منبر العربHyde Park

حروفُ الوطن/ رافع حلبي
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

قراءة في ديوان الشاعر محمد الشحات القاهرة مصر: حروفُ الوطن/ رافع حلبي

يقولُ الفيلسوف الراحل المعلم الكبير كمال جنبلاط لبناني الأصل والمنشأ، في قول حكيم له: "يفترض أن يكون للفرد نظام للأخلاق والمناقبية في داخله وفي علاقاته مع الآخرين، فالنظامان نظام المجتمع ونظام الأخلاق متلازمان مُتصلان، لا يقوم أحدهما بدون الآخر، وإلّا سقط الفرد وفسد المجتمع واضمحلّت الحضارة وتبعتها في اضمحلالها جميع مكاسبها المادية."

باللهِ تعالى نستعينُ، الحمدُ للهِ تعالى ربِّ العالمين، على كلِّ نِعَمِهِ، وإنّها لنعمةٌ كبيرةٌ أن نكتب مشاعرنا وأحاسيسنا، ونرفع فكرنا وآرائنا للعالي متمنين من الله تعالى التوفيق في بناء مجتمعنا ورفع راية وطننا في كل مكان، لكل من يقرأ هذه الكلمات أقول، مسموحٌ لنا أن نحلُمَ بكُلِّ شيءٍ، حتَّى بأحلامِ اليقظةِ، مَسْموحٌ لنا أنْ نحلُمَ بالوَطَنِ والحرِّيةِ والمستقبلِ والمُساواةِ والارتِقاءِ في بناءِ المجتمعِ... وتحضُرُني المقولةُ التاليةُ من أحَدِ كُتُبي:

"الشُّعَرَاءُ والأُدَبَاءُ حَامِلُو رَاياتِ الشُّعُوبِ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ مَا يَجيشُ فِي صُدُورِ الْمَلاَيِينِ العَاجِزِينَ أَمَامَ الكَلِمَاتِ وَكِتَابَتِهَا. عِلمًا أنَّ الكَلِمَةَ الرَّائِدَةَ والهاَدِفَةَ، تعيشُ فِي ذَاكِرَةِ التّارِيخِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ عُمْرِ الإنْسَانِ الَّذِي كَتَبَهَا، فَيُخَلَّدُ بِهَا الإنْسَانُ عُمْرًا آخَرَ كَعُمْرِ الكَلِمَاتِ، في مسيرة الحياة"، وهذا ما نفهَمُهُ من مضمونِ ديوانِكَ حروف الوطن.. دون أن تعرفنا على أي شيء منه.

الشاعر المؤدب الذي خط قلمه لنا ولكل أهل الأرض الطيبين هذا الديوان، يكتب في استهلال ديوانه إهداء رائعًا لوطنه وهي جملة واحدة تعرفنا عن مدى محبة وخوف الشاعر على هذا الوطن، ويتابع في استهلاله للديوان فيكتب لنا قصيدة بعنوان: "ثلاثية الوقت"، ص – 7، لتعرفنا عن شيء لا نعيره الأهمية على كل ربوع دول العالم العربي، وهو عامل الوقت والزمن الذي نضيعه سدًا في الكثير من الحالات ولا نقيّمه كما يجب.

" ثلاثيَّةُ الوقتْ

افترقنا على موعدٍ.. يا رفاقُ، ولمْ نلتقِ إنَّ كُلَّ المواعيدِ نائمةٌ وهْيَ .. لا ترتقي.. كي نفوزَ بها" ***

ويتابع الشاعر تساؤلاته فيكتب: "هلْ يُتيحُ لنا وقتُنا.. أنْ نصاحبَهُ برهة بعدها نتخيَّرَ. منه الجزئياتِ . أو ما نحبُّ.. فيستهلُّ سيفًا "

ويتابع الشاعر حديثه عن الوقت الذي يرافقنا منذ بداية حياتنا حتى نهايتها حيث يرسم هذا الوقت المار في حياتنا ملامح وجوهنا منذ الصغر وحتى الكبر فيقول وهو يراقب هذا الزمن:

" وقتنا ما أزال أراقبُ صولتهُ كانَ يجلسُ مُنتشيًا.. حينَ يُرْسَمُ فوقَ ملامحنا، ثم يملكُنا، ثم يتركُنا.. ونحاولُ أنْ نتخلَّصَ مِنْ رسمهِ.. رغمَ هذا السَّفرْ." * * * * *

في قصيدة الشاعر: "الخروج من الحزن"، ص – 11، يتوجه وببساطة سلسة لوجه أمه ويعبر عن طفولته وبكائه، وخوفه أن يمضي ويسير في هذه الدنيا بلا وطن، ويعود باحثًا عن وجه أمه وملامحه التي لم تغيب عنه في ذاكرته المزدحمة الممتلئة، بالأشياء التي جمعتها على مر الزمن دون أن يذكر حتى كلمة الزمن، فيوصل الزمن بطفولته والوطن ويربط كل ما يمر به بوجه أمه، التي تكاد أن تكون كل أم على هذه الأرض، وكأن الشاعر يربط وجه أمه بنهر لا يجف ولكنه ليس نهر عيني أمه الباكية بل نهر النيل الذي يُحيي (بإذنه تعالى)، بمياهه أرض مصر والسودان والحبشة على حد سواء، هذا هو النهر الذي أنقذ الوطن وصار موطن الكثيرين من أبناء مصر والدول المجاورة لها من الجنوب في القارة السمراء، والشاعر هنا يساوي وجه أمه كوجه الوطن الحامي له من المآسي والحالم به، والمرأة هي الوطن الذي يريد أن يسكنه الشاعر، ويحبه حتى لو أبكاه هذا الوطن، فبه يرتقي الشاعر إلى السماء وكم يسمو بمحبته له، ولم أستطع إلا أن أضيف لتحليلي الأدبي قصيدة الشاعر: "الخروجُ مِنَ الحُزنِ"، بالذات كاملة لجمالها دون أن أتكل على القارئ والمطالع للبحث عنها وقراءتها، فهذه القصيدة تجمع بين أمور كثيرة يمر فيها كل إنسان على هذه الأرض، وليس مهمًا إن كان عربيًا أو مواطن من دولة أخرى فلكل أهل الأرض أوطان يحبونها ويشتاقون إليها إن ابتعدوا عنها، يكفي أننا بشعورنا المتبادل إخوة في الإنسانية. "الخروجُ مِنَ الحُزنِ

قدْ كُنتُ أرقبُ وجهَ أمِّي حينَ أضحكُ.. هلْ رأيتَ خيوطَ نورِ الشَّمسِ.. ترسمُ زهرةً.. لا تستحي مِنْ لونها.. فتذوبُ في وهجٍ بلا وهجٍ تجيءُ؟! * * * ما زلت أذكرُ في المدى.. نبراتِ صوتكِ حين تلفحني وتحملُني هنا.. طفلاً يحاولُ أنْ يُقاومَ خوفهُ فأتوهُ في لُغةٍ.. أنامُ بصمِتها قدْ حانَ وقتُ رجوعِ صوتكَ فانتبهْ مِنْ أحرفٍ تنمو على وجعٍ يفاجئني البكاءْ فأخافُ أنْ أمضي بلا وطنٍ فأبحثُ عن بقايا رحلةٍ لا تنتهي وأعودُ أبحثُ عَنْ ملامحِ وجهِ أمِّي. كنت ألمحهُ/ هُدًى مازالَ يسألُ في عيونِ النَّهرِ عنْ وطنٍ حلمتُ بهِ هناكْ. فأخافُ مِنْ خوفٍ أتوهُ بدربهِ وأظلُّ أبحثُ في عيونكِ عن براءتيَ الَّتي.. ما عدتُ أعرفُ لونَها مَنْ قالَ إنَّكَ راحلٌ؟! هلْ سوفَ تحملُ حينَ ترحلُ.. كُلَّ أحلامِ الطُّفولةْ؟! أو خوفَ أمَّكَ.. كلَّما جاءَ المساءُ؟! أما تعودُ الآنَ للوطنِ الَّذي ما عادَ يعرفُ لونَ وجهكْ! هلْ أنتَ كنتَ حملتَهُ في طيِّ مِنديلٍ.. تنامُ بحِضنهِ ريحُ المدائنِ فارتوِ منهُ لعلَّكَ أنْ تعودْ قدْ زادَ شوقُكَ، والحنينُ لوجهِ أمِّكَ لمْ تعدْ تلقاهُ يمضى ضاحكًا فاتركْ عيونكَ.. علَّها تمضى إلى وطنٍ.. يحبُّكْ أغمضْ عيونكَ.. كلَّما زادَ البكاءُ لعلَّ حزنكَ عندما تمضي بهِ يصفو لوجهكَ لحظةً أو ينتهي..." * * * * *

ينصب فكر الشاعر هنا في قصيدة: "وجهُك يا أخِي مازالَ يتبَعُنِي"، ص – 44، على رثاء لأخيه، فيصور حالة اجتماعية قد تكون من الأهم في حياتنا، ألا وهي فقدان الأخ والابن، حيث تنعكس في هذه الحالة المنظومة الحياتية الطبيعية، فعادة ما يفقد الأبناء الآباء، وهذا الفقدان المتوج بالموت بإرادة الله تعالى، صعب جدًا، ولكن الأصعب من ذلك بكثير فقدان الأب لابنه، وتتضح لي هذه الحالة بشكل خاص، لأنني فقدت أخي البكر وهو في مقتبل العمر، وشاهدت تصرفات والديَّ (رحمهما الله العلي القدير)، النابعة من الحزن العميق والألم الشديد الذي رافقهما حتى نهاية حياتهما، ولاحظت وكأن جن جنون والدي، إذ رأيته مرارًا يتحدث لصورة أخي المعلقة على الجدار في مضافة بيت أبي، وهو جالس مع والدتي، وفي هذه القصيدة يضع الشاعر أمامنا تساؤلات عديدة موجهة لأبيه، محاولًا فهم مشاعره اتجاه فقدان أخيه، ولكننا نحن لا نفهم شعور الآباء المنغمس بالألم والحزن، عندما يفقدون الأبناء، فالصبر الجميل لا يزور قلوبهم في مثل هذه المصائب الصعاب، هم لا يحتملون أن نمرض أو أن نتألم، فكيف يتصرفون إن زارهم الموت بغتتًا لأخذ ابن بار بوالديه، حقًا موقف صعب جدًا وربما يكون الأصعب، في حياة أي والد في جميع مجتمعات أهل الأرض، ولكن الزمن يدور ويدور، حتّى يزورهم الموت ويبعدهم عنا في القضاء والقدر المحتوم، الذي لا مفر منه وكلنا سنلتقي الموت يومًا ونعيد الأمانة لبارينا، منظومة يصعب فهمها ولكنها من حالات الإيمان بالله تعالى والقضاء والقدر، وهذا الأمر ما يخفف عنا تقبل هذه المصيبة، التي قد تأخذنا إلى علم الغيب، وعتاب كبير للمصير المحتوم المجهول، محاولًا الشاعر أن يمضي وحيدًا في رحلة الحياة، ناسيًا فقدان أخيه ويعيش بدون الحزن والأم اللذان يرافقانه ولكنه لا يستطيع، إلا أنه يحاول النسيان.

"وجهُك يا أخِي مازالَ يتبَعُنِي

إنِّي سألتُكَ يا أبي ودموعُ عينكَ لمْ تزلْ تَرْثِ أخي هلْ كانَ يسمعُ وقعَ صوتكَ عندما تدعوهُ كي يصحو؟ ويفتحَ قلبهُ كي يرتوي.. مِنْ فيضِ أصواتِ المؤذِّنِ يا أبي هلْ كانَ يعرفُ أنَّهُ.. يمضي لرحلتهِ الأخيرةِ فاستغلَّ تداولَ الأيَّامِ.. كي يصبو بما ينجيه مِنْ هذا القلقْ فأراهُ يكبتُ كلَّ رغباتِ الصِّبا، ويقدِّسُ الأرضَ الَّتي ستضمُّهُ تحتَ التُّابْ يا قسوةَ الموتِ الَّذي يأتي.. على عجلٍ.. فيأخذُ كلَّ ما يحلو لهُ ونراهُ يحصدنا فنبكي ثمَّ تأخذُنا الحَيَاةُ نتيهُ فِيِها إنَّنا مَوْتَ فلا تتركْ عيونكَ ترتوي ممَّا يُتاحْ أحْكِمْ نوافذكَ الَّتي ترنو.."

في قصيدة: "أنا لا أحِّبُّكَ مرتّين"، ص – 72، يذكرني الشاعر محمد الشحات بفكرة من مقطع قصيدة للشاعر الكبير نزار قباني، الذي صعد للعالي على جسد المرآة، ومحاسنها ومفاتنها ناعمًا كالورد ورقيقًا مثل الفراشة التي تطير في بين الأزهار ولا نشعر بها بل يمتلئ المكان من جمالها فيقو الشاعر الكبير نزار: "حبك يا عميقة العينين حبك مثل الموت أو الولادة صعب أن يعاد مرتين"

هذه الكلمات المعبرة التي تصل بين البداية والنهاية في آن واحد للأبد، هي التي ارتقى بها الشاعر الكبير نزار إلى فكر كل امرأة في العالم، لتظنه يخاطبها أو بالتحديد تظن حبيبها يخاطبها بهذه الكلمات، وشاعرنا هنا يتجاوز المألوف ويعبر للغة التيه والخيال لذلك هو أحب فتاته مرة واحدة وأبقاها في شرايينه وفؤاده للأبد، لذلك لا يستطيع أن يحبها مرتين، حتى لو ابتعدت عنه لصعوبة ما قد يتحمله في هذه الحالة من الوجد وصبوة العشق، فيكتفي بحبها مرة واحدة، وصعب أن يعاد هذا الحب مرتين، كما قال الشاعر الكبير نزار قباني، وهذه حالة توارد في الأفكار، ترتقي بنا جميعًا نحو الأفضل، في كل مجالات الشعر والفكر والأحلام التي نرسمها لأنفسنا، ونعرف أنها تناسب الكثيرين مثلنا من بني جنسنا البشري بغض النظر إذا كانت امرأة أو رجل في حالات متشابهة.

أنا لا أحِّبُّكَ مرتّين

أغلقتُ عيني عندما أخرجتُ وجهكِ مِنْ شراييني مضيتُ الآنَ أبحثُ في حروفِ الشَّوقِ عنْ لغةٍ أتوهُ بها هنالكَ كانتِ الأشواقُ تحمِلُني على مهلٍ أغارُ الآنَ من عيني إذا ما القلبُ أفرغَ شوقهُ بالأغنياتِ * * * * *

يُضيف الشاعر الظريف محمد الشحات، محبته لوطنه ومجتمعه، وراح يصفه بأجمل ما يقال وأرقى ما يكون من حالات يمر فيها كل أبناء المجتمع، لكنهم لم ينجحوا في كتابة كلمة واحدة في هذا المضمون، كما كتب الشاعر الظريف من معانٍ سلسة رقيقة ناعمة تدخل إلى القلب وتستقر في الروح، فيقول في قصيدة: "أربعُ محاولاتٍ لا يعرفُ نهايتَها"، ص - 88.

"أربعُ محاولاتٍ لا يعرفُ نهايتَها

محاولة (2)

حاولَ أنْ يكتبَ أُغنيةً أو يعزفَ لحنًا عنْ وطنٍ مازالَ يُمارسُ قسوتهُ حاولَ أنْ يبدأَ ظلَّ اللَّحنُ يُقاومهُ والوطنُ يُزيدُ مواجعَهُ اِنفلتتْ مِنْ بينِ أصابعهِ ما كانَ يخبِّؤوهُ مِنْ عشقٍ لبلادٍ كانَ يهيمُ بها فتزيدُ قساوتُها ويظلُّ اللَّحنُ يُحاولُ أنْ يدفعَ بابَ القلبِ ليخرجَ فيقاومُهُ ويعودُ ليبحثَ عن أغنيةٍ كي يكتبَها." * * * * *

المحاولة الثانية في ترتيب القصيدة، يكتب لنا الشاعر عن عمق الود والمحبة إلى درجة العشق، لهذا الوطن الذي يرسمه بمخيلته ويتغنى به ويعزف له الألحان، بالرغم من قسوة هذا الوطن على الشاعر الذي يكتب ما يجيش في صدور الملايين الذين لا يكتبون ولا يعبرون، ربما محاولة التحرر الفكري ونيل الحُرِّيات في ظاهرة "الربيع العربي"، هي التي علمت الأوطان العربية القساوة على أهلها، وربما ألم الشاعر هنا نابع من ظلم بعض الحكام الذين عرفوا بنواياهم المتبيتة اتجاه المواطنين والوطن، وهذا بحد ذاته ألم متواصل ومستمر في صدر الشاعر، ويمنعه قلبه أحيانًا من أن يُلحن أو أن يغني للوطن وذلك من شدة قساوة الأوطان على أهلها، والأوطان تحب السلام وتحب أهلها ولا تعرف أن تقسوا على أهلها ولا تعرف الحزن، ولكن الحكام والذين يجلسون على كراسي السلطة والسلاطين، هم المشكلة وهم الذين يتنكرون للمواطنين وينكلونهم بشتى الطرق والسُبل، ويتقرب الشاعر محمد الشحات، من قول الفيلسوف الراحل المعلم الكبير كمال جنبلاط، من حبه للوطن، ويقدم ويضحي بأمور كثيرة كي لا يتضرر الوطن ولا تسقط الحضارة والنظام الاجتماعي، بسب الاستغلال للمناصب والمكاسب المادية، ويشرح الشاعر في كل الحالات هذه القصيدة ما يزعجه ويضايقه على طريق حبه للوطن.

الشاعر القدير محمد الشحات لم يتجاوز، في ديوانه عن: "طعم البراءة"، ص- 93، وهنا يجعلنا نتساءل هل للبراءة طعم أو حتى لون؟ هذه الكلمات نوع من أنواع العبقرية البسيطة التي تشدنا نحو حديث طويل في علم الماهيات والمجسمات والكيفيات والذوق وحالات نفسية كثيرة أخرى، وهذا مجمل حديثه الشيق بكلماته السلسة التي تنساب كعطر فواح لتملئ المكان وتحمل على كتفيها الزمان، ويجعلنا نتوقف وقفت ترقب وتساؤل: كيف ؟ "للبراءات طعم يذوب بأفواهنا"، أو حين يتحدث عن وقت الرجوع للذكريات القديمة التي نسيها حتى الوجه البشري، فيتضح لنا أن الإنسان يتغير بكل ما يحمله في سنين حياته، فلذلك لا يبق شيء على حاله، والبراءات تتحول وتتغير وتهرب منا حين نود أن نلمسها ولكنها منذ البداية شيء خيالي ليس كجسم أو مادة مرئية للأعين، فيصعب علينا حصرها في مكان أو زمان أو شكل ما فنجلس نترقب عودتها وهيهات أن تعود تلك البراءات التي تركتنا منذ طفولتنا.

"طعم البراءة

للبراءاتِ طعمٌ يذوبُ بأفواهِنا كلَّما حان وقتُ رجوعكَ للذِّكرياتِ القديمةِ وجهُكَ ما عادَ يحمِلُها والبراءاتُ مثل الطُّفولةِ تهربُ حينَ نحاولُ أن نستقيَ رسمَها ثمَّ تجلسُ خلفَ التباسِ ملامحِها كلُّنا كانَ ينظرُ مرتقبًا..." * * * * *

يُضيف الشاعر على الأدب، رمزًا جديدًا محاولًا أن يمسك بتلك البراءة أو بغيرها من أمور جميلة رائعة مرت في زمن محدد من حياة الإنسان ولكنها انتهت وابتعدت عنه وبالرغم من بعدها عنه ما زال يترقب عودتها، ولم يقطع الأمل فربما تعود، ولكن محاولته لمسكها تبوء بالفشل، فكيف لنا نحن بني البشر أن نمسك بأيدينا البراءة التي فينا أو في من حولنا من أهل وأصدقاء وأطفال من أسرتنا، وهذا محال أن نلمس براءتنا أو براءة الآخرين.

يتابع الشاعر سرد أحداث جميلة جدًا، تصادفنا جميعًا في حياتنا اليومية، فيصل لقصيدة: "ميلاد حلم"، ص – 100، ليصل لحديث بفكر عميق ما بين أب وابنته، إليكم القصيدة:

"ميلاد حلم

أجلسَ طفلتَهُ في مرمىَ مِنْ عينيهِ انتبهَ لحزنٍ كانَ يغادرُ مِنْ مقلتِها حاولَ أنْ يستبقَ الأحداثَ بأغنيةٍ كانَ يردِّدها كيما تغفو انتبهَ لطفلٍ كانَ يغازلُها زمجرَ قاومَ ضحكتهُ وتذكَّرَ ما كانَ يمارسُهُ في أيَّامِ طفولتِهُ حاولَ أنْ يتفرَّسَ وجهَ صغيرتِهُ بعضَ ملامحِها ما عادتْ تحمِلُ ما كانتْ تحملهُ في رحلتِها ضاعتْ لمستُها وانتبهَ الآنْ لما أخفتهُ بركنٍ مِنْ عينَيْهَا انفتحتْ كلُّ أساريرِ القلبِ لأغنيةٍ كانتْ تأتي مِنْ بيتٍ لا يعلمهُ انكسرتْ عيناها مِنْ وجهِ أبيها أسقطَ قسوتهُ مسحَ بعينيه كلَّ تفاصيلِ صغيرته راحَ لكي لا يقتلَ ما ارتسمَ بداخلها مِنْ أحلامٍ مازالتْ تحبو." * * * * *

الشاعر هنا يحاول أن يصف لنا لقاء بين أب وابنته التي ما عادت طفلة، بل كبرت وأصبحت صبية في مقتبل العمر، ولكنها تبق في نظر والدها طفلة صغيرة طول العمر ولم تنتهي طفولتها بعد حتى لو تقدمت في السن... يتفرس الوالد في وجهها فيراها الطفلة الصغير في نظره، محاولًا اكتشاف حلمها الذي يضايقه بعض الشيء لشدة خوفه عليها، والشاعر هنا يترقب كل حركة ويحاول أن يجد لها تفسير لمعالم وجهها من علم النفس (بسيكولوجي)، وربما هذا الأب لم يتعلم أو ما زال أميًّا، لا يعرف القراءة والكتابة، إلا أن الوضع هذا بالذات وبدافع الغريزة الأبوية، يدفعه هذا الشيء لفهم أحلام ابنته وطموحاتها من دون كلمات، وكما هو معروف عندنا في عاداتنا وتقاليدنا الشرق أوسطية، الممنوع من قيود تُفرض على بناتنا، أكثر بكثير من الأمور المسموحة، والشاعر يحاول معالجة قضية عامة لنضوج الفتاة وتطور جسمها، إلى جانب أحلامها التي قد لا تناسب العادات والتقاليد، ليتحدث عن حزن يطل من عيني ابنته، وهو هذا الأب لا يعلم أن العينين مرآة الروح والقلب، وفجأة اكتشف هذا الأب المربي كل الأسرار المكنونة في داخل قلب ابنته التي في مقتبل العمر وما عادت طفلة، وحين اكتشف سرها تمالك نفسه وهذا ليس عاديًا من تصرفات الآباء في مجتمعنا، ربما أنها على علاقة حب مع أحد الشباب، وعلى العادة كانت العلاقات محددة مع الجيران وأبنائهم لوقت طويل وخاصة في الريف القروي أو حتى في المدينة، وكما كنا نحن نتصرف في فترة سن المراهقة، نَسمَعُ أحيانًا أغنية بصوت مرتفع من المذياع تبث عبر الأثير، آملين أن تسمعَ هذه الأغنية الفتاة المحبوبة التي تعلق بها الفؤاد، متناسين كل العادات والتقاليد المشرفة والأمور الممنوعة، وعادة تكون هذه الألحان والأغنيات غرامية كمثل أغاني السيدة أم كلثوم وأسمهان، وللموسيقار الفنان فريد الأطرش، والفنان عبد الحليم والفنان عبد الوهاب وغيرهم من فنانين يطفو على أغنياتهم الحب والغرام، وقول الشاعر الرائع محمد الشحات: "انكسرتْ عيناها مِنْ وجهِ أبيها"، لأن والدها كشف سرها، لكن هذا الأب الواعي الفاضل والمدرك لظروف كثيرة في الحياة، أسقط قسوته والتي كانت العادة في كل مكان في مجتمعاتنا العربية على ربوع الشرق الأوسط، أن تتعرض الفتيات في مثل هذه الحالة للضرب وربما للقتل، والوالد هنا أخذ زمام الأمور والمبادرة، وراح من أمامها لأنه لا يريد قتل حلم ابنته الذي ما زال في أوله، وهنا يحاول الوالد ومن دون كلمات أن يصل مع ابنته بأحلامها إلى بر الأمان، في المسار السليم الصحيح الذي يناسب ابنته وكل أسرة من أسر مجتمعنا، وهو وهي أيضًا لا يعلموا إذا كانت هذه الأحلام ستتحقق، فباب المجهول مفتوحًا لها، ربما تبقى أحلامًا فقط وربما تتكلل بالنجاح على مسار حياتهم، لأنهم مثلنا تمامًا يسيرون نحو المجهول الغامض في كثير من الأمور والظروف التي نواجه في حياتنا، وهكذا الشاعر ينتقل من حالة لأخرى محاولًا باجتهاد وضع نقاط ومحطات على طريق حياتنا بشكل عام، وقد تختلف القصة والشخصيات بين الحالات الاجتماعية إلا أن جميع الحالات متشابهة والبدايات واحدة والتعامل معها يختلف من أسرة لأسرة، لأن الآباء والأمهات مختلفون في كل شيء ولا يوجد إنسان واحد على هذه الأرض يماثل الآخر تمامًا في طبعة وتصرفاته وفكره وثقافته وتعليمه وبيئته، وهكذا يتابع سرد أحداث كثيرة عن هذه الأمور الاجتماعية التي تضايق فكر وتصرفات الشاعر، ويبرزها أكثر في قصيدة: "سقوط أوراق العمر" ص – 103، ليؤكد لنا جميعًا أن هذه الطريقة العنيفة، لحل هذه المشكلات بهذه الصورة لا يناسب عصرنا الحاضر والقسوة التي نقسوها على أبنائنا وبناتنا، تعلمهم القساوة والظلم للآخرين فقط، وكأني بالشاعر يقول ويحدد بما جاء بالقرآن الكريم: باسم الله الرحمن الرحيم، "وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، صدق الله العظيم، وطرح الشاعر هنا يبعدنا كل البعد عن الظلم والاستبداد، وقساوة الوالدين وظلم ذوي القربى في حل كل مشكلات أفراد الأسرة كي لا يظلموا بعضهم بعضا. قصيدة: "أنَا وخوفُ طفلتِي"، ص – 150، تناغم جميل جدًا بين أب وطفلته، وما أجملها من فكرة لإنهاء الديوان الذي يتمحور، حول حالات إنسانية اجتماعية وفي النهاية أسرية، وهنا يحاول الشاعر جاهدًا أن يمنحنا الكثير الكثير من تجربته الحياتية الخاصة، وهي على ما يبد تجربة غنية بالأحداث ولا بأس بها، وحبذا لو أسهب الشاعر في تعريفنا على حالات أكثر، لنتعرف على شخصيته وشخصه الكريم من خلال هذه التجربة الواسعة، إليكم مقطع من القصيدة. القصائد النابضة التي يفرح بها كل متذوق للأدب ومحب لمجتمعه لعل وعسا أن تدخل هذه القصائد في مناهج تعليمنا في المدرسية لتضيف على تصرفاتنا حسن التصرف وحسن الخلق، لعلنا نحن في شرقنا الأوسطي نحتاج للمعلم والقائد والناصح لنا، في كل مجتمعاتنا على اختلاف معتقداتها، الطفلة تخاف والوالد الأب الحنون يموت خوفًا عليها من كل شيء، فكيف لا يخاف وفي شرقنا الكثير من الموت والدمار، والصراخ والعويل، وفي شرقنا الكثير من الأسلحة والنار والدخان، في شرقنا الكثير من الفقر والجوع وعدم الاطمئنان، في شرقنا الكثير من الطائرات تحرث السماء والقذائف تدمر البيوت فتصبح البيوت مقابر لأهلها، كيف لا نخاف على أطفالنا وأطفال مجتمعاتنا والموت يحصدهم كسنابل القمح، وما من آمر يوقف الحرب، والموت إن طلبناه التوقف لا يستجيب، كيف لنا أن لا نخاف على طفولة أطفالنا وقد عزت علينا الكلمة الطيبة وانتزعنا براءتهم من وجوههم من الوريد إلى الوريد، وقتلنا فيهم المحبة وصرخنا في وجوههم بأصوات المدافع والقذائف وأصبحوا لنا كالعبيد، أي شيء نريد أن نترك لهم؟ أي حضارة؟ أي ثقافة؟ سوى ثقافة القتل والسلب والنهب، والعبودية لإنسان سيء متخاذل شرير رديء.

"أنَا وخوفُ طفلتِي

تركتُ وجهَ طفلتي يقاوم ارتعاشَ أحرفِ كي أنتقيَ من صوتِها ما قد يعيدني إليّ أنَا الذي هُزِمْتُ قبلَ أنَّ أفِي بكلِّ مَا قطعتُه عليَّ أنا الذى قطعتُ أن أكونَ حاميًا لهًا وأنْ أزيدَ من براءةٍ تنامُ في أعينِها وأن أكونَ حارسًا لها وأن أهش ما يعكرُّ ابتسامَ وجههِا وأن أظل شامخًا مهابًا في أعينِها فكيف لي إذا انكسرتْ أو رأيتُ ألفَ شهقةٍ تهزُّهَا ..ترجُّ وجهَهَا الصَبِي كلمَا رأيتُ الموت . والدماءَ.. والدمارَ.. والبكاءَ.. والصراخَ . .والعويلَ.. والعوائلَ التي تموتُ والبيوتَ عندمَا تصيرُ قبرُها،" * * * * *

في النهاية ومن كل جانب، قصائد الديوان نابضة فكريًا وتدلّنا على طريقٍ قويمٍ، يَفْرَحُ بها كلّ متذوّق للأدب ومُحب لمجتمعه، آملًا أن تكون بداية الطريق كنهايتهِ من عطاء ومحبة وتضحية لجميع أبناء المجتمع، لعلنا نتخلص من آفات العصر التي تؤذي كل فرد منا على هذه الأرض، ولك يا أيّها الشاعر الأصيل الأبي والأخ الرائع محمد الشحات، حضور اجتماعي أدبي متميّز، يتمحور في إعلان نقاط ضعف مجتمعاتنا والذي ما زال في نُموّه، وأنت وبقوَّةِ شخصيَّتك تحاول إعطاءنا الحلول لجميع مشكلاتنا في التربية الصحيحة، والتعليم وبناء منظومة اجتماعية جديدة، بعيدة كل البعد عن الإساءة للآخر وشجبه بدون سبب، وتنتقد عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية الرديئة، لعلنا نتطوّر ونتقدّم بموجب ما كتبت لنا بكل بساطة، سلامًا على منْ يمتلكونَ ويتراسلون ببراءةَ القُـلوبِ، في زمنٍ عزَّتْ فيهِ المشاعرُ والكلمةُ الطيِّبَةُ والعمل الصالح... وتذكَّرُوا جميعًا أنَّ للقلوبِ الطيبَّةِ الصَّافيةِ الّتي تُثْمِرُ حُبًّا وَتُعْطينا الأملَ في الحيـاةِ محبةً إلَهيَّةً وحمايةً من عِندِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ... سلامًا من عميقِ فُؤادي ونسماتِ الروحِ في جسدي، لـكلّ منْ يملِكُونَ جمالَ النَّفسِ، وَصفاءَ النيّةِ، ونقاءَ القلوبِ الّتي لا تَعرفُ سوى الحريّة، والإخلاصِ والوفــاءِ والمساواة بين الناس، وتقضي حياتها في التقديم والتضحية والتآخي والعطاء، والعملِ الصالحِ الحقيقي، الذي نحتاجه في هذه الفترة الزمنيّة الحرجة الصعبة، من تاريخ الإنسان والإنسانية، في كل مجتمعات الشعوب والأمم، وعلى هذا العمل الرائع تستحق كل تقدير واحترام وتكريم، سلامي وتقديري الجزيل للشاعر والأخ الرائع محمد الشحات – القاهرة مصر.

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
رافع حلبي