منبر العربHyde Park

قراءة في قصة | سهيل إبراهيم عيساوي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

قراءة في قصة يوم الانتخابات في سابانا-بقلم : سهيل إبراهيم عيساوي


قصة يوم الِانتخابات في سابانا ، تأليف الكاتبة الفرنسية ساندرين دوماس رو ، رسومات برونو روبرت ، اصدار مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي ، 2007 ، الترجمة عن الفرنسية وليد أبو بكر . تتحدث القصة عن معركة انتخابية حامية الوطيس ، في غابة سابانا ، لانتخاب ملك الغابة، أربعة من المرشحين اعتلوا الحلبة السياسية ليخوضوا المعركة الانتخابية ، كان الأسد "جو " أحد أبرز المرشحين ، لإعادة انتخابه ملكا للغابة ، لم يكن قلقا ، منذ زمن بعيد والأسود تعتلي عرش الغابة دون منازع ، أما الفيل "بيل " كان صديقا للجميع وفي الأسابيع الأخيرة كثف من زيارته المكوكية للمجاملة ، والزرافة كانت تعتقد انها الأنسب لهذا المنصب ، هي تشاهد قدوم الأعداء من بعيد لتحذر القوم ، والتمساح الذي يحلم بالعظمة والفخامة ، أصبح نباتيا بمساعدة خبير في الحمية الغذائية ، وقد نشرت العصافير الخبر في الغابة وانتشر كانتشار النار في الهشيم ، " التمساح جو لا يأكل أكثر من ليمونة " ، وعند شجرة الباوباب الضحمة ، عقدت مناظرة بين المرشحين الأربعة ، زأر الأسد جو وقال: لن أكون اقل من والدي ، الزرافة جيبيت صرحت " سأكون ضالتكم لتركضوا معي حتى نتجنب الخطر " ، وصرح الفيل بيل " سوف نعيش مجموعات متوافقة ومنسجمة " ، أما التمساح صرح " سوف أضع أنيابي في خدمتكم ضد من يهاجمكم " وعندها ارتفعت صيحات الجماهير " أنياب التمساح وعد للجميع " ، شعر بقية المرشحين بالغيرة والامتعاض من التمساح وصرحوا انه متملق ومراوغ ولن يسمحوا له بالوصول إلى كرسي ملك الغابة ، في النهاية جاء اليوم الموعود ،اليوم العظيم ، قام النمل بجرد وفرز الأصوات ، والتمساح جيم جاء على رأس القائمة ، تضايق الأسد " جو " فهذا الأمر لم يحدث يوما في سجلات سابانا ، خسر ارث الآباء والأجداد ونال صفعة قوية لم يحسب لها أي حساب مسبق ، خرج من الحلبة السياسية صفر اليدين ، أما التمساح جيم ، فكان مسرورا بما حصد من نجاح وفوز ، ابتسم وهو يبرز أسنانه البيضاء ، وخطب خطابا مقتضبا بالجموع ، ليبث السكينة في قلوبهم ، في اليوم الأول وزع الحقائب الوزارية على أفراد عائلته من التماسيح ، وأصدر أمرا ملكيا بتشديد الحراسة على الحدود ، على يد الشباب من التماسيح ،وقد أعجب حتى الذين لم يتشجعوا لِانتخابه بجديته فهو ينفذ الوعود بحذافيرها ويوفر الأمان ، واستراح الملك في مستنقعه لا يحرك ساكنا ، وعندما جفت مياه الجداول في الغابة ، حاولت الحيوانات اجتياز الحدود للبحث عن المياه لتنقذ أرواحها ، لكن الجنود التماسيح حرس الحدود ، قاموا بصدهم بغلاظة ، ولم يرق قلبهم لتوسلاتهم ، في تلك الليلة حاولت بعض الحيوانات التسلل خلسة لتمنع عنها الموت المحقق ، وكان من بينها الغزال ، لكنه أصبح لقمة سائغة في أفواه التماسيح ، عندها انتشر الخبر سريعا ، الملك نباتي لكن اخوته وأقاربه ليسوا كذلك ، لا بد من تنظيم ثورة تطيح بالملك وزمرته وعائلته المالكة ، لا بد من طرد الملك القاسي ، ومن يوم إلى يوم ، أصبحت قوة الحيوانات خائرة ، والأمور تزيد تعقيدا ، اجتمعت الحيوانات ، واقترح الفيل بيل ،إقامة احتفال للملك وللعائلة المالكة ، ويقدم لهم أحد أنواع الفطر ويطهى جيدا ، والتماسيح تحبه كثيرا ، عندها يمكن تسميم التماسيح والتخلص منها ، قام الفيل بدعوة التمساح ، الذي قبل دعوة الفيل على أساس أن الاحتفال تقديم الشكر والعرفان له على حفظ الأمان ، انقضت التماسيح على الوجبة تلتهمها، شعرت بالتخمة ، وانها تطير من شدة الفرح ، غادرت التماسيح المائدة ، نحو الشاطئ الصخري ، وطارت في الهواء وشعرت بلحظات العذاب ، ودوت أصوات الحيوانات " أحسنا التصرف ، وعلينا أن نختار جيدا هذه المرة ، وتمت استعادة الحياة من جديد في غابة سابانا .

رسالة الكاتبة :

القصة جاءت على لسان الحيوان ، تتحدث عن الانتخابات ، واحتدام الصراع على السلطة ، لأن السلطة مجد كبير ومكسب عظيم ، وليس بالضرورة من يصل إليها يهدف إلى تقديم خدمات حيوية للجمهور الواسع وحتى الذين منحوه الثقة في صناديق الاقتراع ، الأسد الذي استند على مجد الآباء والأجداد ، استهان بالناخب ، وقوة التمساح وإمكانية فوزه ، ولم يستوعب الصفعة التي تلقاها ، أما التمساح المراوغ ،فقد مهد لانتصاره بتحوله إلى نباتي وتغيير جلده، استعان بخبير بالحمية الذي يرمز الى مستشار انتخابي الذي ينجح في تجميل صورة المرشح من خلال تلميعه وتمويه الناخب ، حتى يظن المرشح نفسه أنه فعلا شخص اخر ، التمساح سرعان ما عاد الى أصله وجلده الحقيقي بعد الفوز بالانتخابات ، عاد إلى الخمول ، واللامبالاة ، لم يحرك ساكنا ، حتى في أحلك الظروف والحيوانات تقف على مشارف الموت ، كذلك عادت التماسيح تلتهم اللحوم وتهدد سكان الغابة الامنة ، لم يسمحوا للحيوانات ان تنجو بأرواحها ، منعوهم من البحث عن الماء عن الحياة ، بحجج واهية ، فقط الرغبة في السيطرة والاكراه ، أما الأسد توارى عن الأنظار بعد سحقه في الانتخابات ، لم يبادر ولم يقدم العون أو المشورة للحيوانات في أحلك الظروف ، أما الفيل فكان موقفه يتسم بالحكمة والشجاعة ، بادر الى التخلص من التمساح وأسرته المهيمنة بقسوة على مصير الغابة ، تضرب بمصالحهم بعرض الحائط ، وصل التمساح بخدعة وتملق الى سدة الحكم ، أيضا تم التخلص منه بخدعة ، في القصة تقدم الكاتبة تحذيرا للقارئ من الاختيار الغير سليم للقائد ، لأن الناخب هو من يدفع الثمن ، فقد استحوذ التمساح وجماعته على موارد الغابة والمناصب الهامة وحتى الحراسة وقام بإقصاء الجميع ، لأنهم استهتروا بأصواتهم والتي هي قوة كبيرة ، يدفعون الثمن غاليا بأرواحهم ومصالحهم ومستقبل الغابة وأهلها . أيضا القصة تعرض الصراع والفرق بين النظامين الديمقراطي والدكتاتوري ، ايجابيات وحسنات كل منهما ، وكيف يمكن ان يصل الدكتاتور إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع مستغلا سذاجة الناخبين وانطلاء الحيل الانتخابية ، وشحذهم بالأيديولوجيا والأوهام ، والتاريخ المعاصر يحفل بالنماذج الحية .

القائد والقيادة في قصة انتخابات في سابانا :
على القائد وضع مصلحة الشعب في سلم أولياته ، والعدل دستوره ، لا يستحوذ على مقدرات الوطن والناس ، ولا يقوم بإقصاء الاخرين وِاِن اختلفوا معه سياسيا أو فكريا أو انتخابيا ، وأن يكون في الصف الأول عند وقوع أي خطر ، يبادر ، حتى لو لم يكن في السلطة ،الموقع لا يسلب القائد قوته وفكره ومكانته وقدرته على التأثير، ان حاد القائد عن الطريق الصواب ، تعود القيادة ِإلى الشعب ، الذي يملك كل القوة هو صاحب الأرض والوطن والقرار هو مصدر الدستور وله الكلمة العليا ، بإمكانه إزاحة الطاغية اِما عن طريق الثورة العارمة التي يتحد بها الشعب على كلمة واحدة ، واما عبر صناديق الاقتراع وفقا للظروف ، في النهاية الظلم لا يدوم ولا بد للعدالة ان تسود ولا بد للشمس أن تشرق لتبدد الظلام .

إقرا ايضا في هذا السياق: