اغلاق
اغلاق

رأي حر

التصدّي للمشروع الصّهيوني/ بقلم: د.امطانس شحادة

امطانس شحادة في مقاله:

ساهمت هبّة القدس والأقصى أيضا، بكشف أغوار التناقض البنيوي بين يهوديّة إسرائيل وديموقراطيّتها

كان من المتوقع أن تتغير حالة الركود وتغليب التمايز على الجامع بين التيارات السياسيّة الفاعلة في المجتمع الفلسطيني

هل شركاتكم ومؤسساتكم محمية من الهجمات الألكترونية؟ اضغطوا هنا للتفاصيل هل شركاتكم ومؤسساتكم محمية من الهجمات الألكترونية والسايبر؟ اضغطوا هنا للتفاصيل والمعلومات
موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة
نشر: 2017-10-13 13:22:52 A A

بات تأثير هبّة القدس والأقصى عام 2000، على تعامل دولة إسرائيل مع الفلسطينيين في الداخل أكثر وضوحًا بعد مضي 17 عامًا. فها هي إسرائيل تشرعن رفضها التعامل مع السكان الفلسطينيين كمواطنين متساويين بواسطة القوانين، منها على سبيل المثال لا الحصر قانون الإرهاب واقتراح قانون القوميّة، وقوانين تحارب الهويّة الفلسطينيّة والانتماء الوطني؛ وقوات الأمن الإسرائيلية تطلق النار وتقتل مواطنين عرب دون حساب او عقاب؛ والقيادات الإسرائيلية تحرّض ضد المواطنين العرب وتلوّح بتبادل الأراضي والسكان مع السلطة الفلسطينية دون خجل او رادع.


امطانس شحادة

وقد ساهمت هبّة القدس والأقصى أيضا، بكشف أغوار التناقض البنيوي بين يهوديّة إسرائيل وديموقراطيّتها، وبالحسم لصالح يهودية الدولة والدعم الواسع لهذا الحسم داخل المجتمع، وقبوله كحالة طبيعية للحفاظ على سيطرة المجتمع اليهودي وتفوقّه في كافة مناطق السيطرة الإسرائيلية. هذه الوقائع حطّمت وهم اندماج السكان الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي، حتى وإن كان الثمن التنازل عن الهويّة الوطنيّة، ما عدا الاندماج في هوامش الاقتصاد الإسرائيلي وتحت إشراف السلطة الحكومية للتطوير الاقتصادي وبرأس مال إسرائيلي، حكوميّ او خاصّ. أي الاندماج بالشروط والأدوات الإسرائيلية. السؤال المطروح هنا هو، هل استبطن الفلسطينيون في الداخل اثار هبّة القدس والأقصى على السياسات الإسرائيلية، وهل وضعنا تصوّر للتعامل مع هذه التحولات؟ وما هو المطروح فلسطينيًا لمواجهة هذه السياسات؟

لا أبالغ إذا قلت أن الفلسطينيين في الداخل تقدّموا فعلا عدة خطوات في ردّهم على السياسات الإسرائيليّة، خاصًة في السنوات الأولى التي تلت هبة القدس الأقصى، وفي طرح بدائل سياسيّة ومطالب جماعيّة ترمي الى إعادة صياغة العلاقة بين السكان الفلسطينيين ودولة إسرائيل. تجلّت هذ التحولات بتنامي دعم المجتمع الفلسطيني لمطلب تحويل إسرائيل الى دولة المواطنين ونيل حقوق جماعيّة قوميّة، وفقًا لاستطلاعات الرأي العام التي أجريت في سنوات متتالية بعد هبّة اكتوبر، وعن طريق نشر عدة وثائق تصوُّر جماعيّ تقترح تغيير طبيعة النظام ومكانة الفلسطينيين في الداخل، وهي وثائق تستند الى الحقوق التاريخية والطبيعة لهم في هذه الأرض، وتطرح بدائل ديمقراطية حقيقية، أبرزهما وثيقتي حيفا والتصوّر المستقبليّ.

لكن للأسف لم تُستَثمر تلك الوثائق ومواقف المجتمع الفلسطيني بالشكل المطلوب من قبل التيارات السياسية الأساسية الفاعلة داخل المجتمع الفلسطيني، ولم تُترجَم الوثائق الى برامج سياسية تتبناها أحزاب عربية، كما ولم تتحول الى مطالب جماعيّة جامعة للفلسطينيين في الداخل. التيارات السياسية لم تردّ على التحولات في السياسة الإسرائيلية بالشكل الجماعي المطلوب، وبقي التمايز بينها قائم، بل ربما ازداد حدة، ولم تتغير البرامج او المشاريع السياسيّة المطروحة بشكل جدي، بل دخلت في سبات وركود وانشغلت في ردود الفعل على السياسات الحكومية، أي التكتيك، بدلاً من أن تطرح ردًّا استراتيجيًا جماعيًا.

بالمقابل تنبهت المؤسسة الإسرائيلية لـــ"خطورة" رسائل هبّة القدس والأقصى ونشر الوثائق والتحولات في مواقف المجتمع الفلسطيني فيما بعد، وبدأت بالهجوم المضاد لوأد طاقة التغيير الكامنة في الظروف التي تشكلت بعد هبّة القدس والأقصى، وتعاظُم الانتماء الوطني. فقامت إسرائيل، من ضمن أمور أخرى، بملاحقة الرموز السياسيّة والحزبيّة التي ساهمت في تلك التحوّلات، وبدأت بالتشديد على عمل المجتمع المدني والجمعيات والضغط على مصادر التمويل؛ وحاولت تغيير وعي الأجيال الشابة من خلال برامج الخدمة المدنية؛ وسنّ قوانين ترمي الي طمس الهوية الوطنية؛ وبدأت بتنفيذ سياسات تهدف الى تحسين مضبوط ومراقب للأوضاع الاقتصادية المعيشيّة للمجتمع الفلسطيني في الداخل.

فرص التغيير الجماعية
كان من المتوقع أن تتغير حالة الركود وتغليب التمايز على الجامع بين التيارات السياسيّة الفاعلة في المجتمع الفلسطيني، والقصور في الردّ الجماعي على السياسات الإسرائيلية، وذلك قبل قرابة عامين على الاقل، نتيجة لإقامة قائمة انتخابية مشتركة تجمع بين كافة التيارات السياسية الممثلة في الكنيست، ونتيجة انطلاق محاولة لإعادة انتاج ومأسسة لجنة المتابعة. كان من المفروض الاستفادة من إقامة القائمة المشتركة لرفع المعنويات والإرادة الجماعية في مواجه المشروع الصهيوني، وتعزيز البعد الوطنيّ الجامع في العمل السياسي كونه الأساس للتحالف القائم، والى ضبط التمايز والخلافات الأيديولوجية بين المركبات، والبدء الفعلي بطرح مشروع سياسي جماعي يشكل السقف الأدنى للتوافق بين التيارات السياسية الرئيسية.

لكن، وعلى الرغم من إقامة القائمة المشتركة، وتعزيز مكانة لجنة المتابعة، ونشر وثائق التصوّر والتغيرات في مواقف المجتمع الفلسطيني من جهة، ووضوح أسباب اندلاع الانتفاضة وهبّة اكتوبر بمحاولة إسرائيل فرض اتفاق مجحف بحق الفلسطينيين يتجاهل الحقوق الطبيعية القومية لهم، وتجاهل الحقوق القوميّة للفلسطينيين في الداخل، وكشف زيف "اليسار الصهيوني" عند الأزمات الحقيقية والتحاقه بالإجماع الصهيوني من جهة اخرى، ما زالت هنالك إمكانية بأن يُعيد المجتمع الفلسطيني في الداخل نفس أخطاء الماضي ويتبنى خطاب الاندماج المبتور، وان يكتفي بفتات الحقوق المدنية والتطور الاقتصادي المشروط والمقترن بمصالح الاقتصاد الإسرائيلي الرأسمالي. وبذلك نفشل كقيادات وأحزاب ومؤسسات، بل وكشعب، في استثمار التحولات التي لحقت هبّة أكتوبر، ومن إقامة القائمة المشتركة وتحسين مكانة لجنة المتابعة، والتي من شأنها ان تؤسّس لواقع سياسي مختلف مبني على الحقوق القومية الجماعيّة وعلى مأسسة العمل الجماعي الفلسطيني. وفي حال فشلنا فعلا، تكون إسرائيل قد نجحت في إحباط أي تحول حقيقي، وفرض سقف المطالب السياسية المسموح بها للفلسطينيين في الداخل، وتذهب دماء شهدائنا هباءً.

ان احتمال وصولنا الى سيناريو الإخفاق ليس حتميًا، وبالتأكيد هنالك فرص حقيقية لإفشاله -كما أفشلنا العديد من السياسيات الإسرائيلية في السابق-، شرط ان نتعلم من تجارب الماضي وان نستفيد من تراكم المعرفة الواسع حول المشروع الصهيوني، وان نرفض "خيام التعايش" بأي صيغة تعرض من قبل اليسار الاسرائيلي، وأن نطرح بشكل جماعي مشروع ديمقراطي حقيقي مناهض للصهيونية يضمن الحقوق الجماعيّة، ويحافظ على الخصوصية الثقافية ويصون الهويّة الجماعية. هذا المشروع ما هو الا قمّة العقلانيّة والواقعيّة والديموقراطية. فحتى في أحلك الظروف وأصعبها، وبالرغم من التحريض الأرعن، والملاحقات السياسية، والتعسّف في تعامل الدولة مع الفلسطينيين في الداخل يجب ان لا نتوقف عن التصدي وعن طرح البدائل الحقيقة المستدامة، لأن التراجع أمامها لا يدمّر المنجزات الوطنية فحسب، بل يحول قضية المساواة دون مطلب تغيير طبيعة الدولة وبمعزل عن الحقوق الجماعية إلى توسل ومراضاة، ويؤدي لا محالة إلى تراجع المشاريع السياسية في الداخل وكسر المطالب الجماعية القومية، واحباط المطالبة في موضوع المساواة ذاتها.

التغيير ممكن ووارد، لكنه يحتاج الى إرادة حقيقية ومشروع جماعي. وكما افشلت هبة القدس والاقصى وتضحيات الفلسطينيين في الداخل مشاريع الأسرلة والتدجين، بالإمكان استثمار المؤسسات الوطنية والعمل الجماعي لإحباط السياسات الإسرائيلية الراهنة.
 

انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق انشر تعقيب
لارسال مواد واخبار لموقع العرب عبر البريد:
alarab@alarab.com