منبر العربHyde Park

سامحني يا مولاي أنا لست سارقًا!
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق صحيفة كل العرب
حاله الطقس

الناصرة
غائم جزئي
26

حيفا
غائم جزئي
26

ام الفحم
غائم جزئي
26

القدس
غائم جزئي
24

تل ابيب
غائم جزئي
24

عكا
غائم جزئي
26

راس الناقورة
غائم جزئي
26

كفر قاسم
غائم جزئي
24

قطاع غزة
سماء صافية
24

ايلات
سماء صافية
21
open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement open advertisement

سامحني يا مولاي أنا لست سارقًا! - قصة قصيرة بقلم:نعمان إسماعيل عبد القادر

المقامُ ليسَ ببعيدٍ.. السهلُ الواسعٌ يمتدُّ إلى الآفاقِ البعيدةِ منْ جميعِ الجهاتِ إلا منَ الشَّرقِ، فقدْ بدتِ الجبالُ القريبة المشرفة على السهل كقافلةٍ من الجمالِ تسيرُ شمالاً نحو الشام وقد بدت عليها آثارُ الإعياء من كثرة السير في طريقٍ

المقامُ ليسَ ببعيدٍ.. السهلُ الواسعٌ يمتدُّ إلى الآفاقِ البعيدةِ منْ جميعِ الجهاتِ إلا منَ الشَّرقِ، فقدْ بدتِ الجبالُ القريبة المشرفة على السهل كقافلةٍ من الجمالِ تسيرُ شمالاً نحو الشام وقد بدت عليها آثارُ الإعياء من كثرة السير في طريقٍ لا نهاية لها.. سار الرجل نحو المقام الذي حُكم عليه أن يسير إليه.. حذاءه المصنوع من الجلد تفتّق من الجهة الأمامية وكانت بعض أصابعه تطلُّ منه لتتخلص من الهواء الراكد في الداخل.. ثيابه المرقّعة بدت كأنها قطعة فسيفساء صنعتها أمهر الأيدي. والانجليز تركوا آثارًا في وجهه البرونزي حين اكتشفوا أن العرب اقتحموا معسكرهم فسرقوا ألواحًا من الزنك لتغطية أسقف الأكواخ حتى تقيهم من حرّ الصيف وبرد الشتاء، فألقي القبض عليه وراح جنودهم يكيلون له الضربات بأعقاب بنادقهم وتركوه ينزف دمًا.. القلق مستبدٌّ به وقلبه النابض يتناغم مع جفاف ريقه.. كيف لا وهذا قبر سيدنا النبي "مَتّى"(1) المقدّس الذي لطالما سمع الناسَ من العامة وحتى الخاصة من أهل القرية يتحدثون عنه وعن كراماته. ولطالما سمعهم يذكرون المصائب التي ألمّت بالعصاة ومن والاهم.. كانت رجلاه تنوءان بحمله، بصق على يمينه وقال في نفسه بِسَخَطٍ: "لعنة الله عليك يا إدريس! واللعنة على الساعة التي تعرّفتُ فيها على أمثالك يا إدريس.. كان الأجدر أن يسميك والدك إبليسًا؛ لأنك حقًا أنت الإبليس وأسوأ من إبليس.. الناس يتبركون من سيدنا النبي وأنت الآن تفرض عليَّ سرقة علبة كبريتٍ من بيته.. أليس هذا حرامًا؟ يا ويلي ما الذي يحصل لي بعد ذلك؟ توقف فجأة فنظر يمينًا ثم يسارًا فوجد السهل الواسع خاليًا من جنس بشر بإمكانه إن التقى بأحد منهم أن يقدم له النصح والمشورة..
أليسَ منَ العيبِ أوِ الحرامِ المرورُ منْ جانبهِ دونَ إلقاءِ التحيةِ أوْ قراءةِ الفاتحةِ على روح صاحبه الطاهرة؟! ففي الوقت الذي استعصى عليه القضاة في أروقة المحاكم الانجليزية في يافا أو نابلس ولم يتوصلوا إلى حلّ بعض القضايا وفك الخلافات بين الناس فقد نجح سيدنا النبي "مَتّى" هذا في حلها وفك رموزها المعقدة.. المسألة في غاية البساطة.. حلف اليمين. وكم هم الذين عُقدت ألسنتهم بعدما شهدوا شهادة الزور وانضموا إلى قافلة المعاقبين.. وهؤلاء الذين ماتوا بعد حلفهم اليمين الكاذب على مرأى ومسمع من الناس.. وغيرهم ممن فقدوا سمعهم أو أبصارهم أو أصابهم مرض أو شُلّت أطرافهم لارتكابهم المعاصي وعوقبوا أشدّ العقاب.. الحلف هذا في فناء قبر سيدنا النبي حتّى وبشهادته، رادعٌ لكلّ العصاة من الوقوع في المعصية أو حتى مجرد التفكير فيها؛ لأن الكاذب لا يمهله سيدنا فقد يمسّه سخطهُ فورًا وإن أمهله فبعد حين..
ولكسب رضاه فقد اعتادت النسوة على إضاءة المكان بالشمع أو بقناديل الكاز أو بسُرُج الزيت كل ليلة ورفع رايات خضراء على جدران المقام.. وأقل ما يمكن أن يقدمه المرء لسيدنا علبة أو علبتين من علب كبريت ليظل القوم يضيئون ويستضيئون بنوره فتراكم المكان بعلب الكبريت.. ويحرّم قطع الأشجار والأعشاب أو قطف الزهور القريبة من مسكن سيدنا النبي.. ولهذا فقد ظل الناس يرددون أغنية حفظوها عن ظهر قلبٍ كتبها أحد الشعراء على البحر الكامل مطلعها:
يا نسمةً حلَّتْ بأرضٍ مجدها في قبرِ متّى والسناء ينيرها
إن زرت "متّى" لا تجرّب سخطه إن المكاره لن يدوم جريرها
سلّم عليه قاصدًا إرضاءه إن الذنوب في الوجود يعيبها
المكان تحكمه عصافير الدوري وبعض يمامات اتخذت من الأشجار القريبة أعشاشا لها، فيما اعتادت بعض العنادب التغريد في ذلك المكان الآمن كلّ يوم في مثل هذا الوقت.. الصيف عربد على أجواء السهل الواسع فتيبست الأعشاب الخضراء. انتشرت الأفاعي وتزاحمت فيما بينها على الفرائس الصغيرة.. وحمل الأمر إدريسًا حين قبض على فارس متلبسًا بسرقة من ثمار الفقوس من مزرعته على إجباره إحضار علبة كبريت من المقام للتخلص من الأعشاب اليابسة ويشعل النار فيها.. دخل المكان في صمتٍ لكن الفزع أخذ منه فجفل جفلة كاد بها يلقى حتفه حين امتدت يده إلى علبة الكبريت القريبة وفوجيء بصوت حمامةٍ تفرّ من عشها فأحدثت ضجيجًا غيب الصمت في بضع ثوانٍ خلف جدران المقام. امتدّت يده ونطق بكلام متقطع وهو ينظر إلى القبر بعينين ذابلتين:
- سامحني يا مولاي النبي.. أنا.. لا أريد سرقة أي شيءٍ.. أنا.. لست مجرمًا.. إن إدريس هو المجرم الحقيقي.. هو الذي أرغمني على فعل ما ترى..
رجع إلى بيته والذعرَ يحمله. استلقى من التعب على حصيرة أعدتها له زوجته وراح يفكر بالكبيرة التي اقترفها بحق سيدنا وكيف يعيش بيدٍ قد يصبح فيجدها قد شلّت.. أو قد يستيقظ ولا يجد اليد التي تطاولت على المقام أو قد يمسه السوء من حيث لا يدري.. ثمّ تساءل متعجبًا:
_ " ولكن لماذا يسلّط النبي "مَتّى" سخطه علينا نحن الفلاحين البسطاء؟ أليس حرام عليه أن يعذّبنا على أبسط الأمور؟ لماذا لا يسلّط غضبه على المستعمر الانجليزي الذي سيطر على جميع أرضنا الجنوبية وأقام فيها معسكره المشؤوم؟ ألا يعلم بوجوده؟
الكوابيس ظلّت تلاحقه وأحلام اليقظة قضَّت مضجعه فلم يستطع أن يتجرع من كأس النوم إلا في الثلث الأخير من الليل، ولمّا استيقظ سارع يتفحص يديه ويقلبهما ليتأكّد من وجودهما..
قال له أحدهم:
- إن روح النبي "متّى" كانت وقتها غائبة وقد توجّهت إلى مكان آخر.. ربما ذهبت لزيارة مكة المكرمة أو المدينة المنورة للعبادة أو لزيارة أهل البقيع ولم تدر بما حصل.. أنت محظوظ جدًّا يا "خليل" أتدري لماذا؟ لأنها لم تعلم بما فعلت..
---------------
1) هذا القبر لا يزال قائمًا حتى اليوم في السهول الغربية في كفر قاسم. ويطلق عليه أهل المنطقة المجاورة اسم _ "النبي حتّى". ويُقال إن اسمه مّتّى الذي ذُكر في الإنجيل. وهناك من يقول إنه مقام لرجل صالحٍ يدعى "الزبيري"..

(كفر قاسم)

كلمات دلالية
نحف: وفاة الحاج صالح احمد سرحان (أبو محمود)