منبر العربHyde Park

خطاب إلى نجمة الفجر| ناجي ظاهر
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

خطاب إلى نجمة الفجر/ بقلم: ناجي ظاهر


ما الذي حدث لنا. لك ولي. لماذا ابتعدت كل هذا الابتعاد؟.. تعتقدين أنني مجنون وأن البعد عني غنيمة.. ألا يمكن أن تكوني أنت المجنونة.. بدليل أنك تنازلت عني بكل تلك البساطة؟.. أعرف أنك تبتعدين لتقتربي، أعرف هذا جيدًا. هذا ليس الابتعاد الاول. بإمكاني أن أذكّرك بأكثر من ابتعاد. أول ابتعاد لك، إذا لم تخنى ذاكرتي المخلصة الوفية، كانت يوم تمرّدت عليّ وقلت لي: إذا أردت أن تتحدّاني ستكون أنت الخاسر ولست أنا بأية حال.. يومها لم أعرف بماذا أجيبك.. كنت ادرك تمام الادراك.. أن مناورتك هذه قد تقضي على علاقتنا ولو مؤقتًا.. وما كان بإمكاني أن أستغني عنك وعن كلماتك الشاعرية الجريئة تطير عبر المسافات طاوية المسافات الواسعة الشاسعة بجبالها.. سهولها ووديانها.. لتستقر هنا في أذني.. قلبي وروحي. يومها ارتبكت.. حققت لك ما أردت.. صمت.. وطال صمتي.. فما كان منك إلا أن أخذت صمتي ذاك ذريعة لأن تقولي إنك قرّرت ألا تتصلي خلال شهر.. وحدّدت اتصالك المظفر ذاك باليوم والساعة بل الدقيقة والثانية.. في فترة انقطاعك تلك كنت كلّما رنّ تلفوني أهرع إليه معتقدًا أنك أنت المتصلة الكريمة.. إلا أن اعتقادي هذا كان يخيب ليكون المتصل أحد الثقلاء.. أعترف أنك صدقت يومها.. ففي الساعة .. الدقيقة والثانية المحددة.. رن تلفوني لتكوني أنت المتصلة المنتظرة. ولأنعم بسماع صوتك المخملي الرنان:
-ها أنذي عدت إليك.. إياك وإغضابي. قلت.. بعدها عبثًا حاولت إقناعك بأنني لم أغضبك.. بل انني بالغت بوعودي السخية لك.. فتبرعت بألا أغضبك مهما كلّفني الامر. في الابتعاد الثاني، وأنا لا أنسى تلك الابتعادات، فقد خبرت سياطها على جلدي العاشق الطري.. حدث أمر آخر لم يكن في حسابي ولم أكن اتوقعه. فقد تناقشنا في أمور شتى كالعادة، فما كان منك إلا أن تطلبي مني أن أعيد ما قلته لك. وهو أننا يفترض أن نلتقي، أن نتقارب أكثر. فسألتني بأية صفة.. تطلب هذا الطلب؟ قلت لك بصفة من انتظر المطر يهمي ليسقي ربوعه و.. وروده العطشى. قلتِ افصح.. فأفصحت وليتني ما فعلت.. قلت بصفتي سكنك وبصفتك سكني.. نهاري وليلي.. يومها قلت إنك لن تلتقي بي إلا بصفة محدّدة.. ولما كنت افتقر لمثل هذه الصفة، صمتُ وطال صمتي، فما كان منك إلا ان أجريت لي محكمة ميدانية وقرّرت الابتعاد مدة نصف شهر. مُكررةً تفاصيل تلك القطيعة.. أمامك نصف شهر ابتداءً من اليوم بإمكانك ان تسرح به وتمرح.. أطلقت عقال هذه الكلمات.. بعدها حدّدت موعد الاتصال.. حينها انتهت المكالمة بيننا وأنا اندب حظي.. واصبّر نفسي على بعدك الغليظ. في الموعد المحدّد رنّ تلفوني وبالفعل جاءني صوتك ليصل فيما بيننا ما انقطع من حلم بهي استرخى في ديارنا.
فعلت هذا كله وأنا لا اتخذ ضدك أي إجراء فقد غلبني حبي لك وغلّبني..
لقد بقيت على هذا الوضع من الشدّ إذا ارخيت والرخي اذا شددت (قاتل الله معاوية ابن ابي سفيان فقد علم الناس كيف يتصرفون في لحظات التواصل الجدية)، بقيت كذلك إلى أن أيقظتني كلماتك الاخيرة تلك.. وابتدأت استوعب أن الوقت حان لأن أردّ عليك وأن آخذ زمام المبادرة، فإما حياة تسرُّ الصديق وإما ممات يغيظ العدا)، لا تصدّقي كلامي هذا، أنت تعلمين أنني لا استغني عنك.. حتى لو كانت حياتي الثمن.. أعرف أن هذا ليس مهمًا حاليًا.. المهم أنني قرّرت أن ادخل اللعبة، لعبة المحبة، بأسلوبي الادبي الخاص. قلت لك في إحدى مكالماتنا، إنني لا استطيع أن ابقى هكذا بعيدًا عنك وأن بُعدك عني يكاد يقضي على روحي. يومها سألتني بالحرف الواحد الواضح، والحلّ؟.. اجبتك الحلّ هو ألا تبتعدي وأن تقتربي أكثر، فأنا إنسان وبحاجة إلى من تأخذ بيدي فتشنّف أذني بأبهى الكلمات وأرق الروايات. يومها شعرت أنك اقتنعت بما قلته، وهو ما أفصحت عنه في فترة تالية حين قلت لي إن كلماتي كانت أشبه ما تكون بعصافير بلادنا ذات الارياش الملونة. بعد اقتناعك ذاك انفتح الباب السري في علاقتنا أنت وأنا، وابتدأتُ انعم بسماع صوتك بصورة يومية تقريبًا. كانت تلك فترة ذهبية في علاقتنا المشتركة، فما كنت أطلب منك أي طلب مهما كلّف.. وأيا كان.. حتى كنت تستجيبين لي زاحفة وماشية وراكضة.. كانت اسلاك التلفون حينها تجمعنا. تلك كانت الفترة الذهبية في علاقتنا التاريخية. وكان كل منّا يعيش كل لحظة وكل دقيقة وثانية كأنما هو ينتزعها من قلب الخلود وصميمه الدافئ. ما أروع تلك اللحظات.. ما زالت حلاوتها تبعث الحياة في لسياني وأكاد اقول في وجودي. لكن مثلما يحدث وآه مما يحدث هذا، لم يدم نعيمُنا، وعدت بقسوة راسك المعروفة المعهود إلى شخصيتك القديمة، شخصية معللتي بالوصل، وفاجأتني بما لم احسب له حسابًا. قلت لي الآن انتهى، إفعل ما يحلو لك. لن انساق وراء كلماتك الدافئة بعد اليوم.
قلت لك يومها:
-والحلّ؟
-الحلّ عندك. أجبتِ.
ما أن سمعت كلماتك هذه.. حتى شعرت بنفسي تهتز وبوجود يرتعش، وتابعت قسوة راسك قلت بصريح العبارة: أريد أن اتحدث إليك بصفة محددة. قلت لك أنت كل الصفات. إلا أنك رفضت الاستماع إلى حجتي هذه. وأصررت على موقفك. قلت إن ذاك هو قرارك الاخير. وأكدت أنك ستبتعدين مدة ثلاثة أيام، بعدها ستعودين لتصغي إلى قراري الأخير. إما أن تكون لك صفة وإما لا تكونين.
بعدها أغلقت هاتفك.. وتركتني لأحلامي أكاد أقول لأوهامي.. ليمر اليوم الاول والثاني.. في موعدك المحدد رن تلفوني... رن.. رن.. رن.. كنت أعرف أنك انت المتصلة.. إلا أنني لم أرد، وبقيت مُصرًا على عدم الرد، إلى أن صمت تلفوني ودخل في حالة موت سريري.. لم يكن لدي ما أقوله لك.. كل ما كان بإمكاني أن افعله هو أنك تريدين مني شيئًا واحدًا هو الصفة.. أما أنا فقد كنت أريد أن امنحك كل الصفات.. يا نجمة الفجر الاولى.

إقرا ايضا في هذا السياق: