منبر العربHyde Park

الشاعر الدسوقي| بقلم: ناجي ظاهر
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

الشاعر الدسوقي.. عالَم وعلامة| بقلم: ناجي ظاهر

كان واحدًا من ابرز شعراء المقاومة بعد قيام اسرائيل على أنقاض شعبه الفلسطيني، وقد قرن القول بالفعل فاعتقل وسجن وقدم إلى المحاكمة جراء مواقفه السياسية المطالبة بحق ابناء شعبه في الوجود والحياة، وقد اصدر خلال عمره المديد العديد من المجموعات الشعرية الحادبة على ابناء شعبه في الشتات وفي البلاد وأنىّ وجدوا وقاموا، انه الشاعر المرحوم محمود دسوقي ( 1934- الاربعاء28- تشرين الاول 2015)، ابن بلدة الطيبة الذي تصادف ذكرى رحيله السادسة أواخر الشهر الجاري.

صدرت أول مجموعة شعرية له عام 1957 وحملت عنوان "السجن الكبير"، وكانت من اوائل المجموعات الشعرية التي رأت النور في بلادنا بعد قيام اسرائيل، علمًا أن اوائل المجموعات صدرت عام 1956 او قبلها بقليل فقط،.. لكلّ من الشاعرين عيسى لوباني وجورج نجيب خليل رحمهما الله. بعدها تتالت اصدارات شاعرنا للمجموعات الشعرية ليصدر عام 1959 مجموعته الثانية " مع الاحرار" تلتها مجموعة " موكب الاحرار" وقد صادرتها السلطات الاسرائيلية بعد صدورها بقليل وقامت بمحاكمة صاحبها ليبدأ عهدًا جديدًا في حياته تمثل بالإقامات الجبرية والاعتقالات المتعددة، ويشار بكثير من التقدير والاحترام إلى أن الدسوقي آمن منذ البداية انه بإمكان الكف أن تلوي يد حامل المخرز وأن تصرخ في وجهه مطالبة بحق ابناء الشعب بالوجود والحياة كما اشرنا آنفًا، ولم يعبأ لا بسجن ولا بسجان في فترة كان مجرد الاتيان على ذكر فلسطين واهلها يكلّف الكثير من الملاحقات والاعتقالات. اصدر شاعرُنا خلال عمره الادبي العديد من المجموعات الشعرية وهي على التوالي: ذكريات ونار* المجزرة الرهيبة* صبرا وشتيلا* طير أبابيل* جسر العودة* زغاريد الحجارة* الركب العائد وتراتيل الغضب، إضافة إلى المجموعات الثلاث المذكورة سابقًا، وله عدد من الدراسات الادبية هي: الشعر العربي بين القديم والحديث* المعلّقات والملاحم الشعرية عند العرب في الجاهلية* الاتجاه الوطني في الشعر العربي الفلسطيني - الاستقلال والثقافة الوطنية* الإسلام دين أم دين ودولة* الانتفاضة - إنعكاسات وتفاعل مع أدب الداخل* الرسام العاشق - رسالة إلى جامعة الدول العربية، وقد كان رحمه الله شعلةً متقدة من النشاط في المجالين السياسي والشعري لا سيما في المرحلة الاولى من حياته، علمًا أنه لم يفصل بين الشعر والسياسة ورأى فيهما كلًا متكاملًا وفعلًا يُكمل الآخر.

كتب شاعرنا منذ بداياته الاولى الشعر التقليدي الحماسي، واعتمد في كتاباته خلال هذه المرحلة الشعر العمودي وسيلةً للتعبير عما دار في خلده واختلج في قلبه من مشاعر تستذكر ما حدث لأبناء شعبه وتحرّض على مواجهته بقوة وصلابة، واذكر أنني كنت وأنا لمّا ازل صبيًا يافعًا على مقاعد الدراسة في الستينيات، اقرأ من اشعاره أمام الوالدة والجارة، وكانتا في الخمسينيات من عمريهما من ديوانه "مع الاحرار"، فكانتا تذرفان الدموع على ما حلّ بشعبهما من عسف وظلم وما لحق به من ظلم وجور فتشتت في داخل البلاد وخارجها ليقيم قريبًا من مرابعه وبعيدًا عنها في الآن. واعتقد أنه لهذا رأت السلطات الاسرائيلية آنذاك في شعره خطرًا يجب إيقافه عند حدّه حتى لا يترك اثرًا لا تريد له أن يترك على الفلسطينيين الباقين في وطنهم، علمًا ان هذه السلطات فرضت آنذاك حكمًا عسكريًا شديدًا.. تعامل بيد من حديد مع اي مخالف. في فترة الخمسينيات والستينيات التي شهدت حضور شاعرنا ثقافيًا وسياسيًا، اتصف النمط الشعري السائد بنوع من المباشرة والحماسة التي تذكر بأشعار الحماسة العربية القديمة في حماستي أبي تمام والبُحتري، وكان على الشعراء أن يضحوا قليلا بالإبداع الشعري لمصلحة الرسالة السياسية المباشرة، كما قال لي شاعر أعزه واجله من ابناء تلك الفترة. ونحن إذا ما تعاملنا مع شعر الدسوقي بلغة أيامنا فإن الكثير من شعره لا يصمد أمام المفاهيم الشعرية التي صار اليها شعرنا العربي الحديث، أما إذا تعاملنا معه بلغة الفترة التي انتج فيها فإننا سنرى أنه لعب دورًا جبارًا في اثارة القضية السياسية والهاب الجماهير بها، لهذا اعتقد أنه من المفضل أن نتعامل مع ما انتجه شاعرنا بلغة فترته.

لقد واصل شاعرنا في الفترات التالية كتابته للشعر الوطني المباشر، مع تغيير طفيف في الشكل الشعري إذ كتب الشعر الحرّ المعتمد على التفعيلة، غير أنه بقي أمينا لمباشرته، في زمن ابتدأ فيه شعراؤنا في البحث عن اساليب فنية جديدة تتماشى مع ما كتبه وانتجه شعراء مُجلّون من عالمنا العربي المحيط بنا، لهذا اعتقد أن ما انتجه شاعرنا من أشعار في هذه الفترة لم يلق الاحتفال الذي سبق ولقيته اشعاره الاولى، وأذكر أنني كتبت عن مجموعته "زغاريد الحجارة" التي وضعها إبان الانتفاضة الاولى، ووجهت إليها نقدًا شديدًا لما تضمنته من مباشرة لم تعد تليق بشاعر يريد أن يكون في تلك الفترة، كما أذكر أننا التقينا في مدينتي الناصرة وتداولنا الحديث عن الشعر وعمّا صار إليه من تغيرات وتطورات لا بد منها، وشعرت أنه اقتنع إلى حد ما بما ادليت به من رأي، واشير بكثير من الاعتزاز أنه طلب مني أن اكتب مقدمة لمجموعته التالية، فكتبت ما طلبه ولا اعرف ماذا تمّ له معه فيما بعد.

كان شاعرنا شخصية وطنية سياسية من طراز رفيع، ومما اذكره في هذا المجال انه زارني اثناء الثمانينات، واقترح علي أن نقوم معًا بتأسيس حزب سياسي ينطلق من بلدتي الناصرة عاصمة الجماهير العربية، كما وصفها، وأردف يقول لي إنني درست الاقتصاد وأعمل في المحاسبة وبإمكاني أن أوفر الميزانية المطلوبة، إلا أنه ما لبث أن تراجع عن اقتراحه عندما ادرك جيدًا أنني لا اريد أن اكون رجل سياسة، وأن الادب أكل عقلي.. منذ تلك الفترة لم التق به سوى مرات معدودات، وكنت اتابع أخباره وأخبار تكريمه من قبل اهله الفلسطينيين في بلدته الطيبة وفي اراضي 67، فأقول لنفسي إنه يستحق مثل هذه التكريمات. وبقيت أكن له الكثير من التقدير والاجلال، رغم اختلاف فهم كلّ منّا للشعر، طوال حياته ( عاش 82 عامًا)، رحم الله الفقيد فقد بقي امينًا مُخلصًا لآرائه ومبادئه حتى يومه الاخير.

موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.com

إقرا ايضا في هذا السياق: