سياحةTourism

البتراء مدينة وردية شغلت العالم بجمالها
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

البتراء مدينة شغلت العالم بجمالها

قبل أكثر من ألفي سنة أخذ العرب الأنباط القادمون من شبه الجزيرة العربية يحطون رحالهم في البتراء. وبالنظر لموقعها المنيع الذي يسهل الدفاع عنه، جعل الأنباط منها قلعة حصينة واتخذوها عاصمة ملكية لدولتهم. وما تزال البتراء حتى يومنا هذا تحمل طابع البداوة، إذ ترى الزائرين يعتلون ظهور الخيول والجمال، لكي يدخلوا إليها في رحلة تبقى في الذاكرة طوال العمر. كانت البتراء عاصمة لدولة الانباط، التي دامت ما بين 400 ق م وحتى 106 م، والتي امتدت من ساحل عسقلان في فلسطين غربا وحتى صحراء بلاد الشام شرقا. ونظرا لموقعها المتوسط بين حضارات بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام والجزيرة العربية ومصر، فقد أمسكت دولة الانباط بزمام التجارة بين حضارات هذه المناطق وسكانها وكانت القوافل التجارية تصل إليها محملة بالتوابل والبهارات من جنوب الجزيرة العربية والحرير من غزة ودمشق والحناء من عسقلان والزجاجيات من صور وصيدا واللآلئ من الخليج العربي.


 وتتميز مدينة البتراء بأنها حفرت في صخر "وادي موسى" الوردي، ولذا سميت بالمدينة الوردية. وهي مدينة متكاملة يستطيع السائح أن يرى فيها كل المعالم الأساسية للمدينة، من "الخزنة" (بيت الحكم) إلى المدرجات العامة التي بنيت للاحتفالات والاجتماعات العامة، إلى "المحكمة" وأماكن العبادة، وحتى بيوت أهلها المحفورة في صخرها الوردي الملون. كما تتميز بمدخلها المحكم، فقد حفرت بين جبال شاهقة صلدة مع شق ضيق "السيق" تظهر على جنباته بقايا غرف الحرس ومناطق المراقبة. كما تميزت البتراء بنظامها المائي الفريد، إذ تتوزع فيها أقنية مبنية بشكل هندسي يضمن انسياب الماء بفعل الجاذبية من منابعه وعيونه إلى كافة المناطق الحيوية في المدينة.


 وما زالت آثارهم تشهد لهم بالعلم والمعرفة والعراقة بعد مرور أكثر من ألفي عام. التجول في المدينة بلا سيارات : يصل الزائر إلى قلب المدينة الوردية، ماشيا على قدميه، أو على ظهر جواد، أو في عربة تجرها الخيول، عبر "السيق" الرهيب. إنه شق هائل طوله ألف متر، يخيل للمرء أن جانبي الشقيف الصخري في أعاليه، وعلى ارتفاع 300 متر، وكأنهما يتلامسان، وعندما يقترب السيق من نهايته، فإنه ينحني في استدارة جانبية، ثم لا تلبث الظلال الغائمة أن تنفرج فجأة فترى أعظم المشاهد روعة تسبح في ضوء الشمس. إنها الخزنة، إحدى عجائب الكون الفريدة. والتي حفرتها الأيدي في الصخر الأصم على واجهة الجبل الأشم، بارتفاع 140 مترا وعرض 90 مترا.


بعد أن يتملى الزائر بأنظاره من روعة هذا المشهد البهي، يتقدم في وسط المدينة، فيشاهد على جانبيه مئات المعالم التي حفرها أو أنشأها الإنسان، من هياكل شامخة، وأضرحة ملكية باذخة، إلى المدرج الكبير الذي يتسع لـ7000 متفرج، إلى بيوت صغيرة وكبيرة، إلى الردهات، وقاعات الاحتفالات، إلى قنوات الماء والصهاريج والحمامات، إلى صفوف الدرج المزخرفة، والأسواق، والبوابات ذات الأقواس والشوارع والأبنية.

ولكن البتراء لا تقتصر على آثار الأنباط وحدهم، إذ يستطيع الزائر أن يشاهد على مقربة منها موقع البيضاء وموقع البسطة اللذين يعودان إلى عهد الأدوميين قبل 8000 سنة. كما يستطيع الزائر أن يسرح بصره في موقع أذرح التي اشتهرت بحادثة التحكيم في تاريخ العرب والتي تضم بقايا معالم من عهد الرومان.

وهنالك العديد من الواجهات التي تغري الزائر طيلة سيره في المدينة الأثرية، وكل معلم من المعالم يقود إلى معلم آخر بانطواء المسافات. إن الحجم الكلي للمدينة علاوة على تساوي الواجهات الجميلة المنحوتة يجعل الزائر مذهولا ويعطيه فكرة عن مستوى الإبداع والصناعة عند الأنباط الذين جعلوا من البتراء عاصمة لهم منذ أكثر من 2000 عام خلت. ولعل "الدير" يعد من أبرز المواقع المثيرة والجميلة في البتراء، حيث يقوم على مرتفع عال وقد نحت من الصخر بأشكال فنية مبدعة ويمكن الوصول إليه عبر سلالم ودرج يبلغ عددها 800 درجة واذا تسنى الصعود إلى قمته يبدو امام العيون مشهد فريد يأخذ باللب ويلقي السحر في النفوس حيث الأفق والفضاء يطير بلا حدود.

 للتعرف على بعض ذخائر ونفائس هذه المدينة المدهشة يحتاج الزائر إلى يومين أو اكثر ليكتشف معاني الدهشة والإثارة والانبهار حيث يوجد في هذا الموقع التاريخي الفريد متحفان الأول هو متحف البتراء الأثري والثاني هو متحف البتراء النبطي، وهذان المتحفان يعرضان نماذج من الأدوات والقطع الأثرية المكتشفة من خلال عمليات البحث والتنقيب التي جرت وتجري في البتراء وما حولها من المناطق كذلك هذه القطع التي يحتويها المتحفان تدل على عراقة المدينة الصخرية الوردية. وعلى قمة جبل عال وعر المسالك يصعب الوصول إليه إلا سيراً على الأقدام عبر مغامرة مثيرة محفوفة بالخطر يقع جبل هارون والذي يتوسطه مقام بناه السلطان الم ملوك ي الناصر محمد تكريماً للنبي هارون أخو موسى عليهما السلام. وعلى مشارف السيق المفضي إلى البتراء تقوم مدينة وادي موسى، وعلى ابواب البتراء اقام السكان المحليون اكشاكاً تبيع صناعات يدوية تراثية كالفخار والحلي والزجاجات الملونة التي تصلح تذكارات جميلة لرحلة مدهشة وزيارة فريدة.

 

كلمات دلالية