منبر العربHyde Park

خروف حائر| قصة: ناجي ظاهر
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

خروف حائر| قصة: ناجي ظاهر

الصورة أمامه على الشاشة الصغيرة، بدت كأنما هي تريد أن تنطق. إنها صورة خروف ترسل عيناه اشعاعات من المشاعر الدفاقة الملآى بالحنان. كم احتاج إلى مثل هذه المشاعر. هو يعرف انها.. أدركت منذ فترة بعيدة، أنه بحاجة إلى مثل هذه المشاعر الحنون الغامرة. مؤكد أنها ارسلت صورة الخروف لهذا السبب. اعتدل في مجلسه قبالة الشاشة الصغيرة وقرأ عبر "واتس اب" هـ .. ما ارفقته بصورة الخروف من كلمات " تود ان تذبح الضيف وتبقي علي؟". خلال ظهور صورة الخروف واختفائها أمام عينيه.. وتفكيره بما أرفقتها به من كلمات.. وجد نفسه وسط حيرة.. قادته إلى النافذة.. ليطل هناك على الفضاء الرحب. كم يود لو يرى هناك خروفا، مثل ذاك الذي أطل عليه مجددا بكل ما فاضت به عيناه من حنان. قبل أن يرتد عن النافذة، ليتمعن صورة الخروف على شاشته الصغيرة، أحس بحركة توشك أن تطل من بين الاشجار المحاذية لنافذته. آه لو يظهر ذلك الخروف ولو خيالا. انتظر أن يرى ما سينبق له من وراء الاشجار، ليراها خلال ثوان تطل من هناك.. هي .. هي بإطلالتها المكتنزة يضمها بلطف.. ثوبها الازرق الهفهاف. إحساس غامر اجتاح أطرافه وبعدها اجتاح جسمه كله لينقله إلى عالم الازرق. قوة هائلة اندفعت من داخله لتحمله على متن كائن خرافي ولتحط به أمامها.. قبالة اشجارها. توقف الاثنان.. كل يحدق في وجه الآخر، غير مصدق أنه يراه قريبا منه ويكاد يكون بين يديه. "اكاد لا اصدق عيني" قال. ردت:" هل أعجبتك صورة الخروف؟". عاد يقول:" أنت تعرفين أنني اعجب بكل شيء منك.. يحمل رائحتك". "وهل ستبقي عليه وتذبح صاحبه الضيف؟". "ماذا تقولين؟ "كما سمعت". وشددت على كلمة.. هل ستذبحه؟ "لماذا انت لا تثقين بي؟" بقيت صامتة. لم تُردّد ما قالته سابقا اجابة عن سؤال مشابه لهذا. لم تقل له إنها لا تثق بأحد في زمن "الواتس اب" وإخوانه، "الفيسبوك" و"الفاير". لم تقل له كعادتها إنها تحبه حقيقة، وانه هو من لا يحبها. لم تقل له إنها لا تريد أن تكون نزوة في حياته. من ناحيته هو لم يسألها كعادته، وإذا اثبتت لك الايام انني صادق في حبي لك.. ماذا ستفعلين. ولم ينتظر إجابتها كان يعرف الاجابة مسبقا.. فهي ستقول له إنها لا تصدق إلا ما تشعر به.. مؤكدة أن مشاعرها تقول لها، انه يعبث بها، وينتظر لحظة أن يطالها لينتقل إلى امرأة اخرى.. بالضبط كما فعل مع عشيقات سابقات. اخيرا نطق الصمت.. بين الاثنين، المغرمين.. التائهين، اندفعت النظرات الباحثة عن مستقر لها من عيني كل منهما، معيدة إياهما إلى لحظة التقاء النظرات الاول. لحظة نسي الاثنان العالم المحيط بهما، من رجال ونساء، وركز نظره في شطره الآخر. عادا إلى هناك ليرى كل منهما الآخر عبر منظار الحب الخالد. سار الاثنان، لا يفصل بينهما سوى شعرة، شعرة دقيقة، قد لا تراها العين المجردة بسهولة. سارا قاطعين المسافات الشاسعة، وسط نظرة هادئة ربطت بينهما، برباط قد يكون الاقوى في الدنيا، نظرة جعلت البعد أحلى من القرب. وأعطت حياة كل منهما معناها الضائع في الازقة والطرقات.. منذ ايام الطفولة الاولى. "إلى أين نحن ماضيان؟". سألها. ردت:" لا أعرف". "أشك في أنك لا تعرفين". قال. "علام تعتمد" عادت تسأله. أرسل نظرة حنونة حانية نحو عينيها:" تأكدي أنني لن اذبح الضيف.. ولن اذبح خروفه.. عندي لا ذبح ولا سلخ.. جربي ادخلي إلى ملكوتي. لن تخسري بإمكانك الانسحاب في اية لحظة". "لن أجرب. حياتي ليست للتجريب. هذا ما يخيفني منك. لسانك الماضي". قالت بتصميم. اجتاحه احساس غريب طالما اعتاد عليه منها، احساس تنقل به في لحظة واحدة الف مرة ما بين البعد والقرب. أراد أن يقول لها إنه لا شيء مضمون في هذه الحياة، دعينا نعيش اليوم، ونترك الغد للغد الذي قد لا يأتي. إلا أنه لم يقل خشية أن تعايره بلسانه الماضي وتنسحب من أجمل لحظة في حياته.. وحياتها. بدا ان الرسالة وصلتها مجددا.. فاختفت من مكانها.. أما هو فقد أعاده كائنه الخرافي إلى غرفته.. إلى غرفته وشاشته ووحدته أيضا.. وسط نظرات حنونة يرسلها خروف حائر.

موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.com

إقرا ايضا في هذا السياق: