رأي حرOpinions

عين الزّيتون/ بقلم: محمّد علي طه
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

عين الزّيتون/ بقلم: محمّد علي طه

ساعدني صديقاي المؤرّخ ا.د. مصطفى كبها والمحامي نايف أبو صويص، بالصّعود الى قلعة ميرون الشّاهقة والوقوف أمام بوّابتها المملوكيّة مجاورةً أعمدتها الكنعانيّة ووقفنا مشدوهين بسحر الطبيعة من جبل الجرمق، طمّاح الذّؤابة باذخ يطاول أعنان السّماء بغارب، الى قرية الجشّ الباقية مثل شامة على عنق الوطن، ومحدّقين بحسرة على أطلال سعسع والصّفصاف وطيطبا وقدّيثا وبيريا، وشاهدنا في وقفتنا ديوان آل كعوش الباقي شاهدًا على ما جرى، مرتديًا حلّة الفراق بعدما غاب الأحبّة وسكنه مستوطن متزمّت. ما وجدنا ميرونّيًا يرّحب بنا سوى جوقة من الغربان تنعق من على الأشجار البرّيّة. كان في قضاء صفد تسع وستّون قرية عامرة قبل النّكبة ولم يبق منها سوى الجشّ وحرفيش والرّيحانيّة وطوبي وعكبرة، تشهد بأنّ بن غوريون لم يكمل مهمّته كما يقول نوّاب في برلمان إسرائيل!! جئنا لزيارة عين الزّيتون بلدة بطل روايتي الجديدة الّتي اجتهد على أن أجيب فيها على السّؤال الكبير: كيف بقينا في وطننا الصّغير الجميل وكيف انغرست في أرضها هذه الأقليّة على الرّغم من سياسة التّرانسفير والمذابح البشعة؟ مررنا بطريقنا بجوار قرية فراضية الّتي صار اسمها فرود ثّم عبرنا حقول قرية السّموعيّ الّتي صار اسمها كفار شماي. هذه هي سياسة عبرنة المكان والتّاريخ والتّراث! وصلنا الى عين الزّيتون الّتي كانت بيوتها الجميلة تقول لبيوت مدينة صفد: "صباح الخير يا جارة" ولا يفصلها عنها سوى وادي الجنّ وعين الزّرقاء والبرك والحدائق الأندلسيّة الشّاهد الباقي على رفاهيّة أهلنا الصّفديّين، ولولا احترامي للشّاعر البحتريّ ورائعته "ايوان كسرى" لتجرّأت وقلت: أكاد أسمع معرّيّ مدينة صفد الأستاذ سليم الخضرا ينشد قصيدته في عشقه للمدينة، والمحامي صبحي الخضرا يردّد أبياتها بصوته الجهوريّ. بنى أهل عين الزّيتون عقدًا فوق نبع الماء ونقشوا على قطعة رخام رأيتهما في أواخر الخمسينات: "عين الزّيتون، ماء سلسبيل، لذّة للشّاربين" ولكن يدًّا آثمة سلبت قطعة الرّخام الّا أنّ ماء العين ما زال يجري.. شحيحًا. صعدنا فوق العين وقرأنا الفاتحة على ما تبقى من قبر الوليّ البهلول وشاهدنا من هناك ديوان المختار إبراهيم الخطّاب خاويًا خاليًا من النّاس فناديت: يا أبا حسني، يا مختار عين الزّيتون وصل الى ديوانك ضيوف من قضاء عكّا وقضاء حيفا ومن مدينة الرّملة. كانت عدّة عائلات عربيّة فلسطينيّة أصيلة مثل خطّاب والرّفاعيّ والشّعبيّ وهدبا وغريب وحميد تسكن عين الزّيتون في بيوت من الحجر لم يبقَ منها سوى الأطلال. قال ا.د.كبها الخبير في تاريخ بلادنا وجغرافيّتها: "هذه أطلال المدرسة القديمة وأما قطع الباطون تلك التي في شمال العين فهي أطلال المدرسة الجديدة فقد كانت في البلدة مدرسة فيها أربعة صفوف ومدرّسان من مدينة صفد هما سامي النّحويّ ومصباح خليفة" فتخيّلتهما يسيران صباح كلّ يوم في هذا الدّرب الجميل بين الينابيع والأشجار ويشمّان عبير الميرميّة والزّعتر واليانسون والسّريس وأعتقد أنّ الدّرب بصخوره وترابه وأشجاره وأزهاره ما زال يحفظ حديثهما الشّجيّ وأحلامهما وقصص مقاومتهما وحكايا حبّهما. وصلنا الى أطلال المسجد. "هون جمعوهم يا يمّا.. شبّان في عمر الورد، وصبايا مثل القمر، ورجال ذراع الواحد منهم مثل ذراع القاعود، قدّيش؟ قول ثلاثين، قول أربعين، قول خمسين، قول تسعين... وطخّوهم ورموا الجثث في البير!" هذا ما روته الخالة خديجة العجوز النّاجيّة بأعجوبة والشّاهد على مجزرة عين الزّيتون للفتى إسماعيل الباقي في الوطن... كما تقول الرّواية. هاتفت بعد العودة صديقي الياس الياس، رئيس مجلس محلّيّ بلدة الجشّ، مستفسرًا اذا ما بقيت في البلاد عائلة من عائلات عين الزّيتون فردّ بأسى: "هذول طخّوهم.. ما بقي حدا!!" فكيف بقينا في وطننا يا إسماعيل الصّفديّ؟ هل ستجيب عن هذا السّؤال روايتي الجديدة؟

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
محمد علي طه