رأي حرOpinions

تحت المجهر!| د. نائلة تلس محاجنة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

تحت المجهر!| بقلم: د. نائلة تلس محاجنة


تنشئ وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة الفيسبوك والانستغرام، مجتمعًا افتراضيًا حيث يمكن للناس أن يتّحدوا مع العائلة والأصدقاء، بغض النظر عن مكان تواجدهم. كما تتيح التطورات في التكنولوجيا الوسائط الاجتماعية للمستخدمين تقديم أنفسهم ومشاركة أحداث حياتهم مع الآخرين، من خلال الرسائل الشخصية والصور.


ومع ذلك، على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي تساعد الأفراد على البقاء على اطلاع دائم بما يجري في أحداث حياة أصدقائهم، فإن تعريض الكثير للمحتوى الذي ينشره الأصدقاء على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يدفع الأفراد حتمًا إلى مقارنة أنفسهم بأصدقائهم. كما أفادت الأدبيات المتعلقة بالنتائج المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي بالعواقب الإيجابية والسلبية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الجانب الإيجابي، تعزز وسائل التواصل الاجتماعي المشاركة النشطة للمستخدمين في إنتاج المحتوى. ما يجعلها أداة قوية للناس للمشاركة في مشاركة المحتوى والعرض الذاتي على الإنترنت. ويعتمد الأشخاص أيضًا بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، لتطوير العلاقات مع العائلة والأصدقاء والحفاظ عليه.
علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات أنه يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز رأس المال الاجتماعي وتسهيل مشاركة المعرفة بين المستخدمين. مع ذلك، على الجانب الآخر، يرى الباحثون أن الاستخدام غير الملائم لوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يؤثر سلبًا على الصحة الجسدية والنفسية. ووجدت الدراسات أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلى تدهور العلاقات الشخصية في الحياة الواقعية، ويمكن أن يؤدي إلى العزلة الاجتماعية.
علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات أن المراهقين الذين ينخرطون بقلق شديد في عرض الذات على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يكونوا أكثر عرضة للإجهاد النفسي والنرجسية. ويمكن أن تؤدي مشاركة المعلومات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا إلى تعريض الأفراد لمخاطر الخصوصية والأمن. وهذا يدفعنا بالتأكيد الى ان نكون أكثر انتباها ويقظة وحذرا في خضم هذا العالم، فالفجوات بين العالم الافتراضي والواقعي كبيرة جدا.


وإذا ما خضنا بجيل المستقبل فيميل المراهقون إلى الانجذاب نحو "مجموعة او افراد" اذ يعرضهم وبشدة لنتائج نفسية وسلوكية سلبية من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. اذ أظهرت الأبحاث أن المراهقين عادة ما يكونون في الفئة العمرية التي تنشر بشكل كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي للعرض الذاتي لإثارة إعجاب الآخرين. لذلك، فإن تعريض المراهقين لأحداث الحياة المواتية، التي قد ينشرها أصدقاؤهم من أجل خلق انطباعات في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن بسهولة أن يجعل المراهقين ينخرطون بشكل أكبر في المقارنات الاجتماعية.


وهنا علينا التوقف قليلا، واستطلاع الصورة بادراك أكثر عمقا. ومع ان النمو النفسي-اجتماعي يبدأ في المراحل الأولى من الولادة مع مراحل عمرية تطورية مختلفة، فيبدأ الإحساس بالثقة مقابل عدم الثقة، وينتقل الى الإحساس بالاستقلال مقابل الخجل والشك، ثم الشعور بالجهد والمواظبة مقابل الشعور بالنقص والدونية، وصولا الى الإحساس بالهوية مقابل غير الهوية. الا ان المرحلة الأخيرة لها تأثير كبير على كيانه خاصة بالظواهر خارج العائلة، والتي يتدخل بها في عصرنا بالإضافة الى الأصدقاء المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي.


ان ما يحزن واقعنا حين نرى يافعينا ويافعاتنا يقلدون نماذج شخصيات "مؤثرين" او مشاهير برغم تدني محتواهم وغياب قيمهم وفراغ وتفاهة مضامينهم، حتى يضحو نموذجا يقتدى به. ان تأثير المظهر والصورة أيضا يتسق مع العولمة التي باتت في نسج مسارات مختلفة للمجتمعات والافراد، وإذا لم يدرك الوالدان والمربون عمق ما نحن في صدده فقد نفقد البوصلة في استرشاد يافعينا ويافعاتنا نحو نهضة مستقبلهم. وعليه فان على الوالدين والمربين فتح أبواب ونوافذ الحوار والنقاش معهم دون فرض شرطية ان ما تطرحه المواقع هو بالضرورة سلبي، وانما النقاش الذي يوحي في استنباط الجوانب المختلفة بحيثياتها وصورها المستحسنة والمستنفرة، وبذلك يساعد ابناءنا وبناتنا على تطوير مهارات النقاش وتقبل الرأي الاخر وانتقائية الاستفادة من المتاح. كما علينا ان ندرك دور الوالدية في التنشئة الاجتماعية منذ الولادة وصولا الى البلوغ. فهي حالة تتصف كما لو ان الطفل يحمل مجهرا ويتبع كل سلوكياتنا ويفعّل خلاله ذهنه الاحصائي في غربلة مستمرة وإعادة ترتيب للاستنتاج الذهني، الذي يحصل عليه من نتائج ردود افعالنا.


لذلك فإننا ملزمون بمحاسبة ذاتية والتيقن من كل سلوك مهما كان بسيطا، فان بلورة المفاهيم والدلالات لدى أطفالنا تبدأ من السنة الأولى من حياتهم. ومع ذلك علينا ان لا نتجاهل خصوصية عصرنا وتحديثاته وكثرة التداخل والكم الهائل من المعلومات التي يتلقونها عبر قنوات مختلفة.
أدرك اننا في زوبعة ولا ينجو منها الا من كان بحصانة نفسية متمسكا بقيم ومبادئ رفيعة ودورها لا يتجسد الا ضمن مفاهيم ومراحل تراكمية. وهذا يدعونا الى التمعن في التفاصيل والزمن حتى نستقي التراكم المنشود بمرحلة ما.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com


إقرا ايضا في هذا السياق: