منبر العربHyde Park

قطة وحيدة| بقلم: ناجي ظاهر
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق

قطة وحيدة| بقلم: ناجي ظاهر

غضب شديد اشد مما حصل حينما صرخت معلمة الحساب في وجه عزيز، انتابت عزيزًا وهو ينظر إلى لافتة صغيرة علقتها إدارة المدرسة هناك فوق مدخل الصف الخامس "أ".

المعلمة التالية لاحظت أن عزيزًا لا يتابع الدروس بجدية كعادته كل يوم، بل انه صرخ بوجهها حينما سألته عن السبب في عدم اهتمامه بالاستماع لما تقوله، فما كان منها إلا أن اتصلت بوالدته لتطلب منها أن تحضر إلى المدرسة، لأخذ ابنها فلعله يحتاج إلى مساعدة من نوع ما. والدة عزيز لم ترد على الهاتف ربما هي لم تكن في البيت. لهذا سألته المعلمة عمّا يريد أن يفعل، فطلب منها أن يخرج من غرفة الصف، فلعل والدته ترى إشارة الاتصال بها فتاتي إلى المدرسة لتصطحبه في طريق العودة إلى البيت.

عزيز الآن خارج من الصف، صراخ المعلمة في وجهه ادخله في حالة من الألم، وحال بينه وبين متابعة الدروس. البرد القارس جعل عزيزًا يشعر بحزن أكثر.

تابع عزيز النظر إلى لافتة صفه. شعور بالمزيد من الغضب انتابه وهو يرسل نظره إلى اللافتة. عزيز هو الوحيد الذي يعرف سر غضبه. غير انه لا يعرف هذا السر مائة بالمائة. ترى أيكون لأنه رأى إلى أبناء صفه في الفرصة الصباحية وهم يخرجون ما احضروه من طعام ليتناولوه بشهية، أم هو غضبه على نفسه لأنه لم يلفت نظر أمه، أم لان أمه نسيت أن تعد له "زوادته" المدرسية، كما اعتادت في كل يوم؟ ليس مهمًا السبب، المهم أن عزيزًا اخذ يشعر بوحدة شديدة، ولم يعد بإمكانه أن يتحمل المزيد.

هكذا وجد عزيز نفسه خارج بوابة المدرسة. بعدها سار في الطريق إلى البيت، بيته قريب من المدرسة، لن يقلق احد عليه إذا ما انطلق باتجاهه وحيدًا، فهو يعود إلى البيت كل يوم وحده. وبإمكانه اليوم، الآن أيضًا، أن يعود هكذا مثلما اعتاد.

الطريق من المدرسة إلى البيت، كان طويلًا حتى أن عزيزًا اعتقد للحظة أنه لن يصل إلى بيته، زاد في اعتقاده تصور أنه قد يلتقي بأمه في الشارع ليعود معها إلى البيت، إلا انه لم يلتق بها.

رشقة قوية من المطر سقطت فجأة وبسرعة.

ما أن تبللت ثياب عزيز قليلًا، حتى ركض إلى اقرب مكان ذي سقف ليحتمي به. هناك تحت ذلك السقف لفتت نظره قطة انطوت على نقسها من شدة البرد. منظر القطة جعل عزيزًا يفكر فيها، إنها وحيدة لا أهل ولا بيت. عزيز يعرف هذا من أكثر من سبب فهي متسخة تعلو فروتها الأوساخ، وهي ضعيفة لأنه لا يوجد هناك من يقدم إليها الطعام، آه أيتها القطة كيف يمكنك أن تعيشي وحيدة في هذا البرد، مؤكد انك جائعة وبحاجة إلى من يقدم إليك الطعام. من سيقدم إلى القطة الدفء والطعام؟ تساءل عزيز، وراح يقترب من القطة وينظر إلى عينيها، كانت عينا عزيز تقولان لعيني القطة ترويّ قليلًا أنت لن تكوني وحيدة بعد اليوم، أنا من سيقدم لك كل ما تحتاجين إليه.. أنا من سيفعل هذا وليس أي إنسان آخر.

يدنو عزيز من القطة، يرى في عينيها خوفًا من نوع ما، أنا لن أؤذيك أيتها القطة الوحيدة المسكينة لن أؤذيك، إنني أرى في عينيك خوفًا مريعًا، أيكون هذا لأنك تعتقدين أن الناس كلهم تخلوا عنك، لكن لا، لا أنت لست وحيدة أنا سأهتم بأمرك، أنت ستكونين صديقتي، سنلعب معًا في البيت والحارة وفي كل مكان.. الان انتهى عهد الوحدة.. ألان انتهى.

يضع عزيز يده على جسد القطة يمررها على شعرها الناعم بخفة يشعر باستكانتها. يطل فرح من عينيه، لا يا قطتي العزيزة أنا لن الحق أي أذى بك، لن الحق أي أذى، تستكين القطة إلى يده تغمض عينيها مطمئنة، إن عزيزًا يعرف الأمان، وطالما بحث عنه.

ترسل القطة ابتسامة واسعة نحو عزيز، ينسى عزيز شعوره بالوحدة، ينسى صراخ معلمته عليه، ينسى جوعه وينسى والدته أيضًا، هو لا يشعر إلا بأمر واحد، هو انه وجد صديقة لا يهتم بها احد وبإمكانه هو وليس سواه أن يهتم بها.

يتوقف عزيز عند كلمة لا يهتم لها احد، ترى أهذه هي الحقيقة، ألا يوجد هناك في هذا العالم الواسع من يهتم بأمر قطة صغيرة، تعاني البرد وتحتاج إلى من يقدم إليها الدفء والطعام؟ ما اقسي وضع هذه القطة.. فعلًا ما أقساه.

يمد عزيز يده إلى الفضاء أمامه، يتوقف المطر عن التساقط أو يوشك، يجتاح البرد أطراف عزيز، يتلفت حوله يبحث عن خرقة يدفئ بها القطة البردانة، سرعان ما يجد خرقة يضعها على ظهر القطة، تمضي دقائق تبدأ القطة بإرسال نظرات الشكر إلى عزيز، وتموء كأنما هي اكتشفت عالمها الضائع.

يفرح عزيز يزيد في فرحه ذاك المواء الحافل بالعرفان والشكر، هو أيضًا يريد أن يشكرها لأنها قبلت به صديقًا لها. الفرح المشترك يطل من عيني عزيز والقطة، آه لو كان بإمكان عزيز أن يموء مثل القطة أمامه.

يتوقف المطر عن الهطل في تلك اللحظة، يحمل عزيز صديقته القطة ويمضى باتجاه بيته، يسأل عزيز نفسه كلما اقترب من بيته ترى هل ستستقبل أمه قطته، أم أنها سترفض استقبالها؟ زاد في تخوف عزيز أن قطته عاشت على ما بدا له وحيدة لا يهم أمرُها أحدًا.

يندفع عزيز في خشيتة وتخوفه من ألا ترضى أمه باستقبال قطته، انه يفكر ويفكر ويفكر وسرعان ما تلوح له فكرة لا يلبث أن يبادر إلى تنفيذها.

ما أن يصل عزيز إلى ساحة بيته، حتى يعد بيتًا صغيرًا آمنًا لقطته. ينظف ملابسه ويدخل إلى البيت، تستقبله أمه وهي تسأله عن سبب عودته قبل الوقت المحدد من المدرسة، فيحكى لها عن كل ما حصل له، منذ ساعات الصباح الباكرة، وكيف انه لم يجد ما يقتات به من الطعام لعدم وجود زوادة معه، ويفاجأ عزيز بأمه وهي تشير إلى الطاولة القريبة في المطبخ، ينظر عزيز إلى حيث أشارت أمه، يرى زوادته ما زالت تنظره هناك، يبتسم الاثنان، عزيز وأمه، يتابع عزيز.. يحكي عما حصل له بعد خروجه من المدرسة، وكيف انه رأى قطة مسكينة وحيدة هناك، تبدو علامات التأثر على وجه والدة عزيز، تسأله لماذا لم يحضر القطة إلى البيت؟ عندها يقفز عزيز، يطير إلى الخارج، إلى شجرة الكينا، يطير ليبشر قطته، بان زمن التشرد انتهى وابتدأ زمن الاستقرار.. ابتدأ منذ تلك اللحظة.

موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان alarab@alarab.com    

إقرا ايضا في هذا السياق:

كلمات دلالية
ناجي ظاهر