رأي حرOpinions

هل تأتي مرحلة تجويع الأفغان؟| د.فايز أبو شمالة
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

بعد انتصار طالبان، هل تأتي مرحلة تجويع الأفغان؟| بقلم: د. فايز أبو شمالة

هزمت أمريكا في أفغانستان، هذه حقيقة لا جدال فيها، وقد أكدتها الوقائع المهينة للجيش الأمريكي على الأرض، وطريقة الهروب المذل لعشرات آلاف الجنود، وحفائهم من عملاء أفغان، ومتعاونين من مختلف الجنسيات، وجدوا أنفسهم مكشوفين بلا ظهر، وبلا نصير.

هزيمة أمريكا الميدانية على أرض افغانستان لا تعني نهاية الحرب، ولا تؤكد خلاص الشعب الأفغاني من التآمر الأمريكي والغربي على هذ البلد، فللحرب أوجه عدة، وما عجزت عنه أمريكا من خلال الطائرات الحديثة والصواريخ والقذائف، قد تستعين إلى تحقيقه بوسائل أخرى، أقل تكلفة، وأكثر جدوى، فالتحكم عن بعد بمسار الأحداث على الأرض الأفغانية، قد يعيد بعض الكرامة لشرف أمريكا العسكري الذي تمرغ في الوحل، وللمخابرات الأمريكية خبرات متعددة في هذا المجال، فما تعجز عنه وسائل الحرب بشكل مباشر، قد ينجح به التآمر.

إن تحرر الشعب الأفغاني من الغزو الأمريكي لا يعني أن مستقبل هذا الشعب قد بات آمناً، فمصلحة أمريكا الاستراتيجية والعدوانية تأبى أن ترى الشعوب متحررة، وترفض أن تعطي نصراً لأعدائها يعزز من قدراتهم على البناء، إن نجاح الشعب الأفغاني في تطوير قدراته، وإقامة دولته، ليشكل أكبر إهانة للسياسة الأمريكية، ولاسيما إذا طالب الأفغان بالتعويض المالي والإنساني عما لحق به من دمار على يد الجيوش الأمريكية، والغزاة لن يعترفوا بالخطيئة، بل على العكس، ستواصل أمريكا التآمر على الشعب الأفغاني، لتشغله بنفسه، وذلك من خلال:

1ـ تشجيع الحرب الأهلية داخل أفغانستان نفسها، ودعم أي تحرك قبلي أو طائفي أو عرقي ضد حركة طالبان، وذلك بهدف إظهار النموذج الفاشل لحكم الإسلاميين.

2ـ تشجيع الانفلات الأمني، وخلق حالة من التوتر وعدم الاستقرار، بحيث يقارن المواطن الأفغاني بين ال حياة الآمنة في ظل الاحتلال الأمريكي، وحالة الانفلات الأمني في ظل حكم طالبان، وقد يكون استنكاف بعض الموظفين، وعدم عودتهم لوظائفهم مقدمة لهذا الانفلات، ولقطاع غزة تجربة مشابهة في ذلك، حين استنكف عشرات آلاف الموظفين عن العمل، بأوامر من محمود عباس ، بهدف إفشال تجربة حركة حماس في الحكم.

3ـ شن الحروب الإعلامية الخبيثة على حركة طالبان، واتهامها بالتطرف والإرهاب، وفرض ال مقاطع ة الدولية، مع التشكيك بقدرة طالبان على تأمين مقومات الحياة، والطعن بقدراتها على تطور البلاد، التي سينحدر مستوى المعيشة فيها إلى الحضيض، مع الافتقار إلى الدعم الدولي.

4ـ العمل على خنق الشعب الأفغاني من خلال الحصار، وتجفيف الموارد، كأسهل طرق للتحريض على حركة طالبان، وتحميلها مسؤولية كل انهيار، أو تأوه مريض أفغاني لا يجد العلاج، وقد لا يجد الأفغان الوقود وغاز الطهي في لحظة، وقد تكون التجربة المريرة التي يعيشها الشعب اللبناني نموذجاً للتآمر الأمريكي على مستقبل البلد، وقد خبرت غزة هذه التجربة، وعاشتها بمرارة وألم.

5ـ التجويع، وهي سياسة امريكية معروفة، وتفيد التقارير أن أفغانستان تتعرض لموجة جفاف غير مسبوقة، وان واحداً من ثلاثة أفغان يعاني من نقص الغذاء، وهذا نتاج الغزة الأمريكي، ولدولة الكيان الصهيوني تجربة خبيثة في تطبيق سياسية التجويع على أهالي قطاع غزة، والسياسة نفسها تمارسها قوى العدوان ضد أهل اليمن والسودان وغيرها من بلاد العرب.

6ـ تفجير الصراعات الإقليمية، والتحريض ضد أفغانستان، والتهويل من تطلعاتها، وتحريض أفغانستان نفسها على دول الجوار، بهدف إشغال المنطقة بحالها، وإرباك استقرارها.

إن ملخص السياسة الأمريكية تجاه شعب أفغانستان تقول: طالما تؤيدون طالبان، وطالما كانت حركة طالبان تحسن فن القتال، وتحقق الانتصار، فالقرار الأمريكي هو تسليم بلاد الأفغان لطالبان، وترك الشعب يشكو الجوع من شدة الحصار، ليبدأ التخلص من حكم طالبان.

وحتى لا تظل أمريكا صاحبة الكلمة العليا على أرض أفغانستان، وحتى لا تدير المعارك بين شعوب الشرق من خلال التحكم عن بعد، على دول الجوار أن تنتصر لأفغانستان، وأن تتكاثف فيما بينها لبناء أفغانستان الحرة الموحدة المستقلة المزدهرة، فتجويع الشعوب وإفقاره صناعة أمريكية محضة، وهذا هو سلاح الإبادة الجماعية، وهذا هو الإرهاب الحقيقي الذي يمارسونه ضد شعوب المنطقة، فأمريكا تسعى إلى استنزاف مقدرات الشرق، وتضع مستقبلهم في عين العاصفة، والأطماع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة لا تستثني شعباً ولا عرقاً ولا طائفة، وتتآمر على كل تجمع بشري يمثل نهوضه انهياراً لأطماع الغزاة.

 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com        

إقرا ايضا في هذا السياق: