة الثانوية، واصطبغت بصبغة أخرى أكثر عمقًا وأكثر تأثيرًا، لكن شغف المجازفة استولى علي، ورفع شأن اهتمامي إلى حقيقة أقرب إلى الخيال باكتمال تفاصيلها. ودخلتُ التجربة... غموضٌ يتمسد على سطور المقالات والطرح الفلسفي في السياسة، تاريخٌ يتداخل مع تفاسير يقبلها المنطق من جهة ويقبلها التأويل من جهة‍! دخلتُ السلك الدبلوماسي من باب مساق "السياسات المقارنة" التي تنكشُ التاريخ وتقلبُ معه النظريات وتحاول أن تتنبأ بمستقبل النظام والدولة! علماً أن هذا العلم قابل للتأويل ويفتقر إلى الانضباط الإيديولوجي! كم كان حظي عجيباً !!! أول لقاء في الجامعة تناول ما جرى في ميدان التحرير!! وكان الربيع العربي والأنظمة العربية في ظل الفوضى محط النقاش، دون الخوض في انتروبولوجيا الإنسان العربي!! في الوقت الذي كنتُ أبحث عن نقاط تقاطع لي مع العالم الخارجي!

سيدة عربية مسلمة تخوض السلك الدبلوماسي
وأجد تفسيراً منقطياً لجرأتي وإقدامي على خوض التجربة كأول سيدة عربية مسلمة تخوض السلك الدبلوماسي.. وما جرى في ليبا بعد الذي تمحور في "ميدان تحرير" أرض الكنانة. وفي الوقت الذي تثور فيه الشعوب لتزرع بذور تغيير تاريخي في سياق حضارات الشرق التي ركدت لقرون، ووقعت تحت تأثير أفيون الهيمنة والدكتاتورية غير المبررة. مقارنة ً لما يحدث في دولة إسرائيل وكيف تنتهج سياستها الدبلوماسية.حقاً بدأت موازيني بالتأرجح، لأن المعلومات جعلتني أنظر إلى العالم برمته وأفكر بمستوى عالمي، أقارن نفسي وكياني بالعالم والدول والأقليات والنظم!! والسؤال الذي كان يرافقني مقروناً بأزمة هوية وأزمة تاريخ ومستقبل!! وكنتُ في تلك الأثناء أبحث بيني وبين نفسي عن امرأة استطيع أن أتخذها أنموذجًا رفيعاً في مستوى التمثيل الجماهيري والسياسي حتى على صعيد العالم العربي، لكن ما أفرزته الثورات والربيع الجديد حول شخصية المرأة في العالم العربي متمثلةً بالسيدات اللواتي اتصفن بالسلطوية والسرقة والإجحاف بحق الشعوب التي تزرح تحت وطأه الجوع والانهيار، بينما تمتعن بالنفوذ وادخرن الألماس والمجوهرات في خزائن الهيمنة والدكتاتورية!! كان مخزياً ومحرجاً!!! تلك كانت أول محطات خيبة الأمل من القيادة النسائية، وفتيل إقدام على دراسة الدبلوماسية كعامل محفز لان أجد في نفسي القدرة على تمثيل النساء الفلسطينيات العربيات في المحافل الدولية كأقلية داخل أقلية!! كجزء من طموحاتي في تأدية رسالة إنسانية، وإعادة تشكيل بوتريه نسائي شاحذ لامرأة تعدت حواجز!! بل أقطار وعوالم!! وإن لم يكن جزءاً من الخيال المتمرد!! أكسبتني الدبلوماسية فهم العلاقة بين الأمة والإيقونات الثقافية والدولة، وأي رابط وجداني يربط الإنسان بمجتمعه، وإلى أي مدى الفرد على استعداد للنضال من أجل ثقافته وعدم دحرها أو الاستهانة بها كجزء منه!

حفظ الموروثات
وأكثر ما في الأمر من دهشة أني اكتشفت للنساء قدرة فذه على حفظ الموروثات والرموز الثقافية من خلال أرشفة ناراتيف ال حياة الاجتماعية بتفاصيلها ك أغاني الأعراس التي تشكلُ ملمحاً من ملامح التراث الحي النابض بالحياة وهن بذلك يتمتعن بدور ريادي في أي حراك اجتماعي. صدقاً، وجدتُ نفسي في قاعة كبيرة طالبة عربية، وحيدة، مسلمة، محجبة، ابنة أقلية أصلانية، تربطني جذور وتراب في شجرة التكّون، أمامي من الحواجز الكثير، أتعرف على المحيط الخارجي والعالمي ببعد سياسي دبلوماسي. وكنت أتساءل إلى أي إيديولوجية انتمي؟ وهل تحمل جيناتي الوراثية المضطهدة فهم لسيرورة ديمقراطية في هذا العالم؟ حقاً لم أجد في وعيي تفاسيراً يقبلها المنطق العادي، غير أن حيازة اللقب الثاني جل تفكيري. صرتُ استجدي قواي كي أفهم العالم المبني من متغيرات غير مفهومة ضمناً، متغيرات ربما لا علاقة لها بأيقوناتي الثقافية. وحين وجدت نفسي أتحاذى لثقافة وتأرخة وناراتيف وألم ونزف وشعر مقاوم، ومبادئ استنشقتها ضمناً وأصبحت جزءًا من هويتي اللاواعية.

المصطلحات الأكاديمية
وفي المقابل وجدتُ نفسي ضمن بوتقة واضحة المعالم تتقولب فيها التفاسير بناءً على القوانين التي يضبطها جهاز الأمن والسيادة في إسرائيل، سواءً بقبولي لها أو رفضي. انتمائي الذي كان مجزءاً، لغتي التي تنازعها على لساني لغة أخرى! تلك اللغة التي اصطدم بها بعد أمتار من خروجي من قريتي الكبيرة إلى العالم الخارجي، مُروراً بالشارع إلى محطة القطار ثم مع الجنود الشباب الذين يسافرون معي بالقطار أسبوعياً!! وكم كنت أحبس أنفاسي وفوهه البنادق لا تبعد عني أكثر من متر، فُكنت ألتصقُ بحقيبتي الجامعية !! وثقافتي، ديني وهويتي لا أجدها في إيقونات الدولة العبرية، فانا أتعلم الدبلوماسية في جامعة عبرية لغتها الرسمية عبرية وكل المصطلحات الأكاديمية كانت تصبُ في مضمار البحث الدولي. ومهما كان التلقين موضوعياً فهو يصبُ في حقل الأكدمة وأبحاثها، فكنت الحلقة الأضعف في مستوى تمثيلي، ومع ذلك الحاجة لكسر التمييز كانت تئيل بي إلى التمّيز. أحداً لم يصدق أنني خضت دراسة هذا الموضوع وأول رد فعل شفهي كنت أسمعه:" هل ستصبحين سفيرة لدولة إسرائيل؟؟". لا أنكر أن السؤال كان يربكنني ولم أستطيع حينها أن أستنطق حواسي لأجيب!! ولم أكن افتعل إجابة لفظية، هدفها فقط إفحام الطرف الأخر! وكنتُ أسالُ نفسي هل تئيل الدراسة إلى ذلك المكان لأكون إحدى نقاط التحول في حياة الأقلية؟ وكلما فكرتُ بهذا الاتجاه أجدُ نفسي انسلخ من مساحة جسدي لأحتوي بين أروقه كتفي أقلية وبُعد جماعي وأقانيم وثقافة! كدتُ اشعر أن وزني يتضاعف مع كل سؤال، وأنه علّي أن أفكر بالعرب الفلسطينيين الذين يسكنون على ترابهم ويستنشقون ما تبقى من أوكسجين غير متجانس في دولة إسرائيل، وأني بمجرد التفكير هذا انتقل من مكاني المجرد كأمراة لأصبح بثوانٍ ذهنية ذاكرة جماعية تتكون! رغم أن خوض التجربة الدبلوماسية شأنه أن يكسب الإنسان فرصة لتوسيع مداركه وآفاقه ليفهم العالم بطريقة أخرى تقربه من فهم السياسة والإستراتيجية الدولية وليس من الضروري أن يكون سفيراً لدولة إسرائيل..

من سأمثل؟
والسؤال كان يضعني بين فكي كماشة: من سأمثل؟ لغتي، هـُويتي، تاريخي، قوميتي؟ أم دولتي وقوانينها التي وُلدت بها وسُجلت على بطاقتي الزرقاء؟؟؟ وهل حقاً دراسة الدبلوماسية مُنتهاها أن تخرّج سفراء يمثلون الدولة في العالم؟ وما الذي أتي بي إلى السياسة والجمع بين تناقضاتها؟ وكيف استجمعت جرأتي وقواي لخوض التجربة بغموضها وإثارتها؟ ولماذا يجب علي أن أفكر ببعد جماعي أكبر من مقاساتي الشخصية!! أهي مسؤوليتي الجماعية ؟؟ أهو البحث عن امرأة حقيقية مشاركة في صنع القرار؟؟ كنتُ أسمع صدى التساؤل أسبوعيًا في سفري إلى الجامعة!! ومع كل ذلك، ساورني خوفٌ مربك، أحياناً كنت أصل إلى قناعة أن هذا ليس شأني، ولستُ ممن يحبون السياسة، ولستُ ممن اهتموا بأكثر من قراءة العناوين الرئيسية التي تتصدر الجرائد والمواقع المحترمة!! أو شاهدوا قنوات الأخبار لأكثر من خمس دقائق!! ولستُ ممن يمتلكون ملكة التحليل في المضمار السياسي، وأبدًا لم تكن السياسة ملفت اهتمامي أو وجهتي مهما كان بريق التمثيل الدولي. وأخيرًا اقتطفُ من الدبلوماسية، أن دول العالم تطمح أن تتوسع في رقعة الديمقراطية، وأن تكف عن تكرار التجارب المؤسفة في فض النزاعات الدولية والإقليمية، محافظةً على سلامة البشرية فجاءت العولمة تبعاً لذلك، التي غيرت ملامح الحدود بين دول العالم، فالمسافات قصرت وأحلامنا كبرت، وأنا ابنة هذا العالم لا زلت أتشبث بالحلم، ربما بعيداً عن السياسة، أن أكون سفيرة لقضية إنسانية صادقة، أي قضية، تجعل من هذا العالـم عالم أفضل إن شـاء الله.

موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.co.il

كلمات دلالية
المعارف تقر عدم اجراء الإمتحانات في المدارس الابتدائية